لقاء غير متوقع حكـايـات أسمـا ×3
الفصل العاشر
عدت يومين…
لكن قلبي ماكانش مرتاح.
من ساعة ما سمعت عمرو بيقول: “نفذوا الخطة الأخيرة.”
الكلمة فضلت ترن في وداني.
كل مرة أبص لملك وهي بتلعب، أحس بخوف غريب.
كأن في حاجة جاية.
وفي صباح يوم الاتنين…
وصلت المركز الطبي بدري.
لكن أول ما دخلت، لقيت الأستاذة منى واقفة مستنياني.
وشها كان شاحب.
قالت بسرعة:
“سارة… ملك فين؟”
استغربت.
“في الحضانة.”
ردت وهي بتطلع موبايلها:
“الحضانة اتصلت من عشر دقايق.”
اتجمدت.
“خير؟”
قالت:
“بيقولوا إن راجل راح هناك وقال إنه والد ملك، وجاي ياخدها.”
وقبل ما تكمل…
جريت ناحية الباب.
وسيف، اللي كان داخل المؤسسة في نفس اللحظة، لمح رعبي.
مسك دراعي وقال:
“إيه اللي حصل؟”
قلت وأنا بلهث:
“ملك… في الحضانة.”
من غير ما يسأل سؤال تاني…
جرى ناحية عربيته.
وقال للسواق:
“على الحضانة… بأقصى سرعة.”
…
بعد عشر دقايق…
العربية وقفت قدام الحضانة.
نزلت أجري.
دخلت وأنا قلبي هيقف.
لقيت ملك قاعدة في حضن المُدرسة، وبتعيط.
أول ما شافتني، جريت عليا.
حضنتها بقوة.
قلت:
“إنتِ كويسة يا روحي؟”
هزت راسها وهي بتبكي.
مديرة الحضانة قالت:
“الحمد لله إنكم وصلتوا.”
سيف سألها:
“إيه اللي حصل؟”
ردت:
“راجل جه وقال إنه والد الطفلة، ومعاه شهادة ميلاد.”
شهقت.
“شهادة الميلاد؟!”
قالت:
“لكن الموظفة الجديدة كانت هتسلمه البنت.”
“الحمد لله الأستاذة القديمة افتكرت تعليمات حضرتك، وإن الطفلة متتسلمش لأي حد غير الأم.”
سيف قال بهدوء:
“والراجل فين؟”
ردت:
“أول ما عرف إننا بلغنا الشرطة… هرب.”
…
بعد ساعة…
وصل تقرير كاميرات المراقبة.
الصورة كانت واضحة.
عمرو بنفسه.
واقف قدام باب الحضانة.
بيتكلم مع الموظفة.
ولما فشل…
ركب عربيته ومشي.
المحامي قال:
“كده هو ارتكب غلطة كبيرة.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأنه حاول يستلم طفلة بدون إذن الأم، والقض..ية دي هتضيف عليه اتهامات جديدة.”
…
في المساء…
كنت قاعدة في البيت.
وملك نايمة في حضني.
قلت لسيف:
“أنا بقيت بخاف.”
رد بهدوء:
“الخوف طبيعي.”
“لكن أوعدك…”
“مش هخلي حد يقرب منها.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
بصيتله.
فتح الملف الأسود لأول مرة من غير تردد.
طلع منه ظرف صغير.
وقال:
“أنا كنت ناوي أقولك بعد ما القض..ية تخلص.”
“لكن دلوقتي لازم تعرفي.”
فتحت الظرف.
كان فيه وصية قديمة.
باسم رجل اسمه الحاج منصور المنصوري، والد سيف.
وفي آخر الوصية…
فقرة متعلم عليها بقلم أحمر.
بدأت أقرأ…
وفجأة اتسعت عيني من الصدمة.
رفعت رأسي وبصيت لسيف.
وقلت بصوت مرتعش:
“يعني… والدك كان يعرف والدي؟!”
هز سيف رأسه بهدوء.
وقال:
“مش بس يعرفه…”
“أبوك أنقذ حياة والدي زمان.”
“ومن يومها، أبويا كتب وصية قال فيها: لو الأيام فرقت بين العيلتين، وجاء يوم احتاجت فيه أسرة عبد الرحمن المساعدة… تعتبر مسؤوليتهم مسؤوليتي.”
وقعت الوصية من إيدي.
وفهمت لأول مرة…
إن اللي كنت فاكراه صدفة…
كان وعدًا عمره أكثر من عشرين سنة… ولم ينسه أحد.
الفصل الحادي عشر
فضلت ماسكة الوصية، وعيني بتتنقل بين السطور.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت وأنا ببص لسيف:
“يعني… كل اللي عملته معايا كان علشان وصية أبوك؟”
سيف ابتسم ابتسامة هادية، وهز راسه بالنفي.
“الوصية كانت السبب إني أدور عليكي.”
“لكن اللي خلاني أفضل جنبك… كان إنتِ.”
سكت شوية، وبعدين كمل:
“أول ما شفتك في مركز الخير، افتكرت البنت اللي كانت بتشارك زمايلها سندوتشها وهي نفسها جعانة.”
ضحكت وسط دموعي.
“لسه فاكر؟”
رد بابتسامة:
“في حاجات عمرها ما بتتنسى.”
…
في اليوم التالي…
كانت جلسة المحكمة الأخيرة.
القاعة كانت مليانة.
صحفيين.
محامين.
وأشخاص جايين يتابعوا القض..ية اللي بقت حديث الناس.
دخل القاضي.
والكل وقف.
وبعد دقائق…
طلب استدعاء عمرو.
وقف قدام المنصة.
وشه شاحب.
واضح إنه مابقاش نفس الشخص الواثق اللي كان بيتباهى بفلوسه.
القاضي قال:
“بعد مراجعة المستندات، وسماع الشهود، والاطلاع على التسجيلات…”
“ثبت للمحكمة قيام المدعى عليه بالتحريض على الإضرار بالمدعية، والتدخل في مصدر رزقها، ومحاولة التأثير على استقرارها المعيشي، بالإضافة إلى محاولة استلام الطفلة دون إذن قانوني.”
القاعة سكتت تمامًا.
ثم أكمل:
“وتقضي المحكمة بإلزام المدعى عليه بسداد جميع مستحقات النفقة المتأخرة، ونفقة شهرية للطفلة، مع منعه من الاقتراب من المدعية أو الطفلة إلا وفق الإجراءات القانونية المنظمة لحق الرؤية.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
دموعي نزلت.
مش دموع انتصار…
دموع راحة.
راحة بعد سنين من الخوف.
…
عمرو خرج من المحكمة وهو مطأطئ راسه.
كل الصحفيين جريوا وراه.
حد سأله:
“عندك تعليق؟”
ما ردش.
ركب عربيته ومشي.
ولأول مرة…
كان ماشي لوحده.
زي ما سابني لوحدي زمان.
…
بعد شهرين…
رجعت حياتنا تستقر.
ملك بقت بتحب الحضانة.
وأنا بقيت مشرفة استقبال في المركز الطبي بعد ما المدير شاف اجتهادي.
وفي يوم الجمعة…
سيف طلب يشوفني في حديقة المؤسسة.
رحت.
لقيته واقف تحت شجرة كبيرة.
في نفس المكان اللي الأطفال بيلعبوا فيه.
ابتسم أول ما شافني.
وقال:
“فاكرة أول مرة شوفنا بعض تاني؟”
ضحكت.
“في طابور الشوربة.”
قال:
“كنت فاكر إن القدر ظلمني لما فرقتنا السنين.”
“لكن دلوقتي فهمت إنه كان بيجهزنا للحظة دي.”
سكت ثواني.
وبعدين طلع علبة صغيرة من جيبه.
فتحها.
كان فيها خاتم بسيط وأنيق.
بصلي وقال:
“يا سارة…”
“أنا مش بطلب منك تنسي الماضي.”
“ولا تمحي الوجع.”
“أنا بطلب منك تسمحيلي أكون سبب في ابتسامتك الجاية.”
دموعي نزلت.
بصيت لملك.
كانت بتجري ناحيتنا وهي بتضحك.
وقفت بينا.
وبصت للخاتم.
وقالت ببراءة:
“هو عمو سيف هيبقى بابا؟”
سيف نزل لمستواها.
وقال بابتسامة:
“لو مامتك وافقت.”
ملك بصتلي بعينيها الواسعتين.
وقالت وهي بتضحك:
“وافقي يا ماما… عشان هو عمره ما بينسى يجيبلي الدبدوب والشوكولاتة.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وسط ضحك ملك.
ودموع الفرح.
ومدّيت إيدي لسيف.
وقلت:
“موافقة.”
لبسني الخاتم.
وفي اللحظة دي…
بدأت ملك تزقف وتضحك بصوت عالي.
والأطفال اللي في الحديقة قلدوها.
وبدون ترتيب…
بقت الحديقة كلها مليانة تصفيق.
بعد ست شهور…
اتجوزنا في حفل بسيط داخل المؤسسة نفسها.
حضر العاملين.
والأسر اللي المؤسسة ساعدتها.
وكل واحد فيهم كان بيحكي حكاية أمل جديدة.
أما ملك…
فأصرت تمشي بينا وهي ماسكة إيدينا إحنا الاتنين.
ولما المأذون خلص…
حضنت سيف وقالت قدام كل الناس:
“أنا دلوقتي عندي بابا بجد.”
ساعتها…
حتى أقوى الرجال في المكان…
ماقدروش يمنعوا دموعهم.
تمت بحمد الله.
الفصل الأخير… بعد ثلاث سنوات
“بابا… استنى!”
كان صوت ملك مالي البيت.
سيف وقف في آخر السلم، ولف يضحك.
ملك كانت جارية وراه بزي المدرسة، والشنطة أكبر منها، وشعرها مربوط بضفيرتين.
أول ما وصلت له، رفعت كفها الصغير.
“نسيت البوسة.”
ضحك سيف، نزل لمستواها، وباسها على جبينها.
“كده ينفع؟”
هزت راسها وقالت:
“دلوقتي ينفع.”
كنت واقفة في المطبخ، ببص عليهم وقلبي مليان امتنان.
كل صباح كنت أفتكر الليلة اللي وقفت فيها أنا وبنتي في طابور الشوربة.
وأقول لنفسي:
“سبحان مغير الأحوال.”
…
المؤسسة كبرت.
وسيف افتتح فرعين جداد.
وأنا بقيت مديرة برنامج دعم الأمهات.
كان أي حد يدخل المؤسسة وهو مكسور…
أقعد معاه وأقوله:
“أنا كنت مكانك يوم من الأيام.”
وكانوا يبصوا لي بعدم تصديق.
لأنهم كانوا شايفين الست اللي لابسة بدلة شيك.
لكن ماكانوش يعرفوا إنها نامت في عربية وهي بتحاول تدفي بنتها ببطانية قديمة.
…
وفي يوم من الأيام…
دخلت علينا شابة صغيرة.
شايلة طفل رضيع.
وبتبكي.
قالت:
“أنا ماليش مكان أروحله.”
بصيت لسيف.
ابتسم.
وقال:
“ابدئي معاها نفس الخطة اللي بدأت معاكي.”
ابتسمت وأنا افتكرت أول ملف أسود فتحه قدامي.
وقلت للبنت:
“تعالي… هنبدأ من أول السطر.”
…
أما عمرو…
فبعد الأحكام اللي صدرت ضده، خسر جزءًا كبيرًا من ثروته.
واتباعت شركته لتسديد الديون.
وفي أحد الأيام…
طلب يقابل ملك في موعد الرؤية القانوني.
سألتها بهدوء:
“تحبي تروحي؟”
بصتلي.
وبعدين بصت لسيف.
وقالت بمنتهى البراءة:
“أنا مش زعلانة منه.”
“بس بابا اللي أعرفه… هو اللي كان بيصحيني للمدرسة، ويمسك إيدي وأنا بخاف، ويقعد يذاكرلي.”
سيف ماقالش ولا كلمة.
لكن عينه لمعت بالدموع.
…
في مساء هادئ…
كنا قاعدين في البلكونة.
ملك بتلعب في الجنينة.
سيف مسك إيدي وقال:
“فاكرة أول مرة شوفتك بعد السنين؟”
ضحكت.
“في طابور الأكل.”
قال وهو مبتسم:
“ساعتها كنت فاكر إني جاي أوزع وجبات.”
“لكن الحقيقة…”
“ربنا كان بيوزع أرزاق.”
بصيت لبنتنا الصغيرة “ياسمين”، اللي كانت نايمة في حضني.
وبصيت لملك وهي بتجري ناحية أبوها وهي بتضحك.
وحسيت إن ربنا عوضني عن كل دمعة نزلت في ليلة برد.
واتأكدت من حاجة واحدة…
إن الخير اللي بيتعمل لوجه الله…
بيرجع لصاحبه أضعافًا.
وإن الإنسان ممكن يخسر مالًا، أو بيتًا، أو وظيفة…
لكن عمره ما يخسر، إذا فضل متمسك بالأمل.
النهاية.
تمت