بعد ثلاث سنوات حكـايـات أسمـا ×1

ثلاث سنين وأنا فاكرة إن جوزي مات… لكن في رحلة عادية، ابني اللي عنده تسع سنين بص قدامه فجأة، وشحب وشه، وقال بهدوء: “ماما… ده بابا.” الجملة دي قلبت حياتي كلها في لحظة.

اللي شاف الحقيقة الأول…ماكنتش أنا.

كان ابني آدم.وللغرابة…يمكن ده كان أرحم.لأن لو أنا اللي شفت الأول…أكيد كنت صرخت قدام الطيارة كلها.

كانت رحلتنا من القاهرة إلى شرم الشيخ هادية.

صوت المحركات.والناس بتقرأ.وأطفال نايمين في حضن أهاليهم.بعد ثلاث سنين كاملة من وفاة جوزي…

قررت أسافر أنا وآدم كام يوم نغير جو.

الدكتور النفسي قال لي إن آدم بقى حزين بشكل مخيف.

وكان دايمًا يرسم بيتنا…

من غير شبابيك.ولما سألته ليه…قال:”علشان بابا مش هيعرف يرجع.”

الكلمة كسرت قلبي.فحجزت أول رحلة أقدر عليها.

وفندق بسيط.وقلت يمكن البحر يخفف عنه.آدم قام راح الحمام.وبعد دقايق رجع.لكن وشه كان أبيض.ومسك دراع الكرسي بقوة.ومال عليا وهمس:”ماما…”

بصيت له بخوف.

قال بصوت بيرتعش:”الراجل اللي قدام…

ده بابا.”إيدي شدت على كوباية المية.لدرجة إنها اتعوجت.

لفيت براسي ببطء.مش علشان مصدقاه…

لكن علشان أي أم لازم تسمع خوف ابنها.كام صف قدامنا…

كان فيه راجل قاعد في درجة رجال الأعمال.

لابس كاب بني.ونظارة شمس.ودقنه طويلة شوية.

وجنبه ست شابة.من ضهره…كان ممكن يبقى أي حد.

لكن لما مد إيده ياخد العصير…شفت الندبة.ندبة طويلة في ضهر إيده الشمال.نفسي وقف.الندبة دي…

أنا اللي لفّيتها له بإيدي.

لما اتجرح وهو بيصلح باب شقتنا.

كنت بضحك عليه وقتها.وقلت له:”إنت دايمًا مستعجل.”

ضحك وقال:”الندبات بتخلي الراجل شكله مميز.”

لكن…

إزاي؟جوزي أحمد مات من ثلاث سنين.

خفر السواحل قالوا إن المركب اللي كان راكبها غرقت.

لقوا المركب.ولقوا موبايله.لكن جثته…ما اتلاقتش.

ورغم كده…طلعت شهادة الوفاة.ومن يومها…

اتقسمت حياتي لنصين.قبل أحمد.وبعد أحمد.

قلت لآدم وأنا بحاول أتماسك:”يا حبيبي…إنت وحشك بابا.”

هز راسه بعنف.وقال:”لا يا ماما.””هو لمس مكان الدبلة بإيده.”

“زي ما بابا كان بيعمل كل ما يبقى متوتر.”

غمضت عيني.لأن الحركة دي…ما يعرفهاش غيرنا.

أحمد كان كل ما يكذب…أو يقلق…يلف الدبلة في صباعه من غير ما يحس.قبل اختفائه…كانت فيه حاجات غريبة.

مصاريف مش مفهومة.

ومكالمات في نص الليل.وسفريات ماقاليش عليها.

شكيت وقتها…إن فيه ست تانية.لكن بعد ما قالوا إنه مات…

كرهت نفسي على الشك فيه.

عشت ثلاث سنين…

بين الحزن.والذنب.ولما الطيارة نزلت…

استنيت لحد الناس بدأت تنزل.الراجل قام.وشال شنطته.

وحط إيده على ضهر الست اللي معاه.

ولما لف ناحية باب الطيارة…

الشمس ضربت وشه.

الدقن كانت جديدة.

وشعره بقى فيه شوية شيب.

لكن…

كان أحمد.

ركبي ماقدروش يشيلوني.

وآدم حضني بسرعة.

الراجل نزل.

ولا حتى بص ناحيتنا.

فضل ماشي مع الست.

وهي بتضحك معاه.

مشيت وراهم من بعيد.

لحد ما وصلنا صالة استلام الشنط.

روحت لموظفة شركة الطيران.

وقلت:

“لو سمحتِ…

كان فيه راكب اسمه أحمد الشاذلي على الرحلة؟”

بصت على الكمبيوتر.

وبعدين قالت:

“لا يا فندم.”

“مفيش أي راكب بالاسم ده.”

شكرتها.

ومشيت.

بص لي آدم.

وقال:

“هو كان بابا بجد؟”

عدلت شعره.

كنت نفسي أكذب.

وأقوله إنه اتلخبط.

لكن…

ماقدرتش.

قلت له بهدوء:

“معرفش…بس أوعدك…هعرف الحقيقة.”

الجزء الثاني

خرجت من صالة المطار وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا.

آدم كان ماسك إيدي بقوة.

كل شوية يبص حواليه.

يمكن يشوف الراجل تاني.

لكن اختفى.

كأنه ما كانش موجود من الأساس.

ركبنا تاكسي لحد الفندق.

طول الطريق…

ولا أنا ولا آدم نطقنا كلمة.

أول ما دخلنا الأوضة…

قفل آدم الباب.

وبصلي.

وقال:

“ماما… هو بابا كان عايز يستخبى مننا؟”

السؤال نزل على قلبي زي السك..ينة.

حضنته.

وقلت:

“مش عارفة يا حبيبي.”

“بس لو الراجل ده باباك فعلًا…”

“أنا هوصل للحقيقة.”

بعد ما نام…

فتحت اللاب توب.

ودخلت على الإيميل القديم بتاع أحمد.

الإيميل اللي من يوم وفاته ما فتحتوش.

يمكن من خوفي.

يمكن من وجعي.

فضلت أجرب كلمات السر.

لحد ما افتكرت تاريخ أول يوم اتقابلنا فيه.

ودخل.

الإيميل كان مليان رسائل شغل.

لكن آخر شهر قبل اختفائه…

كان مختلف.

حجوزات طيران.

فنادق.

تحويلات مالية.

ورسائل متبادلة مع عنوان غريب.

الاسم كان:

N.S.

ولا اسم.

ولا صورة.

ولا أي بيانات.

لكن أكتر حاجة خوفتني…

آخر رسالة.

كانت قبل يوم اختفائه بساعتين.

مكتوب فيها:

“كل حاجة جاهزة.”

“بكرة… هتبدأ حياتك الجديدة.”

نفسي اتقطع.

حياة جديدة؟

يعني إيه؟

يعني كان مخطط يختفي؟

ولا حد بيهدده؟

في اللحظة دي…

سمعت إشعار على موبايل أحمد القديم.

الموبايل اللي كنت محتفظة بيه في الدولاب.

استغربت.

لأن الخط اتقفل من سنين.

لكن الإشعار ما كانش رسالة.

كان إشعار من تطبيق بنك.

دخلت.

ولقيت حسابه البنكي.

الحساب اللي قالوا إنه اتجمد بعد الوفاة.

كان لسه شغال.

وفيه عملية سحب…

من أسبوعين.

بمبلغ كبير.

وقفت مكاني.

يعني…

في حد بيستخدم بطاقته.

تاني يوم الصبح…

قررت أرجع للمطار.

طلبت من آدم يقعد في نادي الأطفال بالفندق ساعتين.

ورجعت لصالة الوصول.

سألت واحد من موظفي الأمن.

“لو سمحت… ممكن أشوف كاميرات يوم امبارح؟”

ابتسم باعتذار.

وقال:

“مينفعش يا فندم.”

كنت همشي.

لكن صوت وقفني.

“حضرتك بتدوري على الراجل اللي كان لابس كاب بني؟”

لفيت بسرعة.

كان عامل تحميل شنط.

شكله في الخمسينات.

قلت بسرعة:

“أيوه.”

بص حواليه.

وقال بصوت واطي:

“أنا افتكرت إنه فنان مشهور.”

“علشان أول ما نزل…”

“كان فيه اتنين مستنيينه بعربية سودا.”

“لكن الغريب…”

“إنهم نادوه باسم تاني.”

قلبي دق بعنف.

قلت:

“إيه الاسم؟”

فكر شوية.

وقال:

“أستاذ… كريم.”

هزيت راسي.

“لا…”

“اسمه أحمد.”

رد بهدوء:

“أنا متأكد.”

“اللي فتح له باب العربية قال:

اتفضل يا أستاذ كريم.”

طلعت من المطار.

وراسي هتنفجر.

إذا كان أحمد…

بقى اسمه كريم.

يبقى أكيد كان عايش بهوية جديدة.

لكن ليه؟

وليه سابنا؟

رجعت الفندق.

لقيت آدم قاعد في البهو.

أول ما شافني…

جري عليا.

وقال وهو بيبتسم لأول مرة من يوم الرحلة:

“ماما… شوفت بابا تاني.”

اتجمدت.

قلت:

“فين؟”

أشار ناحية مطعم الفندق.

لفيت بسرعة.

كان فيه راجل قاعد ضهره ليا.

لابس نفس الكاب البني.

ونفس الساعة.

لكن المرة دي…

كان باصص ناحيتنا مباشرة.

وأول ما عيني جت في عينه…

قام من مكانه…

وجري.
الجزء الثالث

من غير ما أفكر…

جريت وراه.

نسيـت الشنطة.

ونسيت الناس اللي بتبص علينا.

كل اللي كان في دماغي…

إجابة لسؤال واحد.

ليه؟

الراجل خرج من باب الفندق الخلفي.

دخل موقف العربيات.

كان بيجري بسرعة.

لكن أول ما وصل لعربيته…

صرخت بكل قوتي:

“أحمد!”

وقف.

لثانية واحدة بس.

كتفه اتهز.

عرفت إنه سمعني.

لكن ما لفش.

فتح باب العربية بسرعة.

ركب.

ودار الموتور.

جريت أكتر.

كنت خلاص هلمس العربية.

لكنها انطلقت.

وقفت في نص الموقف.

ونهجت بقوة.

والدموع نازلة من غير ما أحس.

في اللحظة دي…

سمعت صوت صغير بينادي:

“ماما…”

لفيت.

لقيت آدم واقف بعيد.

كان بيعيط.

جريت عليه.

حضنته.

وهو سألني السؤال اللي كنت خايفة منه.

“ليه بابا هرب؟”

ما عرفتش أرد.

رجعنا الأوضة.

فضل آدم ساكت طول اليوم.

ولا رضي ينزل البحر.

ولا حتى يفتح لعبته المفضلة.

وفي الليل…

بعد ما نام…

لقيت ظرف متزحلق من تحت باب الأوضة.

قلبي دق.

فتحت الباب بسرعة.

الممر فاضي.

مسكت الظرف.

كان مكتوب عليه بخط إيد أعرفه كويس:

“لسارة.”

نفس خط أحمد.

فتحت الجواب.

أول سطر خلاني أقعد على الأرض.

“أنا عارف إنك شفتيني.”

“ولو كنت لفّيت وبصيت في وشك…

مكنتش هعرف أمشي.”

دموعي غرقت الورقة.

كملت.

“أنا ما متش.”

“لكن الشخص اللي كان اسمه أحمد الشاذلي…

انتهى من ثلاث سنين.”

شهقت.

وكملت قراءة.

“أنا اتورطت في قض..ية كبيرة بسبب شغلي.”

“واكتشفت شبكة بتهرب آثار وغسيل أموال.”

“ولما بلغت عنهم…”

“بقوا عايزين يقتلوني.”

“الجهات المختصة قالت إن الحل الوحيد…

إني أختفي.”

“وأعيش بهوية جديدة.”

“وأي محاولة للتواصل معاكي…

كانت هتعرضك إنتِ وآدم للخطر.”

وقفت عند الجملة دي.

قلبي كان بينكرها.

لكن عقلي بيحاول يفهم.

كمل أحمد.

“أنا كنت بتابعكم من بعيد.”

“حضرت أول يوم مدرسة لآدم.”

“وشفت عيد ميلاده السادس.”

“ولما وقع وكسر إيده…

كنت واقف قدام المستشفى.”

دموعي نزلت أكتر.

كان قريب…

وإحنا عمرنا ما عرفنا.

وفي آخر الرسالة…

كتب:

“فيه حاجات لسه مينفعش تعرفيها.”

“لكن أوعدك…”

“أول ما الخطر ينتهي…

هرجع.”

وطبعا…

أنا ما صدقتش.

الجواب ممكن يكون حقيقي.

وممكن يكون كذبة جديدة.

تاني يوم الصبح…

قررت أرجع القاهرة.

وأول ما وصلت البيت…

لقيت حاجة غريبة.

باب الشقة كان مقفول.

لكن على الأرض…

كان فيه صندوق صغير.

من غير اسم.

فتحته.

كان جواه…

الدبدوب البني اللي أحمد جابه لآدم يوم ولادته.

والدبدوب ده…

كان مع أحمد في المركب يوم اختفى.

وتحته…

فلاشة سوداء.

وعليها ورقة مكتوب فيها:

“الحقيقة كلها هنا… لكن بعد ما تشوفيها، مستحيل حياتك ترجع زي الأول.”

يتبع…الجزء الرابع

فضلت أبص للفلاشة كأنها هتنطق.

إيدي كانت بترتعش.

آدم كان واقف جنبي.

بص للدبدوب.

حضنه بسرعة.

وقال بابتسامة حزينة:

“بابا رجعهولي…”

الكلمة دي كسرت قلبي.

دخلت أوضة المكتب.

قفلت الباب.

وركبت الفلاشة في اللاب توب.

كان عليها مجلد واحد.

اسمه:

“لو وصلتي لهنا.”

فتحت الملف.

ظهر أحمد.

قاعد في أوضة شكلها مكتب صغير.

دقنه كانت خفيفة.

وعينه باين فيها تعب عمره سنين.

بص للكاميرا وسكت شوية.

وبعدين قال:

“لو بتشوفي الفيديو ده…

يبقى أنا فشلت أخبي الحقيقة عنك.”

“أول حاجة…

أنا آسف.”

“آسف على كل دمعة نزلت منك.”

“وآسف على كل مرة آدم نام وهو مستني أرجع.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

كمل أحمد:

“أنا ما خنتكيش.”

“والست اللي كانت معايا في الطيارة…

اسمها نادين.”

“ودي ضابطة كانت مسؤولة عن حمايتي.”

“كانت بتظهر قدام الناس إنها مراتي.”

“علشان محدش يشك في هويتي الجديدة.”

وقفت الفيديو.

رجعته تاني.

سمعت الجملة أكتر من مرة.

يعني الست اللي شفتها…

ما كانتش زوجته.

شغلت الفيديو تاني.

قال أحمد:

“أنا كنت محاسب في شركة استيراد كبيرة.”

“وفي يوم…

اكتشفت تحويلات مالية بمبالغ خيالية.”

“ولما بلغت…

عرفت إن أصحاب الشركة مرتبطين برجال نفوذ.”

“وفي أسبوع واحد…

اتقتل اتنين من زمايلي.”

“وبقي دوري.”

حط راسه في الأرض.

وقال:

“بلغوني إنهم هيقتلوك إنتِ وآدم لو ما اختفيتش.”

“وافقت أموت على الورق…

علشان تعيشوا.”

فضلت أعيط وأنا ببصله.

كان واضح إنه هو كمان اتعذب.

لكن سؤال واحد كان بيقتلني.

ليه ما حاولش يبعت أي إشارة؟

قبل ما ألاقي الإجابة…

الفيديو كمل.

“كل سنة…

كنت بسيب هدية لآدم.”

“العربية الحمرا اللي جتله في عيد ميلاده.”

“والعجلة.”

“وساعة المدرسة.”

“كلها كانت مني.”

افتكرت.

كل سنة كانت توصلنا هدية من غير اسم.

كنت فاكرة إنها من خالته.

طلعت منه.

في آخر الفيديو…

قال:

“لو أنتي بتشوفي التسجيل ده…

يبقى القض..ية قربت تخلص.”

“لكن لسه في شخص واحد حر.”

“ولو عرف إنك وصلتي للفلاشة…

هييجي وراكي.”

في اللحظة دي…

سمعنا صوت جرس الباب.

أنا وآدم بصينا لبعض.

بصيت من العين السحرية.

اتجمدت.

واقف بره…

أحمد.

من غير كاب.

من غير دقن.

ولأول مرة من ثلاث سنين…

باصص مباشرة في عيني.

لكن قبل ما أفتح الباب…

سمعنا صوت طلقة نار في مدخل العمارة.

وصوت أحمد وهو بيصرخ:

“اقفلي الباب يا سارة… بسرعة!”

وقبل ما أستوعب اللي بيحصل…

وقع أحمد على الأرض…
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *