ضريبة الغربه حكايات اسما ×5
بدأت أعمال البناء بعد شهرين.
كل يوم كنت أروح الموقع.
وأقف بالساعات أتفرج على العمال.
يمكن لأول مرة في حياتي…
أحس إن الفلوس رايحة في مكان يستحق.
سارة كانت دايمًا تيجي معايا.
وتقول وهي بتبص للمبنى:
“أبوك أكيد فخور بيك.”
كنت أبتسم.
وأقول:
“ده فضله هو.
مش فضلي أنا.”
بعد سنة كاملة…
افتتحنا المستشفى.
وفي نفس اليوم…
افتتحنا المدرسة.
كتبنا على المدخل لوحة صغيرة.
“هذا العمل صدقة جارية على روح محمود السيوفي.
ونسأل الله الرحمة والمغفرة لفاطمة السيوفي.”
ناس كتير استغربت.
وقالولي:
“بعد كل اللي عملته والدتك…
لسه كاتب اسمها؟”
كنت أرد بكلمة واحدة.
“الرحمة من عند ربنا.”
مرت الشهور.
والمكان بقى يستقبل مئات المرضى.
وأطفال كتير دخلوا المدرسة من غير ما يدفعوا جنيه واحد.
وفي يوم.
وأنا بلف في المستشفى.
سمعت ممرضة بتنادي.
“يا أستاذ أحمد…
في راجل كبير بيسأل عليك.”
خرجت.
ولقيت راجل في أواخر السبعين.
ماسك عصاية.
وأول ما شافني.
ابتسم.
وقال:
“أخيرًا لقيتك.”
قلت:
“اتفضل.”
مد إيده بعلبة مخمل صغيرة.
وقال:
“أنا كنت شريك أبوك الأول.”
استغربت.
وقلت:
“حضرتك كمان؟”
ضحك.
وقال:
“أبوك كان بيعمل خير من غير ما يقول لحد.”
فتح العلبة.
كان فيها خاتم دهب قديم.
منقوش عليه حرفان.
“م . س.”
قال:
“ده خاتم والدك.
كان سابه عندي يوم بدأ مشروعه الأول.
وقاللي…
لو ابني بقى راجل أمين.
سلمهوله.”
أخدت الخاتم.
ولبسته.
وحسيت كأن إيد أبويا بتربت على كتفي.
قبل ما الراجل يمشي.
وقف.
وقال:
“في حاجة لازم تعرفها.”
بصيت له.
قال:
“أبوك كان يقدر يبقى من أغنى رجال البلد.
لكنه باع نص ثروته علشان يسدد ديون ناس غلابة.
وكان دايمًا يقول…
الرزق اللي يفضل بعد الموت.
هو اللي يدخل السرور على قلب محتاج.”
بعد ما مشي.
فضلت واقف قدام باب المستشفى.
كل مريض داخل.
وكل طفل خارج من المدرسة.
كانوا بالنسبالي رسالة.
إن تعب السنين…
ما راحش هدر.
رجعت البيت في آخر اليوم.
لقيت آدم مستنيني.
قال:
“يا بابا…
أنا قررت أكمل شغل المؤسسة.”
وبعدين دخلت ملك.
وقالت:
“وأنا هتطوع يومين كل أسبوع في المستشفى.”
بصيت لهم.
وحسيت إن أعظم ميراث سيبته ليهم…
ما كانش الشركة.
ولا الأراضي.
ولا الأموال.
كان إنهم عرفوا قيمة الرحمة.
وفي تلك الليلة…
وقفت في شرفة الفيلا.
بصيت للسماء.
وابتسمت.
وقلت بصوت منخفض:
“اطمن يا أبويا…
الأمانة وصلت.
والخير لسه هيكمل…
حتى بعد ما كلنا نمشي.”
مر على اللي حصل عشر سنين.
بقى عندي شعر أبيض.
لكن كل ما أبص في المراية…
أشوف أحمد اللي رجع من الغربة وهو شايل شنطتين.
وقلبه مكسور.
وفي صباح يوم جمعة…
كنت قاعد في جنينة الفيلا.
بشرب قهوتي.
لما سمعت صوت عربية وقفت قدام الباب.
نزل منها شاب صغير.
يمكن عنده خمسة وعشرين سنة.
كان لابس بدلة بسيطة.
وشايل شنطة جلد.
خبط الباب.
وأول ما دخل.
قال باحترام:
“حضرتك الأستاذ أحمد السيوفي؟”
قلت:
“أيوه.”
ابتسم.
وقال:
“أنا محامي تحت التمرين.
وجاي أوصل لحضرتك أمانة.”
استغربت.
وسألته:
“أمانة من مين؟”
طلع ظرف مختوم.
وقال:
“من الأستاذ عبدالتواب.
المحاسب اللي ساعد حضرتك زمان.”
اتجمدت مكاني.
عبدالتواب كان متوفي من شهر.
فتحت الظرف.
لقيت جواب.
“يا أحمد…
لو الرسالة دي وصلتلك.
يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
لكن قبل ما أمشي…
كان لازم أقولك حاجة.
أنا احتفظت بنسخة من كل الأوراق.
مش علشان القضية.
لكن علشان التاريخ.
وعلشان ولادك يعرفوا الحقيقة كاملة.
الحق لما بيرجع…
لازم الناس تعرف إنه رجع.”
كان مع الرسالة مفتاح صغير.
وتحته عنوان مخزن قديم.
روحت في نفس اليوم.
المخزن كان في منطقة صناعية.
صاحبه أول ما عرف اسمي.
طلع صندوق خشب كبير.
وقال:
“الراجل وصاني ما أسلموش غير ليك.”
فتحت الصندوق.
لقيت صور.
وملفات.
وجرنالات قديمة.
وخطابات بخط إيد أبويا.
لكن أكتر حاجة شدتني…
كانت كراسة صغيرة.
عنوانها.
“يوميات أحمد.”
استغربت.
فتحتها.
ولقيت إن أبويا كان بيكتب عني من وأنا طفل.
“النهارده أحمد وقع وهو بيتعلم يمشي.
قام وضحك.
الولد ده عمره ما هيستسلم.”
وقلبت صفحة تانية.
“النهارده أحمد نجح في الثانوية.
أنا فخور بيه.”
وقلبت صفحة أخيرة.
كانت قبل وفاته بأيام.
“لو ابني قابل الأيام الصعبة…
أنا واثق إنه هيخرج منها أنضف مما دخلها.”
قفلت الكراسة.
وحضنتها على صدري.
لأول مرة…
حسيت إن أبويا كان عايش معايا في كل خطوة.
رجعت البيت.
ناديت آدم.
وملك.
وقعدنا كلنا في الصالون.
حكيت لهم الحكاية من أولها.
من يوم السفر.
لحد آخر رسالة.
ولما خلصت…
آدم قال:
“يا بابا…
إحنا لازم نحافظ على كل ده.”
قلت:
“إزاي؟”
قال:
“نعمل متحف صغير في المؤسسة.
نحط فيه الصور.
والرسائل.
وكل حاجة تعلم الناس إن الطمع ممكن يهدم بيوت.
وإن الصبر والعدل يقدروا يبنوها من جديد.”
بصيت لسارة.
لقيتها مبتسمة.
وقالت:
“دي أحسن نهاية للحكاية.”
ابتسمت.
وقلت:
“لأ…
دي مش النهاية.
دي بداية حكاية جديدة…
هيعيشها ولادنا…
من غير خوف…
ومن غير غربة…
ومن غير أوضة فوق السطوح.”
بعد افتتاح المتحف بشهور…
بدأ ناس كتير تيجي تزوره.
كان فيه اللي يقرأ جواب أبويا ويبكي.
وفيه اللي يقف قدام صورة أوضة السطوح ويسكت.
أنا كنت كل يوم أدخل آخر القاعة.
وأقف قدام الصورة اللي جمعتني بسارة وآدم وملك بعد رجوعي.
وأقول في سري:
“الحمد لله.”
وفي صباح يوم.
دخل عليا مدير المؤسسة.
وقال:
“يا أستاذ أحمد…
في راجل من السعودية بيسأل عليك.”
استغربت.
وقلت:
“من السعودية؟”
قال:
“بيقول اشتغل مع حضرتك زمان.”
خرجت بسرعة.
ولما شوفته…
عرفته من أول نظرة.
كان سعيد.
المراقب اللي كان شغال معايا في موقع البترول.
كبر.
وشعره شاب.
لكن ابتسامته زي ما هي.
أول ما شافني حضني.
وقال:
“والله كنت عارف إن ربنا هيعوضك.”
قعدنا نتكلم بالساعات.
افتكرنا أيام الحر.
والشغل.
والتعب.
والليالي اللي كنا بننام فيها ساعتين بس.
ضحك وقال:
“فاكر لما كنت ترفض تاخد يوم إجازة؟
وكنت تقول…
كل ساعة زيادة معناها حاجة حلوة لولادي.”
ابتسمت.
وقلت:
“افتكر.”
طلع من شنطته كيس قماش صغير.
وقال:
“ده بتاعك.”
فتحته.
ولقيت ساعة قديمة.
الساعة اللي كنت لابسها يوم سافرت.
كنت فاكر إنها ضاعت.
قال سعيد:
“وقعت منك آخر يوم.
ولما لقيتها سألت عليك.
قالولي سافرت.
احتفظت بيها.
وقلت لو ربنا جمعنا يوم…
هرجعهالك.”
مسكت الساعة.
ولقيتها واقفة عند نفس الدقيقة.
دقيقة رجوعي الأخيرة من الموقع.
ضحكت.
وقلت:
“الغريب إنها مستنياني.”
قال:
“زي ناس كتير كانت مستنياك.”
في المساء.
جمعت ولادي.
وحكيت لهم عن سعيد.
وعن أيام الغربة.
آدم قال:
“يا بابا…
لو رجع بيك الزمن.
كنت هتسافر تاني؟”
بصيت لسارة.
وبعدين بصيت لولادي.
وقلت بهدوء:
“كنت هشتغل وأتعب.
لكن عمري ما كنت هسيبكم خمس سنين.
مفيش فلوس في الدنيا…
تعوض حضن ابن لابوه.
ولا تعوض دمعة زوجة وهي مستنية جوزها.”
ساد الصمت.
ملك قربت مني.
وقالت:
“إحنا فخورين بيك.
مش علشان بقيت غني.
لكن علشان رغم كل اللي حصل…
فضل قلبك أبيض.”
ابتسمت.
وحضنتها.
وفي الليلة دي…
طلعت أمشي في جنينة الفيلا.
بصيت للسماء.
وافتكرت أول ليلة رجعت فيها.
كنت واقف في نفس المكان.
والنار مالية قلبي.
أما النهارده…
فكنت واقف في نفس المكان.
لكن قلبي كان مليان سلام.
وعرفت إن الإنسان…
مش بينتصر يوم يسترد فلوسه.
الانتصار الحقيقي…
يوم يسترد نفسه…
بعد أيام قليلة…
كنت راجع من المؤسسة.
ولقيت عربية إسعاف واقفة قدام بيت الجيران.
ناس كتير متجمعة.
وأصوات بكاء مالية الشارع.
سألت واحد واقف.
قال:
“الراجل اللي ساكن هنا مات فجأة.
وسايب مراته وثلاث أطفال.”
رجعت البيت.
لكن منظر الأطفال ما فارقش خيالي.
فضلت طول الليل صاحي.
وسارة لاحظت شرودي.
قالت:
“في إيه يا أحمد؟”
قلت:
“كل ما أشوف طفل فقد أبوه…
أفتكر ولادي.
كان ممكن يعيشوا نفس الإحساس…
وأنا لسه عايش.”
تاني يوم الصبح…
روحت بيت الجيران.
قعدت مع الأرملة.
كانت منهارة.
مش عارفة تبدأ منين.
ولا هتصرف على أولادها إزاي.
خرجت من عندها.
ورجعت المؤسسة.
جمعت مجلس الإدارة.
وقلت لهم:
“من النهارده…
هنعمل صندوق جديد.”
سألوني:
“صندوق لإيه؟”
قلت:
“لكل أسرة فقدت عائلها.
مش هنديهم فلوس وخلاص.
هنوفر شغل.
وتعليم.
وعلاج.
لحد ما يقفوا على رجلهم.”
بعد شهور…
الصندوق ساعد عشرات الأسر.
وبعدين بقى يساعد مئات.
وفي نهاية السنة…
طلع تقرير المؤسسة.
ولما قريته…
لقيت إن أكتر من ألف طفل رجعوا مدارسهم.
ومئات الأسر بدأت مشاريع صغيرة.
قفلت التقرير.
وحمدت ربنا.
وفي احتفال المؤسسة السنوي…
طلع طفل صغير على المسرح.
يمكن عنده عشر سنين.
وقف قدام الميكروفون.
وقال:
“أنا معرفش الأستاذ أحمد غير من سنة.
بس هو رجعلي الأمل.”
القاعة كلها سكتت.
الولد كمل.
“لما بابا مات…
افتكرت إن حياتنا خلصت.
بس النهارده…
أنا الأول على فصلي.
وأمي فتحت مشروع.
وأختي دخلت المدرسة.”
بصيت لسارة.
لقيت دموعها بتنزل.
أما أنا…
فحسيت إن كل ساعة تعبتها في الغربة…
ربنا عوضني عنها بالدعوة دي.
بعد الاحتفال…
آدم قالي:
“يا بابا…
إنت دايمًا بتقول إن الإنسان لازم يسيب أثر.”
ابتسمت.
وقلت:
“الأثر الحقيقي…
مش عمارة عالية.
ولا رصيد في البنك.
الأثر الحقيقي…
إن حد يدعيلك من قلبه…
وإنت مش موجود.”
وفي آخر الليل…
رجعت أقف قدام صورة أبويا في المكتب.
ابتسمت.
وقلت:
“أنا عملت اللي قدرت عليه يا أبويا.
والخير اللي زرعته…
بدأ يكبر.
ووعدي ليك…
لسه مكمل.”
بعد الاحتفال بأيام…
وصلني اتصال في وقت متأخر من الليل.
الرقم كان غريب.
رديت.
لقيت صوت ست كبيرة في السن.
قالت بهدوء:
“إنت الأستاذ أحمد السيوفي؟”
قلت:
“أيوه.”
قالت:
“أنا كنت جارتكم زمان.
وفي أمانة فضلت عندي سنين.”
استغربت.
وسألتها:
“أمانة إيه؟”
قالت:
“تعالى بكرة…
وهتعرف.”
تاني يوم…
روحت بيتها.
كان بيت قديم.
في آخر شارع عشت فيه طفولتي.
فتحتلي الباب.
وكان واضح عليها كبر السن.
دخلت.
طلعت صندوق خشب صغير من فوق الدولاب.
وقالت:
“أبوك سابه عندي قبل وفاته بشهر.”
فتحت الصندوق.
لقيت دفتر توفير باسمي.
وتحته جواب.
فتحته بسرعة.
كان أبويا كاتب.
“يا أحمد…
أنا عارف إن الأيام بتتغير.
وعارف إن الإنسان ممكن يضعف.
عشان كده كنت دايمًا أخبي جزء من رزقي بعيد.
مش علشان الفلوس.
لكن علشان لو الدنيا ضاقت عليك…
تلاقي باب مفتوح.”
قلبت الصفحة.
ولقيت مبلغ بسيط بالنسبة للي بقيت أملكه دلوقتي.
لكن قيمته كانت أكبر من أي ملايين.
لأنه كان آخر حاجة أبويا عملها علشاني.
الست بصتلي.
وقالت:
“أبوك كان كل ما يجي هنا…
يقولي.
لو حصل لي حاجة…
قولي لابني ما يكرهش حد.
الكره بياكل صاحبه.”
ابتسمت رغم دموعي.
وشكرتها.
وأنا خارج من البيت…
عديت على الشارع اللي كنت بلعب فيه وأنا صغير.
كل ركن كان فيه ذكرى.
كل بيت كان شاهد على طفولتي.
رجعت الفيلا.
ولقيت آدم مستنيني.
قال:
“يا بابا…
في شاب مقدم على منحة من المؤسسة.”
قلت:
“خير.”
قال:
“أبوه كان شغال معاك في موقع البترول.
ومات هناك من سنين.”
طلبت أشوف الملف.
أول ما قريت الاسم…
افتكرته.
عبدالله.
كان من أكتر الناس تعبًا واجتهادًا.
قلبت الأوراق.
ولقيت ابنه الأول على دفعته.
لكن ظروفه صعبة.
قفلت الملف.
وقلت من غير ما أفكر.
“المنحة تتوافق عليها.
وكمان وفروا له تدريب في الشركة.”
آدم ابتسم.
وقال:
“ليه اهتميت بيه بالشكل ده؟”
بصيت له.
وقلت:
“لأن زمان…
أبويا فتحلي باب.
وفي الغربة…
ناس وقفت جنبي.
والنهارده جه دوري أفتح الباب لغيري.”
في نفس الليلة…
وقفت في جنينة الفيلا.
بصيت للبيت.
افتكرت اليوم اللي دخلته وأنا شايل الغضب في قلبي.
أما النهارده…
فكنت بدخله وأنا شايل امتنان.
عرفت وقتها…
إن الإنسان مش بيبقى غني لما يجمع فلوس.
الإنسان بيبقى غني…
لما يبقى سبب في إن دموع حد تتحول لابتسامة.
ولأول مرة من سنين طويلة…
نمت…
من غير ما أصحى على ذكرى توجعني.
مرت خمسة عشر سنة.
بقى شعري كله أبيض.
وبقى عندي أحفاد يملوا البيت ضحك.
كل يوم جمعة كانوا يتجمعوا حواليا.
ويقولوا:
“يا جدو…
احكيلنا حكاية الغربة.”
وأبدأ أحكيلهم.
لكن عمري ما حكيت عن الفلوس.
ولا عن القضية.
ولا عن المحاكم.
كنت أحكيلهم عن قيمة البيت.
وعن حضن الأم.
وعن الأب اللي يضحي علشان ولاده.
وفي يوم…
آدم دخل عليا المكتب.
وقال:
“يا بابا…
إحنا خلصنا آخر مرحلة في المستشفى الجديد.”
ابتسمت.
وقلت:
“الحمد لله.”
وقال:
“وفيه اقتراح.”
قلت:
“إيه هو؟”
قال:
“نسمي المبنى الرئيسي باسم أمي.”
بصيت لسارة.
لقيتها اتكسفت.
وقالت:
“لا يا ابني…
مش مستاهلة.”
ابتسم آدم.
وقال:
“إنتِ اللي استحملت الجوع.
والبرد.
وأوضة السطوح.
ولو ما كنتيش صبرتي…
ما كناش بقينا هنا النهارده.”
ملك قربت من أمها.
وحضنتها.
وقالت:
“إحنا كلنا مدينين ليكي.”
نزلت دموع سارة.
ولأول مرة…
وافقت.
وفي يوم الافتتاح.
كانت اللافتة الكبيرة مكتوب عليها:
“مركز سارة أحمد السيوفي لرعاية الأسرة والطفل.”
وقفت أبص للاسم.
وحسيت إن الدنيا أخيرًا أنصفت الست اللي ظلمها أقرب الناس.
بعد الحفل.
طلبت من آدم وملك ييجوا معايا.
ركبنا العربية.
وروحنا المقابر.
وقفنا قدام قبر أبويا.
قريت الفاتحة.
وقلت:
“اطمن يا أبويا.
وصيتك اتنفذت.”
وبعدين وقفنا قدام قبر أمي.
قريت لها الفاتحة برضه.
آدم استغرب.
وقال:
“بعد كل اللي عملته؟”
بصيت له.
وقلت:
“الغل عمره ما بيرجع حق.
ولا بيطمن قلب.
أنا سامحتها من زمان.
وسبت حسابها لرب كريم.”
واحنا خارجين من المقابر.
مسكت إيد حفيدي الصغير.
كان عنده سبع سنين.
بصلي وقال:
“يا جدو…
إيه أهم حاجة اتعلمتها في حياتك؟”
ابتسمت.
وقعدت على ركبتي قدامه.
وقلت:
“اتعلمت إن الفلوس ممكن تضيع وترجع.
والبيوت ممكن تقع وتتصلح.
لكن لو ضاع الضمير…
صعب يرجع.
واتعلمت إن الإنسان لما يعمل خير…
الخير بيرجعله حتى لو بعد سنين.
واتعلمت إن الظلم مهما طال…
ربنا بيمهل…
لكنه لا يهمل.”
ابتسم الولد.
ومسك إيدي.
ورجعنا البيت.
وفي آخر الليل.
طلعت أوضة السطوح.
اللي سيبتها زي ما هي من يوم رجعت.
فتحت الباب.
دخلت.
لقيت السرير الحديد القديم.
والشباك الصغير.
ورغيف عيش يابس كنت محتفظ بيه في علبة زجاج.
نفس الرغيف اللي لقيته في إيد ابني يوم رجوعي.
احتفظت بيه طول السنين.
علشان ما أنساش.
ما أنساش إن النعمة ممكن تضيع في لحظة.
وإن الإنسان لازم يشكر ربنا عليها كل يوم.
قفلت العلبة.
وبصيت من الشباك.
لقيت الفيلا منورة.
وأحفادي بيلعبوا في الجنينة.
وسارة قاعدة تضحك وسطهم.
ابتسمت.
وقلت بصوت واطي:
“الحمد لله…
رجعتلي عيلتي.
ورجعتلي كرامتي.
وأغلى ميراث سيبته لولادي…
إنهم عرفوا إن الحق بيتاخد بالعدل.
وإن الرحمة أقوى من الانتقام.”
قفلت باب أوضة السطوح للمرة الأخيرة.
وسلمت المفتاح لآدم.
وقلت له:
“خلي الأوضة دي تفضل زي ما هي.
مش علشان نفتكر الوجع.
لكن علشان نفتكر إن ربنا قادر يغير أصعب الأقدار في لحظة.”
ومن يومها…
كل واحد كان يدخل الأوضة…
كان يخرج منها وهو عارف…
أن أصعب الليالي…
قد تكون بداية أجمل حياة.
تمت.