دخلت تولد حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السابع
ظل ياسين يحدق في الملف وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.
كانت يداه ترتجفان.
وقلبه ينبض بعنف.
قالت مريم بقلق:
“دكتور… خوفتني.”
لكن ياسين لم يجب.
بل واصل قراءة الأوراق.
تقرير طبي.
نتائج تحاليل.
ومستندات قديمة تعود إلى ما قبل خمسة وثلاثين عامًا.
قبل ولادته هو نفسه.
ثم وجد الورقة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه.
ورقة فحص خصوبة.
باسم والده الراحل سامح العطار.
وكانت النتيجة واضحة.
صريحة.
لا تحتمل التأويل.
عقم كامل.
نظر إلى التاريخ مرة أخرى.
ثم إلى اسم الطبيب.
ثم إلى الختم الرسمي للمستشفى.
كل شيء صحيح.
كل شيء حقيقي.
همس:
“إزاي؟”
فهو ابن سامح العطار الوحيد.
أو هكذا كان يعتقد طوال حياته.
جلست مريم أمامه ببطء.
وقالت:
“ممكن أفهم؟”
ناولها الملف.
وبدأت تقرأ.
ثم رفعت رأسها بصدمة.
“يعني…”
أكمل ياسين الجملة عنها:
“يعني الراجل اللي رَبّاني ممكن ما يكونش أبويا.”
ساد الصمت.
شعر ياسين بأن حياته كلها بدأت تتفكك قطعة قطعة.
في أشهر قليلة فقط اكتشف أن زوجته بريئة.
وابنه حُرم منه بسبب مؤامرة.
ووالدته شاركت في تدمير زواجه.
والآن…
قد يكون نسبه كله مبنيًا على كذبة.
—
في تلك الليلة لم ينم.
ظل جالسًا داخل مكتبه حتى الفجر.
يعيد قراءة الأوراق عشرات المرات.
باحثًا عن خطأ.
عن تفسير.
عن أي شيء ينقذه من هذه الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت ثابتة.
وفي الصباح اتخذ قرارًا.
ذهب مباشرة إلى القصر.
إلى نادية العطار.
—
كانت تجلس في الحديقة عندما وصل.
ترفع فنجان الشاي بهدوء.
لكنها أدركت من ملامحه أن شيئًا خطيرًا قد حدث.
قالت:
“خير؟”
ألقى الملف فوق الطاولة.
فتحت الأوراق.
وبمجرد أن قرأت السطر الأول شحب وجهها.
لاحظ ذلك فورًا.
فقال:
“عرفتي الورق من أول نظرة.”
لم تجب.
سألها:
“مين أبويا؟”
ارتجفت أصابعها.
وسقطت دمعة من عينيها.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
لكن ياسين لم يتراجع.
كرر السؤال:
“مين أبويا؟”
أغمضت عينيها.
وظلت صامتة.
ثم همست:
“كنت خايفة من اليوم ده.”
اقترب منها.
وقال:
“جاوبي.”
رفعت رأسها ببطء.
وكان وجهها منهارًا تمامًا.
وقالت:
“سامح كان راجل محترم.”
“وكان بيحبني جدًا.”
شعر ياسين بأن قلبه ينقبض.
وتابعت:
“لكن بعد الجواز اكتشفنا إنه مش هيقدر يخلف.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“وأنا وقتها كنت صغيرة.”
“وخايفة.”
“وضعيفة.”
تنفس ياسين بصعوبة.
وأدرك أن الكارثة أكبر مما تخيل.
سألها:
“خنتيه؟”
انفجرت بالبكاء.
ولم تجب.
وكان صمتها كافيًا.
أدار وجهه بعيدًا.
شعر بالغثيان.
بالغضب.
بالشفقة.
بكل شيء في وقت واحد.
ثم سأل بصوت مكسور:
“مين هو؟”
رفعت نادية رأسها.
ونظرت إليه.
وقالت اسمًا واحدًا.
اسمًا جعل ياسين يتجمد في مكانه.
“فؤاد الشامي.”
اتسعت عيناه.
فؤاد الشامي.
أشهر رجل أعمال في المدينة.
والمنافس الأكبر لوالده طوال سنوات.
الرجل الذي كان يكرهه سامح العطار بشدة.
والذي توفي قبل عشر سنوات.
همس ياسين:
“مستحيل.”
لكن نادية أجهشت بالبكاء.
وقالت:
“سامح عمره ما عرف.”
“ومات وهو فاكر إنك ابنه.”
شعر ياسين بأن الأرض تدور من حوله.
جلس على أقرب مقعد.
غير قادر على الوقوف.
كل شيء انهار.
كل شيء.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.
لأن نادية رفعت رأسها فجأة وقالت:
“وفي حاجة تانية لازم تعرفها.”
نظر إليها ببطء.
فقالت:
“فؤاد الشامي كان عنده بنت.”
قطب حاجبيه.
وتابع الاستماع.
وأضافت:
“البنت دي اختفت من حياته وهي طفلة.”
“واتربت بعيد عنه.”
ثم ابتلعت ريقها.
وقالت الجملة التي أوقفت قلبه للحظة:
“وسلمى… مراتك السابقة…”
“هي بنت فؤاد الشامي.”
ساد صمت مرعب.
لم يتحرك أحد.
لم يتنفس أحد.
أما ياسين فظل ينظر إليها غير قادر على استيعاب ما سمعه.
إذا كانت كلماتها صحيحة…
فهذا يعني أن هناك حقيقة أخطر من كل ما سبق.
حقيقة ستدمر حياة الجميع إذا خرجت للنور.
حقيقة جعلت نادية ترتجف وهي تهمس:
“عشان كده كنت برفض جوازك منها من أول يوم…”
يتبع…الفصل الثامن
ظل ياسين يحدق في والدته لثوانٍ طويلة.
ثم نهض فجأة من مقعده.
وقال بحدة:
“إنتِ بتقولي إيه؟!”
كانت نادية تبكي.
لكن كلماتها خرجت متقطعة:
“كنت فاكرة إنها بنته…”
“كنت متأكدة.”
أمسك ياسين الملف بقوة.
وقال:
“فاكرة؟!”
“يعني مش متأكدة؟”
هزت رأسها ببطء.
ثم قالت:
“سمعت الكلام من سنين.”
“من واحدة كانت قريبة من فؤاد الشامي.”
“وقالت إن عنده بنت اتربت بعيد عنه.”
“ولما شوفت سلمى أول مرة…”
“افتكرت إنها هي.”
شعر ياسين أن رأسه يكاد ينفجر.
كل هذه السنوات.
كل هذا الحقد.
وكل هذه الكوارث…
بسبب شكوك وأوهام؟
أخرج هاتفه فورًا.
واتصل بمحقق خاص كان يعمل معه منذ سنوات.
وقال:
“عايز الحقيقة كاملة عن عيلة فؤاد الشامي.”
“كل حاجة.”
—
مرت ثلاثة أيام ثقيلة.
ثلاثة أيام لم يخبر فيها سلمى بشيء.
حتى جاء التقرير أخيرًا.
فتح الملف بسرعة.
وبدأ يقرأ.
ثم أغلق عينيه براحة لأول مرة منذ أيام.
لأن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
سلمى لم تكن ابنة فؤاد الشامي.
بل كانت ابنة شقيقه الأصغر.
أي أنها لا تربطها أي صلة قرابة بياسين.
كانت مجرد إشاعة قديمة.
إشاعة صدقتها نادية وتحولت مع الوقت إلى يقين داخل رأسها.
وعندما قرأ ياسين بقية التقرير شعر بصدمة جديدة.
فؤاد الشامي نفسه لم يكن عدوًا لوالده كما ظن الجميع.
بل كان شريكًا سريًا له في مشروع ضخم قبل سنوات.
لكن خلافًا ماليًا بين المحيطين بهما هو الذي أشعل العداوة.
كذبة أخرى.
وحياة أخرى دُمرت بسببها.
—
في مساء اليوم نفسه.
ذهب ياسين إلى شقة سلمى.
كانت تحمل آدم بين ذراعيها عندما فتحت الباب.
لاحظت التعب على وجهه.
وقالت:
“خير؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“محتاج أقولك حاجة.”
جلسا معًا.
وروى لها كل ما حدث.
من الملف القديم.
إلى اعتراف والدته.
إلى التحقيق الجديد.
وبعد أن انتهى…
ساد الصمت.
قالت سلمى أخيرًا:
“يعني أمك دمرت حياتنا مرتين.”
خفض ياسين رأسه.
ولم يجد ما يقوله.
لأنها كانت محقة.
جلس آدم الصغير بينهما يضحك دون أن يفهم شيئًا.
فنظر إليه ياسين.
ثم إلى سلمى.
وقال بصوت هادئ:
“أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.”
“وعارف إني جرحتك أكتر من أي حد.”
“لكن لو فيه فرصة واحدة…”
توقفت الكلمات في حلقه.
سألته سلمى:
“فرصة لإيه؟”
نظر في عينيها مباشرة.
وقال:
“إني أصلح اللي عملته.”
وقبل أن ترد…
رن هاتفه فجأة.
نظر إلى الشاشة.
فتغير لون وجهه.
سألته سلمى بقلق:
“في إيه؟”
أجاب ببطء:
“المستشفى.”
“فيه حالة طوارئ.”
ثم رفع عينيه إليها.
وأضاف:
“والحالة باسم شخص المفروض يكون ميت من عشر سنين.”
شعرت سلمى بقشعريرة.
وقالت:
“مين؟”
ابتلع ياسين ريقه.
ثم همس:
“فؤاد الشامي.”
يتبع…
