دعوى طلاق حكايات اسما ×4

الفصل التاسع

 

لثانية واحدة فقط…

 

توقف قلب آدم.

 

الصورة التي وصلت إلى هاتفه لم تكن قديمة.

 

ولا مأخوذة من كاميرات المستشفى.

 

كانت صورة حديثة جدًا.

 

التقطت بعد الولادة بدقائق.

 

الطفل كان ملفوفًا في بطانيته البيضاء.

 

ويرقد داخل الحضانة.

 

ما يعني شيئًا واحدًا فقط.

 

هناك شخص قريب جدًا منه.

 

قريب أكثر مما ينبغي.

 

رفع آدم رأسه فورًا.

 

ونظر إلى قائد الحراسة.

 

ثم أراه الصورة.

 

تغير لون وجه الرجل.

 

وقال:

 

“مستحيل.”

 

رد آدم بحدة:

 

“واضح إنه مش مستحيل.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

كانت سارة قد بدأت تستعيد وعيها.

 

فتحت عينيها بصعوبة.

 

وشعرت بثقل شديد في جسدها.

 

أول شيء قالته كان:

 

“ابني…”

 

اقتربت منها إحدى الطبيبات مبتسمة.

 

“بخير.”

 

لكن سارة لم تهدأ.

 

وكأن قلب الأم شعر بشيء لا يراه الآخرون.

 

قالت مرة أخرى:

 

“عايزة أشوفه.”

 

—

 

في الحضانة الخاصة…

 

كانت الممرضة المناوبة تراجع الملفات.

 

ثم التفتت للحظات نحو جهاز المراقبة.

 

وحين عادت بعينيها…

 

تجمدت.

 

الحضانة رقم 7.

 

فارغة.

 

رمشت مرة.

 

ثم مرتين.

 

اعتقدت أنها تتخيل.

 

لكن الحضانة كانت فارغة فعلًا.

 

الطفل اختفى.

 

خرج منها صراخ هز الطابق كله.

 

“الطفل!”

 

“الطفل مش موجود!”

 

خلال ثوانٍ…

 

تحولت المستشفى إلى فوضى.

 

أجهزة الإنذار اشتغلت.

 

الأبواب أغلقت بالكامل.

 

الحراس انتشروا في كل مكان.

 

أما آدم…

 

فشعر أن العالم ينهار حوله.

 

أمسك الممرضة من كتفيها.

 

“إزاي؟!”

 

كانت تبكي.

 

“والله ما أعرف.”

 

“كنت هنا.”

 

“والله كنت هنا.”

 

—

 

أما فارس الدهبي…

 

فكان واقفًا في الممر.

 

هادئًا بشكل مخيف.

 

هادئًا أكثر من اللازم.

 

وهذا كان أسوأ شيء.

 

لأن كل من يعرفه…

 

يعرف أن هدوءه يعني أن غضبه وصل لأقصى درجة.

 

رفع هاتفه.

 

واتصل برقم واحد فقط.

 

بعد ثوانٍ جاءه الرد.

 

قال فارس:

 

“أغلقوا المدينة.”

 

ساد صمت قصير.

 

ثم جاء الصوت من الطرف الآخر:

 

“تم.”

 

أغلق الخط.

 

ونظر إلى آدم.

 

وقال:

 

“هيلاقوه.”

 

لكن حتى هو لم يكن واثقًا من ذلك.

 

—

 

في الجهة الأخرى…

 

كان رجل يرتدي ملابس عامل نظافة يتحرك بسرعة داخل أحد الممرات الخلفية.

 

بين ذراعيه حقيبة كبيرة.

 

وحقيبة كهذه لا تلفت الانتباه داخل مستشفى.

 

لكن ما بداخلها…

 

كان أخطر شيء في القاهرة كلها.

 

وريث المنصور والدهبي.

 

الطفل الذي يمكن أن يرث مليارات.

 

الرجل وصل إلى باب الخدمة.

 

وأخرج بطاقة إلكترونية مزورة.

 

لكن قبل أن يفتح الباب…

 

سمع صوتًا خلفه.

 

“استنى مكانك.”

 

تجمد.

 

ثم التفت ببطء.

 

وكان كريم الشاذلي واقفًا هناك.

 

مرة أخرى.

 

كأنه يظهر في كل لحظة حاسمة.

 

نظر كريم إلى الحقيبة.

 

ثم إلى الرجل.

 

وقال:

 

“حطها على الأرض.”

 

الرجل ابتسم.

 

ثم أخرج س*لاحًا صغيرًا.

 

وقال:

 

“امشي من هنا يا دكتور.”

 

لكن كريم لم يتحرك.

 

لأنه أدرك ما بداخل الحقيبة.

 

وأدرك أن الأمر لم يعد يتعلق بسارة فقط.

 

بل بطفل لا ذنب له في أي شيء.

 

—

 

في نفس اللحظة…

 

كانت سارة في غرفتها.

 

تشعر أن شيئًا كارثيًا حدث.

 

لا أحد يخبرها بالحقيقة.

 

ولا أحد ينظر في عينيها.

 

وهذا وحده كان كافيًا.

 

نزعت أجهزة المتابعة من يدها.

 

وحاولت النهوض.

 

صرخت الطبيبة:

 

“ممنوع!”

 

لكن سارة قالت بصوت مرتجف:

 

“ابني فين؟”

 

ولم يجبها أحد.

 

وهنا فقط…

 

عرفت.

 

عرفت أن أسوأ كوابيسها أصبح حقيقة.

 

—

 

أما في الممر الخلفي…

 

فبدأت المواجهة.

 

الرجل رفع الس*لاح.

 

وكريم رفع يديه ببطء.

 

لكن قبل أن يضغط الرجل على الزناد…

 

انطلقت رصاصة من مكان آخر.

 

استقرت في الحائط بجواره.

 

التفت الجميع.

 

وكان آدم قد وصل.

 

خلفه عشرات الحراس.

 

اتسعت عينا الخاطف.

 

وحاول الهرب.

 

لكن الوقت كان قد انتهى.

 

سقطت الحقيبة من يده.

 

وتدحرجت على الأرض.

 

ركض آدم نحوها بجنون.

 

ركع على ركبتيه.

 

وفتح السحاب بيدين مرتعشتين.

 

ولثانية كاملة…

 

لم يتنفس أحد.

 

ثم…

 

انطلق صوت بكاء صغير من داخل الحقيبة.

 

بكاء غاضب.

 

حي.

 

آمن.

 

سليم.

 

أغمض آدم عينيه بقوة.

 

وشعر أن ركبتيه لم تعودا قادرتين على حمله.

 

أما فارس الدهبي…

 

فنظر إلى الخاطف المقيد.

 

ثم قال جملة واحدة فقط:

 

“هاتوا طارق المنصور.”

 

لكن الخاطف ضحك فجأة.

 

ضحكة غريبة.

 

مخيفة.

 

ثم قال:

 

“متأخرين.”

 

تجمد الجميع.

 

وقال آدم:

 

“إيه اللي متأخر؟”

 

ابتسم الرجل والدم ينزف من شفتيه.

 

وقال:

 

“أنتم فاكرين إن الطفل هو الهدف.”

 

ثم رفع رأسه بصعوبة.

 

وأكمل:

 

“الهدف الحقيقي… موجود جوه القصر دلوقتي.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

رن هاتف فارس الدهبي.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم شحب وجهه لأول مرة منذ سنوات طويلة.

 

لأن المتصل كان رئيس أمن القصر.

 

وعندما رد…

 

سمع جملة واحدة قلبت كل شيء.

 

“يا فندم…”

 

“الخزنة الرئيسية اتسرقت.”

الفصل العاشر

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

ظهر الذهول على وجه فارس الدهبي.

 

وقف صامتًا لثوانٍ.

 

لا يتحرك.

 

ولا يتكلم.

 

فقط ينظر أمامه.

 

كأن الجملة التي سمعها لم تدخل عقله بعد.

 

أما آدم…

 

فأدرك خطورة الأمر فورًا.

 

لأن فارس لم يكن من النوع الذي يهتز بسهولة.

 

قال بسرعة:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

لكن فارس لم يجب.

 

بل أغلق الهاتف ببطء.

 

ثم قال:

 

“لازم نرجع القصر.”

 

نظر إليه آدم باستغراب.

 

“الخزنة فيها إيه؟”

 

التفت إليه فارس.

 

وكانت عيناه مختلفتين تمامًا.

 

وقال:

 

“كل حاجة.”

 

—

 

بعد أقل من ثلاثين دقيقة…

 

وصل الموكب إلى القصر.

 

الحراسة في كل مكان.

 

السيارات السوداء تملأ المداخل.

 

والتوتر يسيطر على الجميع.

 

دخل فارس مباشرة إلى جناحه الخاص.

 

وخلفه آدم.

 

وكريم.

 

واثنان من كبار رجال الأمن.

 

وصلوا إلى غرفة مخفية خلف مكتبة ضخمة.

 

فتح فارس الباب السري.

 

ثم نزلوا درجات قليلة إلى الأسفل.

 

هناك…

 

كانت الخزنة العملاقة.

 

لكن بابها كان مفتوحًا.

 

مفتوحًا بالكامل.

 

شعر آدم بالغضب.

 

وقال:

 

“مستحيل.”

 

اقترب فارس ببطء.

 

ونظر إلى الداخل.

 

الخزنة لم تكن فارغة.

 

الأموال موجودة.

 

الذهب موجود.

 

المجوهرات موجودة.

 

حتى السندات والأسهم لم تُمس.

 

وهنا…

 

ازداد القلق.

 

لأن اللص لم يأتِ من أجل المال.

 

جاء من أجل شيء محدد.

 

شيء واحد فقط.

 

قال فارس بصوت خافت:

 

“أخدوه.”

 

سأله آدم:

 

“أخدوا إيه؟”

 

أغلق فارس عينيه للحظة.

 

ثم قال:

 

“الملف الأسود.”

 

ساد الصمت.

 

حتى رجال الأمن تبادلوا النظرات.

 

واضح أنهم يعرفون الاسم.

 

لكن لا يعرفون التفاصيل.

 

أما كريم…

 

فقال:

 

“ملف إيه؟”

 

رفع فارس رأسه.

 

ونظر إليه.

 

ثم قال:

 

“الملف اللي كنت مخبيه من 28 سنة.”

 

—

 

في نفس اللحظة…

 

كان طارق المنصور يجلس داخل طائرة خاصة متجهة إلى وجهة مجهولة.

 

أمامه حقيبة سوداء صغيرة.

 

فتحها.

 

وأخرج ملفًا قديمًا.

 

أسود اللون.

 

مهترئ الأطراف.

 

لكنه محفوظ بعناية.

 

ابتسم.

 

وقال:

 

“أخيرًا.”

 

ثم فتح الصفحة الأولى.

 

وبدأت عيناه تلمعان.

 

لأن ما بداخله…

 

كان أخطر مما توقع حتى هو.

 

—

 

عاد المشهد إلى القصر.

 

جلس الجميع داخل مكتب فارس.

 

وأخيرًا…

 

قرر الرجل أن يكشف السر.

 

قال:

 

“قبل 28 سنة…”

 

“كان فيه أربع شركاء.”

 

“أنا.”

 

“ووالد آدم.”

 

“ورجلين تانيين.”

 

رفع آدم رأسه.

 

لأنه لم يسمع القصة كاملة من قبل.

 

أكمل فارس:

 

“إحنا الأربعة بدأنا من الصفر.”

 

“شركة صغيرة.”

 

“مكتب صغير.”

 

“وحلم كبير.”

 

ثم سكت لحظة.

 

وأضاف:

 

“لكن واحد منهم خان الباقيين.”

 

ساد الصمت.

 

وقال كريم:

 

“مين؟”

 

أجاب فارس:

 

“كمال المنصور.”

 

اتسعت عينا آدم.

 

لأن الاسم كان معروفًا جدًا.

 

كمال المنصور.

 

عم طارق.

 

وأحد أعمدة العائلة.

 

بل أحد أكثر رجال الأعمال احترامًا في البلد.

 

لكن فارس هز رأسه.

 

وقال:

 

“الصورة اللي الناس تعرفها غير الحقيقة.”

 

ثم فتح درج مكتبه.

 

وأخرج صورة قديمة.

 

أربعة رجال شباب.

 

يقفون أمام أول مقر للشركة.

 

وأشار إلى أحدهم.

 

“ده كمال.”

 

ثم أكمل:

 

“سرق ملايين.”

 

“زور عقود.”

 

“باع أسرار الشركات.”

 

“وتسبب في مق*تل شريكينا التانيين.”

 

شحب وجه آدم.

 

“مقت*ل؟”

 

هز فارس رأسه ببطء.

 

“كانت متغطية على إنها حوادث.”

 

“لكنها ما كانتش حوادث.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

ثم أضاف:

 

“وكل الأدلة كانت جوه الملف الأسود.”

 

شعر كريم بقشعريرة.

 

وقال:

 

“يعني طارق دلوقتي معاه الأدلة دي؟”

 

رد فارس:

 

“أيوه.”

 

“ولو نشرها…”

 

“هيقلب البلد كلها.”

 

—

 

لكن الحقيقة…

 

كانت أخطر من ذلك.

 

بكثير.

 

لأن الملف لم يكن يحتوي على جرائم الماضي فقط.

 

كان يحتوي أيضًا على شيء آخر.

 

شيء لم يعرفه أحد.

 

شيء يخص سارة نفسها.

 

وفي الطائرة…

 

وصل طارق إلى آخر صفحات الملف.

 

وفجأة…

 

اختفت الابتسامة من وجهه.

 

جلس مستقيمًا.

 

ثم أعاد قراءة السطر مرة ثانية.

 

وثالثة.

 

ورابعة.

 

كأنه لا يصدق.

 

ثم همس:

 

“مستحيل.”

 

رفع الهاتف فورًا.

 

واتصل بأحد رجاله.

 

وحين جاءه الرد قال:

 

“غيروا الخطة.”

 

سأله الرجل:

 

“ليه يا باشا؟”

 

أجاب بصوت مضطرب:

 

“لأن البنت دي…”

 

ثم نظر إلى الصفحة مرة أخرى.

 

“…مش مجرد بنت فارس الدهبي.”

 

وفي القصر…

 

كانت سارة تحمل طفلها لأول مرة.

 

تقبله.

 

وتبكي من الفرح.

 

دون أن تعرف…

 

أن سرًا عمره عشرات السنين خرج من الظلام.

 

سرًا قادرًا على تغيير هويتها بالكامل.

 

وقادرًا على تدمير عائلات كاملة.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصل إلى هاتف فارس الدهبي بريد إلكتروني مجهول.

 

بداخله صورة واحدة.

 

صورة لصفحة من الملف الأسود.

 

وعليها دائرة حمراء حول سطر محدد.

 

قرأه فارس.

 

فتغير لون وجهه فورًا.

 

أما آدم…

 

فخطف الهاتف من يده.

 

وقرأ السطر.

 

ثم وقف فجأة.

 

غير مصدق.

 

لأن السطر كان يقول:

 

“الوريثة الشرعية الأولى لكامل أصول التحالف القديم: سارة فارس الدهبي.”

 

لكن هذا لم يكن الجزء الصادم.

 

الجزء الصادم كان السطر الذي تحته مباشرة.

 

السطر الذي لم يره أحد من قبل.

 

السطر الذي جعل آدم يهمس:

 

“يا نهار أبيض…”

 

لأن الحقيقة كانت تعني أن هناك شخصًا آخر…

 

ما زال حيًا.

 

وشخصًا آخر…

 

له حق في الإمبراطورية كلها.

الفصل الحادي عشر

 

ظل الصمت مسيطرًا على المكتب لعدة ثوانٍ.

 

ثوانٍ طويلة.

 

ثقيلة.

 

لا أحد تكلم.

 

ولا أحد تحرك.

 

فارس الدهبي كان يحدق في شاشة الهاتف.

 

وآدم ينظر إليه.

 

أما كريم…

 

فلم يفهم بالكامل سبب الصدمة.

 

قال أخيرًا:

 

“هو إيه المكتوب؟”

 

لكن لا أحد رد.

 

مد آدم الهاتف نحوه.

 

فأخذ كريم الجهاز.

 

وقرأ السطر الأخير.

 

ثم تجمد مكانه.

 

لأن السطر كان يقول:

 

“في حالة وفاة الشركاء المؤسسين أو ورثتهم المباشرين، تنتقل الحصة المتبقية إلى الابن الشرعي الموثق في الملف رقم 17.”

 

رفع كريم رأسه.

 

وقال:

 

“مين الابن ده؟”

 

تنهد فارس ببطء.

 

ثم جلس على كرسيه.

 

لأول مرة بدا عليه التعب.

 

تعب السنين كلها.

 

وقال:

 

“اسمه عمر.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

“عمر كمال المنصور.”

 

نظر آدم إليه.

 

“ابن كمال؟”

 

هز فارس رأسه.

 

“أيوه.”

 

سأل كريم:

 

“وأين المشكلة؟”

 

ضحك فارس ضحكة قصيرة بلا فرح.

 

ثم قال:

 

“المشكلة إن عمر مات من 24 سنة.”

 

لكن قبل أن يستوعب أحد الجملة…

 

أكمل فارس:

 

“على الأقل… ده اللي كنا فاكرينه.”

 

—

 

قبل أربع وعشرين سنة…

 

في ليلة ممطرة جدًا…

 

تعرضت سيارة كمال المنصور لحادث ضخم على طريق الإسماعيلية.

 

السيارة احترقت بالكامل.

 

والتقارير الرسمية أكدت وفاة ابنه الوحيد عمر.

 

كل الأوراق الحكومية أثبتت ذلك.

 

وكل الناس صدقت.

 

بمن فيهم فارس نفسه.

 

لكن الملف الأسود كان يحتوي على اعتراف مختلف.

 

اعتراف كتبه أحد المحامين القدامى بيده.

 

اعتراف يقول إن الطفل لم يمت.

 

بل تم تهريبه.

 

وإخفاؤه.

 

وتغيير هويته بالكامل.

 

لسبب واحد فقط.

 

حمايته.

 

—

 

قال آدم ببطء:

 

“يعني عمر عايش؟”

 

رد فارس:

 

“واضح كده.”

 

“ولو عايش فعلًا…”

 

“فهو شريك في الإمبراطورية.”

 

رفع كريم حاجبه.

 

“طيب ندور عليه.”

 

لكن فارس نظر إليه مباشرة.

 

وقال:

 

“إحنا مش محتاجين ندور.”

 

“هو غالبًا عارف إحنا مين.”

 

“لكن إحنا اللي ما نعرفش هو مين.”

 

وهنا…

 

شعر الجميع بالقلق.

 

لأن ذلك معناه أن الرجل قد يكون قريبًا جدًا.

 

قريبًا لدرجة لا يتخيلونها.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كان طارق المنصور داخل منزله الخاص.

 

أمام شاشة ضخمة.

 

يقرأ نفس الأوراق.

 

لكنه كان غاضبًا.

 

غاضبًا بشكل لم يره أحد من قبل.

 

ضرب المكتب بقبضته.

 

وقال:

 

“لا.”

 

“مستحيل.”

 

لأن ظهور عمر حيًا…

 

كان يدمر كل خططه.

 

إذا ظهر عمر.

 

فإن حصة هائلة من الشركات لن تكون من حق طارق.

 

بل من حق الوريث المفقود.

 

وهذا يعني أن كل سنوات المناورات قد تضيع.

 

وفجأة…

 

دخل مساعده مسرعًا.

 

وقال:

 

“لقيناه.”

 

رفع طارق رأسه فورًا.

 

“مين؟”

 

أجاب الرجل:

 

“عمر.”

 

تجمد طارق.

 

ثم وقف ببطء.

 

“فين؟”

 

لكن المساعد تردد.

 

بدا متوترًا.

 

ثم قال:

 

“المشكلة إن الاسم اللي لقيناه…”

 

“موجود في القاهرة من سنين.”

 

ضاقت عينا طارق.

 

“قول.”

 

ابتلع الرجل ريقه.

 

ثم قال:

 

“وإنت تعرفه.”

 

—

 

في قصر الدهبي…

 

كانت سارة أخيرًا تحمل طفلها بين ذراعيها.

 

غرفة هادئة.

 

إضاءة خافتة.

 

وصوت تنفس المولود الصغير.

 

كل شيء بدا هادئًا لأول مرة منذ أيام.

 

جلس آدم بجوارها.

 

وأخذ يتأمل ابنه.

 

وقال بابتسامة:

 

“عارفة؟”

 

“شكله عنيد.”

 

ضحكت سارة لأول مرة منذ فترة طويلة.

 

وقالت:

 

“منك.”

 

رد:

 

“مستحيل.”

 

ابتسمت وهي تنظر للطفل.

 

لكن لحظة السلام لم تدم طويلًا.

 

لأن هاتف آدم رن.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم تغير وجهه.

 

سألته سارة:

 

“في إيه؟”

 

رفع رأسه ببطء.

 

وقال:

 

“في حد طلب يقابلنا.”

 

استغربت.

 

“مين؟”

 

نظر إليها.

 

ثم قال:

 

“الوريث التاني.”

 

—

 

بعد ساعتين…

 

كانت سيارة سوداء تتوقف أمام القصر.

 

الحراسة انتشرت.

 

والبوابة الرئيسية فتحت ببطء.

 

نزل رجل طويل.

 

في أواخر الثلاثينات.

 

يرتدي بدلة بسيطة.

 

لا تبدو عليه مظاهر الثراء.

 

لكن خطواته كانت ثابتة.

 

واثقة.

 

كأنه يعرف إلى أين يذهب.

 

دخل إلى القصر.

 

ورافقه الحراس إلى المكتب الكبير.

 

كان فارس وآدم وكريم في انتظاره.

 

فتح الباب.

 

ودخل.

 

ولثوانٍ…

 

لم ينطق أحد بكلمة.

 

أما الرجل…

 

فاكتفى بالنظر إليهم.

 

ثم قال بهدوء:

 

“مساء الخير.”

 

نظر إليه فارس.

 

وكأن الزمن توقف.

 

لأن ملامحه…

 

كانت نسخة شبه كاملة من صورة قديمة يحتفظ بها منذ عقود.

 

صورة طفل صغير ظن الجميع أنه مات.

 

همس فارس:

 

“عمر؟”

 

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

“ده الاسم اللي اتولدت بيه.”

 

ثم أضاف:

 

“لكن الناس كلها دلوقتي تعرفني باسم تاني.”

 

تبادل الجميع النظرات.

 

قبل أن يقول الرجل الجملة التي قلبت الغرفة رأسًا على عقب:

 

“أنا المستشار عمر السيوفي.”

 

اتسعت عينا آدم.

 

أما كريم…

 

فشعر بالدم يتجمد في عروقه.

 

لأنه يعرف الاسم جيدًا.

 

يعرفه أكثر مما ينبغي.

 

فالسيوفي…

 

هو نفس اسم عائلة ياسمين.

 

زوجته الحالية.

 

وفي اللحظة التالية…

 

نظر عمر مباشرة إلى كريم.

 

ثم قال:

 

“على فكرة…”

 

“ياسمين السيوفي أختي.”

 

وانتهى كل شيء كان كريم يعتقد أنه يعرفه عن حياته.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *