ملك المافيا حكايات اسما ×5

الفصل التاسع

ساد الصمت في الغرفة لدرجة أن صوت أنفاسهم أصبح مسموعًا.

كانت عينا ليلى مثبتتين على الشاشة.

تعيد قراءة السطر الأخير مرة بعد أخرى.

“الوريثة الحقيقية ما زالت مفقودة حتى الآن.”

شعرت وكأن الأرض تتحرك تحت قدميها.

قبل دقائق فقط كانت تظن أنها ربما تكون محور القصة كلها.

والآن…

اتضح أنها ليست الوريثة أصلًا.

قال كريم وهو يهز رأسه:

“أنا مبقتش فاهم حاجة.”

أما سيف فظل صامتًا.

وكان هذا أخطر شيء.

لأنه عندما يصمت بهذه الطريقة فهذا يعني أنه يجمع القطع داخل رأسه.

قال أخيرًا:

“في حاجة ناقصة.”

نظر إليه الجميع.

قال:

“أبويا كتب الرسالة دي وهو عارف إن ليلى هتوصل لها.”

ثم أشار إلى الشاشة.

“يعني كان عارف اسمها.”

“وعارف إنها هتكون موجودة في الملف.”

“وعارف إنها هتقرأ الرسالة.”

سكت لحظة.

ثم أضاف:

“يبقى ليلى كانت جزء من الخطة من البداية.”

شحب وجه ليلى.

لأنها بدأت تدرك معنى كلامه.

ربما حياتها كلها لم تكن صدفة.

بدأوا البحث في بقية الملفات.

وفي مجلد مخفي داخل الملف الرئيسي وجدوا شيئًا جديدًا.

عشرات الصور.

صور قديمة جدًا.

صور لمنازل.

وسيارات.

وأشخاص.

ثم صورة واحدة جعلت الجميع يتجمد.

كانت صورة لطفلتين صغيرتين.

عمر كل منهما حوالي ثلاث سنوات.

تقفان بجوار بعضهما.

وترتديان فستانين متشابهين.

قال كريم:

“دي الوريثة؟”

هز سيف رأسه.

“لا.”

وأشار إلى الصورة.

“دول اتنين.”

اقتربت ليلى أكثر.

ثم شعرت بقلبها يتوقف للحظة.

لأن إحدى الطفلتين…

تشبهها بشكل مخيف.

نفس العينين.

نفس الابتسامة.

نفس شكل الوجه.

حتى طريقة الوقوف.

أما الطفلة الثانية فكانت مختلفة قليلًا.

لكن الشبه بينهما واضح.

قال كريم ببطء:

“توأم؟”

لم يجب أحد.

لكن الفكرة كانت واضحة.

ثم ظهر خلف الصورة تعليق صغير.

مكتوب بخط اليد.

“ليلى وسلمى.”

شحب وجه ليلى بالكامل.

قالت بصوت مرتجف:

“سلمى؟”

رفع سيف رأسه فورًا.

“تعرفي الاسم؟”

أومأت ببطء.

“أمي كانت أحيانًا تناديني وأنا صغيرة باسم سلمى بالغلط.”

ساد الصمت.

ثم أكملت:

“وكل ما أسألها كانت ترفض تشرح.”

نظر الجميع إلى بعضهم.

وكانت الصورة تزداد وضوحًا.

في نفس الوقت.

داخل الفيلا.

كان عمر يقف أمام النافذة.

أما شريف فكان يتابع التقارير القادمة من رجاله.

دخل أحد الحراس بسرعة.

وقال:

“لقينا المكان.”

ابتسم شريف.

“أخيرًا.”

ثم سأل:

“الفرقة جاهزة؟”

“كلهم في مواقعهم.”

أومأ شريف.

ثم التفت إلى عمر.

وقال:

“تحب تشوف أخوك؟”

تجمد عمر.

رغم كل شيء لم يكن قد قابل سيف الحديدي وجهًا لوجه من قبل.

كل ما يعرفه عنه كان قصصًا.

وصورًا.

وذكريات نقلها له الآخرون.

قال عمر:

“الليلة؟”

ابتسم شريف.

“الليلة.”

في المبنى المهجور.

كان سيف ما زال يراجع الملفات.

حتى ظهر تسجيل فيديو قصير.

مدته دقيقة واحدة فقط.

تاريخه يعود إلى قبل عشرين سنة.

ضغط زر التشغيل.

وامتلأت الشاشة بصورة رجل مسن.

والد سيف.

كان يبدو أكبر سنًا وأكثر إرهاقًا مما عرفه سيف في سنواته الأخيرة.

نظر الرجل إلى الكاميرا مباشرة.

وقال:

“إذا وصلتوا للفيديو ده فمعناه إن الكل فشل.”

ثم أخذ نفسًا طويلًا.

وأضاف:

“وفي الغالب شريف الجندي عرف الحقيقة.”

تجمدت الوجوه.

لأن الرجل كان يتحدث وكأنه يرى المستقبل.

ثم أكمل:

“لو حصل ده فاسمعوني كويس.”

“الوريثة الحقيقية مش مهمة بسبب الفلوس.”

“ولا بسبب الشركة.”

“ولا بسبب الأسهم.”

نظر مباشرة إلى العدسة.

وقال الجملة التي أربكت الجميع:

“الوريثة الحقيقية مهمة لأنها الوحيدة اللي تعرف مكان الملف الأسود.”

تبادل الجميع النظرات.

قال كريم:

“ملف إيه؟”

لكن الفيديو استمر.

وقال الرجل:

“الملف الأسود لو ظهر للعلن هيدمر عائلات كاملة.”

“وهيفضح ناس أقوى مما تتخيلوا.”

“وفيه أسرار تكفي لإسقاط نصف رجال الأعمال اللي بنوا ثرواتهم بالدم.”

شعر سيف بقشعريرة.

ثم أكمل والده:

“عشان كده كانوا بيدوروا عليها.”

“وعشان كده هيق*تلوها لو لقوها.”

ثم انقطع الفيديو فجأة.

وبقيت الشاشة سوداء.

قبل أن يتكلم أحد…

دوى صوت انفجار عنيف في الطابق الأرضي.

اهتز المبنى بالكامل.

وسقطت قطع من السقف.

وقف الحراس في لحظة.

وسحبوا أسلحتهم.

وجاء صوت عبر جهاز الاتصال:

“اقتحام!”

ثم صرخات.

ثم إطلاق نار.

ثم انقطع الإرسال.

قفز كريم نحو النافذة.

ونظر للخارج.

ثم شحب وجهه.

قال بصوت منخفض:

“مش معقول.”

نظر إليه سيف.

“في إيه؟”

رد كريم:

“المبنى متحاصر بالكامل.”

اقترب سيف من النافذة.

فرأى عشرات السيارات السوداء.

ورجالًا مسلحين ينتشرون حول المكان.

لكن الشيء الذي جعله يتجمد…

كان الرجل الذي نزل من السيارة الأمامية.

رجل طويل.

يقف بثبات.

وينظر مباشرة نحو المبنى.

وكأنه يعرف أن سيف يراقبه.

ثم رفع رأسه.

ولأول مرة…

التقت عينا سيف الحديدي بعيني عمر.

الرجل الذي قد يكون أخاه.

الفصل العاشر

لم يرمش سيف الحديدي.

ولا عمر.

وقف الاثنان ينظران إلى بعضهما من مسافة عشرات الأمتار.

لكن الشعور كان أقرب من ذلك بكثير.

شعور غريب.

ثقيل.

يصعب تفسيره.

قال كريم بصوت منخفض:

“شايف الشبه؟”

لم يرد أحد.

لأن الإجابة كانت واضحة.

حتى ليلى التي لم تكن تؤمن بالصدف شعرت بقشعريرة وهي تنظر إليهما.

نفس الوقفة.

نفس نظرة العين.

نفس البرود الذي يخفي آلاف الأفكار.

لو قيل لأي شخص إنهما شقيقان لصدقه فورًا.

لكن سيف لم يكن يفكر في الشبه.

كان يفكر في شيء آخر.

عمر لم يأتِ مختبئًا.

لم يأتِ من الخلف.

ولم يرسل رجالًا ليتحدثوا نيابة عنه.

بل وقف بنفسه أمام المبنى.

وكأنه يريد شيئًا.

في الخارج.

رفع عمر يده ببطء.

فانخفضت أسلحة الرجال من حوله.

ثم تقدم وحده عدة خطوات.

بعيدًا عن رجاله.

بعيدًا عن سياراته.

قال أحد الحراس قرب سيف:

“دي حركة غريبة.”

أومأ كريم.

“جداً.”

أما سيف فظل يراقب.

ثم قال:

“افتحوا الخط الخارجي.”

نظر إليه كريم.

“إنت جاد؟”

“اعمل اللي بقولك عليه.”

بعد دقيقة واحدة.

تم تشغيل مكبر الصوت الخارجي القديم الخاص بالمبنى.

صدر تشويش خفيف.

ثم ساد الصمت.

ورفع عمر رأسه.

وقال بصوت وصل إلى الداخل:

“أنا مش جاي أق*تل حد.”

ضحك كريم بسخرية.

لكن عمر أكمل:

“ولو كنت عايز أقت*لك يا سيف كنت استنيت لحد ما المبنى يتحول لمقبرة.”

تجمد الجميع.

لأن الرجل كان يتكلم بثقة.

ثقة شخص يعرف ما يحدث.

قال سيف عبر الميكروفون:

“يبقى جاي ليه؟”

رفع عمر عينيه نحو النوافذ.

وقال:

“جاي أنقذ حد.”

ضاقت عينا سيف.

“مين؟”

وجاء الرد فورًا:

“ليلى الشاذلي.”

داخل الغرفة.

شحب وجه ليلى.

أما كريم فالتفت إليها بسرعة.

وقال:

“هو يعرفك؟”

هزت رأسها.

“عمري ما شفته.”

لكن عمر كان قد أكمل حديثه بالفعل.

“اسمعني يا سيف.”

“لو ليلى فضلت عندك الليلة هتموت.”

ساد الصمت.

ثم قال سيف:

“مين هيق*تلها؟”

ابتسم عمر ابتسامة غريبة.

حزينة أكثر مما ينبغي.

ثم قال:

“الناس اللي بتفكر إنك بتحميها.”

تبادل الجميع النظرات.

وفجأة شعر كريم بالتوتر.

لأن الجملة أصابت شيئًا في داخله.

قال عمر:

“الملف الأسود اتحرك من مكانه.”

تجمدت الوجوه.

ثم أكمل:

“وفي ناس جوه مجموعتك عرفت.”

“وفي ناس جوه حراستك عرفت.”

“وفي ناس جوه مجلس الإدارة عرفت.”

“والكل دلوقتي بيدور على نفس الشخص.”

رفع سيف حاجبه.

“والشخص ده ليلى؟”

صمت عمر.

ثم قال:

“لا.”

“لكنها المفتاح.”

في نفس اللحظة.

وفي مكان آخر من القاهرة.

داخل منزل قديم في حي هادئ.

كانت امرأة مسنة تجلس أمام شاشة تلفاز صغيرة.

تشاهد الأخبار التي تتحدث عن الفوضى في الفندق.

والحريق.

وغياب سيف الحديدي.

والشائعات المنتشرة.

ارتجفت يدها.

ثم نظرت إلى صورة قديمة موضوعة فوق الطاولة.

صورة لطفلتين صغيرتين.

واحدة منهما ليلى.

والأخرى طفلة لم يرها أحد منذ سنوات.

همست المرأة بصوت مبحوح:

“سامحيني يا سعاد.”

ثم التقطت هاتفًا قديمًا.

وطلبت رقمًا محفوظًا منذ عشرين عامًا.

في المبنى.

رن هاتف ليلى فجأة.

رقم مجهول.

نظرت إليه.

ثم ردت.

وفي اللحظة التي سمعت فيها الصوت…

تجمدت مكانها.

“ليلى؟”

اتسعت عيناها.

لأنها تعرف الصوت.

رغم أنها لم تسمعه منذ ست سنوات.

همست:

“خالتي أمينة؟”

جاءها صوت المرأة المرتجف:

“اسمعيني كويس ومفيش وقت.”

“خالتي إيه اللي بيحصل؟”

بدأت المرأة تبكي.

ثم قالت:

“أمك ما كانتش أمك الحقيقية.”

شحب وجه ليلى بالكامل.

أما سيف فوقف فجأة.

وأكملت المرأة:

“سعاد خدتك وهي بتهرب.”

“وكان المفروض تخبيكي كام شهر بس.”

“لكن الأمور خرجت عن السيطرة.”

ارتجفت يد ليلى.

وقالت:

“أنا مش فاهمة.”

جاءها الرد:

“لأنك مش ليلى أصلًا.”

توقفت أنفاسها.

أما المرأة فأكملت:

“اسمك الحقيقي…”

لكن فجأة انقطع الخط.

في نفس اللحظة تمامًا انطفأت شاشة الهاتف.

وانقطعت الكهرباء عن المبنى كله.

وغرق المكان في الظلام.

ثم دوى صوت انفجار جديد من الطابق السفلي.

لتبدأ المواجهة الأخيرة.

الفصل الأخير

اهتز المبنى كله مع الانفجار.

وسقطت قطع من الخرسانة من السقف.

وتحول الظلام إلى فوضى كاملة.

لكن سيف الحديدي لم يتحرك من مكانه.

كان ينظر إلى الهاتف الذي سقط من يد ليلى.

الجملة الأخيرة ما زالت تتردد في رأسه.

“لأنك مش ليلى أصلًا.”

أما ليلى نفسها فكانت واقفة كأنها فقدت الإحساس بكل شيء.

اسمها.

حياتها.

طفولتها.

ذكرياتها.

كل شيء أصبح محل شك.

وفجأة أضاءت أنوار الطوارئ الخافتة.

وتردد صوت إطلاق النار من الأسفل.

صرخ كريم:

“وصلوا للطابق الأول.”

لكن سيف رفع يده.

وقال بهدوء:

“محدش يضرب.”

نظر الجميع إليه بصدمة.

حتى كريم.

“باشا؟”

قال:

“محدش يضرب لحد ما أقول.”

ثم التفت إلى ليلى.

ومد يده.

لأول مرة منذ عرفته.

لم تكن يد رجل أعمال.

ولا قائد إمبراطورية.

ولا رجل يخشاه الجميع.

كانت يد شخص يقول ببساطة:

“أنا هنا.”

نظرت إليه ليلى.

ثم أمسكت يده.

بعد دقائق.

صعد عمر إلى الطابق الأخير.

وحده.

بدون حراس.

بدون س*لاح ظاهر.

وقف أمام الباب المفتوح.

ثم دخل ببطء.

والتقت عيناه بعيني سيف مرة أخرى.

هذه المرة من مسافة خطوات فقط.

ساد صمت طويل.

ثم قال عمر:

“إحنا متأخرين.”

رد سيف:

“في إيه؟”

نظر عمر إلى ليلى.

ثم قال:

“لأن شريف عرف مكانها الحقيقي.”

شحب وجه ليلى.

لكن عمر أكمل:

“وأول ما عرف إن الملفات اتحركت بدأ المرحلة الأخيرة.”

قال كريم:

“المرحلة الأخيرة إيه؟”

نظر عمر نحوه.

وقال:

“قت*ل الوريثة.”

في تلك اللحظة.

وصلت رسالة إلى هاتف سيف.

فتحها.

فوجد صورة حديثة.

امرأة شابة.

في السابعة والعشرين تقريبًا.

تشبه ليلى بصورة مخيفة.

لكنها ليست هي.

وتحت الصورة مكتوب:

“الهدف تم تحديده.”

ثم عنوان.

وموقع.

قال عمر بسرعة:

“دي أختها.”

تجمدت ليلى.

“أختي؟”

أومأ.

“توأمك.”

شعرت بأن العالم يدور حولها.

كل حياتها كانت تبحث عن إجابات.

والآن أصبحت الإجابات أكثر تعقيدًا.

لكن عمر أكمل:

“اسمها الحقيقي سلمى.”

“وأنتِ اسمك الحقيقي ليلى.”

نظرت إليه بصدمة.

“إزاي؟”

قال:

“لأن اللي حصل زمان كان مقصود.”

ثم جلس.

وأخذ نفسًا طويلًا.

وقال:

“أبوكِ الحقيقي كان شريكًا سريًا لوالد سيف.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“ولما اكتشفوا الملف الأسود عرفوا إن ناس كتير هتحاول تق*تل العيلة كلها.”

“فقسموا الطفلتين.”

“واحدة اختفت هنا.”

“وواحدة اتربت بعيد.”

“علشان لو واحدة ضاعت تفضل التانية عايشة.”

انهمرت دموع ليلى لأول مرة منذ سنوات.

لم تكن تبكي خوفًا.

ولا حزنًا.

كانت تبكي لأن حياتها كلها كانت لغزًا.

وأخيرًا بدأت تفهمه.

في نفس الوقت.

كان شريف الجندي يهرب من فيلته.

بعد أن بدأت الشرطة الاقتصادية والنيابة مداهمة شركاته.

فالملف الأسود وصل أخيرًا.

ليس إلى سيف.

بل إلى الجهات التي لا يستطيع شراءها.

كان والد سيف قد خطط لكل شيء قبل موته.

وضع نسخًا متعددة.

وأخفى المفاتيح في أماكن مختلفة.

وكانت ليلى جزءًا من الخطة.

وعمر جزءًا منها أيضًا.

لكن شريف لم يعرف ذلك إلا متأخرًا جدًا.

بعد يومين.

امتلأت الأخبار بالعناوين.

سقوط شبكة فساد ضخمة.

اعتقالات بالمئات.

تجميد مليارات الجنيهات.

واختفاء نفوذ أسماء كانت تبدو فوق القانون.

أما كريم منصور.

فتم القبض عليه بعد اعترافات شركائه.

واتضح أنه كان بالفعل جزءًا من المؤامرة منذ البداية.

أما الحارس كريم الآخر الذي أنقذ سيف في الفندق فقد أصبح رئيس الأمن الجديد للمجموعة.

بعد ثلاثة أسابيع.

وقفت ليلى أمام منزل صغير على أطراف الإسكندرية.

وكانت يداها ترتجفان.

لأن الباب الذي أمامها قد يغير حياتها كلها.

فتح الباب ببطء.

وظهرت امرأة شابة.

نفس العينين.

نفس الملامح.

نفس الابتسامة.

كأنها تنظر إلى مرآة.

تجمدت الاثنتان.

ثم قالت المرأة بصوت مرتجف:

“ليلى؟”

وانفجرتا بالبكاء.

بعد سبعة وعشرين عامًا من الفراق.

عاد التوأم إلى بعضه أخيرًا.

بعد ستة أشهر.

كانت الأمور قد هدأت.

عاد عمر إلى إدارة جزء من الأعمال القانونية التي استحقها بعد إثبات نسبه.

ولم يعد بينه وبين سيف عداء.

بل شيء أقرب إلى الأخوة التي حُرما منها سنوات طويلة.

أما ليلى.

فقد رفضت المناصب الضخمة.

ورفضت الأضواء.

ورفضت أن تصبح مجرد اسم في الصحف.

واكتفت بالعمل الذي أحبته دائمًا.

لكن شيئًا واحدًا تغير.

سيف الحديدي نفسه.

الرجل الذي كان يخشاه الجميع.

أصبح يبتسم أكثر.

ويغضب أقل.

ويبحث عن ليلى في كل غرفة يدخلها.

وفي إحدى الأمسيات.

كانت تقف على شرفة تطل على النيل.

ترتشف قهوتها بهدوء.

حين سمعت صوته خلفها.

“لسه بتفضلي تهربي لما يكون عندك مشاعر؟”

ابتسمت دون أن تلتفت.

وقالت:

“ولسه بتفضل تدي أوامر بدل ما تطلب؟”

اقترب منها.

ثم وقف بجوارها.

ينظر إلى النيل.

تمامًا كما فعلت هي.

ساد صمت جميل بينهما.

ثم قال:

“أنا مدين لكِ بحياتي.”

هزت رأسها.

“خلصنا من الكلام ده.”

ابتسم.

ثم التفت إليها.

وقال:

“طيب أجرب حاجة تانية.”

رفعت حاجبها.

“زي إيه؟”

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم قال:

“الرقصة دي لسه ما خلصتش.”

ضحكت رغمًا عنها.

وسألته:

“وبعدين؟”

مد يده نحوها.

كما فعل ليلة الفندق.

لكن هذه المرة لم يكن هناك قناص.

ولا خيانة.

ولا مؤامرة.

فقط رجل وامرأة نجيا من العاصفة.

وقال بهدوء:

“كمليها معايا العمر كله.”

نظرت إلى يده.

ثم إلى عينيه.

ورأت لأول مرة مستقبلًا لا يطارده الخوف.

فوضعت يدها في يده.

وابتسمت.

بينما كانت أضواء القاهرة تنعكس فوق مياه النيل.

وكأن المدينة كلها تحتفل ببداية قصة جديدة.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *