العوده حكايات اسما ×5

الفصل الثامن: السر الذي دفنته أم سارة

 

كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا.

 

أحمد وفؤاد ورجال الأمن يتابعون إشارات سيارة الإسعاف المزيفة التي ظهرت في التسجيلات.

 

لكن سارة لم تكن تفكر في الهروب.

 

كانت تفكر في أمها.

 

في ذلك السر الذي أخفته عنها سنوات طويلة.

 

السر الذي ظلت تعتبره مجرد حكاية قديمة…

 

حتى هذه اللحظة.

 

—

 

قبل خمس سنوات.

 

كانت أمها على فراش المرض.

 

والموت يقترب منها يومًا بعد يوم.

 

في إحدى الليالي طلبت من سارة أن تجلس بجوارها.

 

ثم أعطتها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

 

وقالت:

 

“الصندوق ده متفتحيهوش إلا لو حصلت مصيبة كبيرة.”

 

ضحكت سارة وقتها.

 

وقالت:

 

“ربنا يديكي الصحة يا أمي.”

 

لكن أمها أمسكت يدها بقوة.

 

وقالـت:

 

“وعديني.”

 

ووعدتها.

 

—

 

الآن…

 

داخل الغرفة التي احتجزها فيها كامل.

 

تذكرت الصندوق.

 

وتذكرت أين أخفته.

 

داخل مخزن صغير في شقتها القديمة.

 

ولم تكن تعلم أن محتواه قد يصبح أهم من الميراث كله.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

وصلت رسالة جديدة إلى فؤاد.

 

هذه المرة فيديو.

 

فتحوه بسرعة.

 

ظهرت سارة على الشاشة.

 

وجهها متعب.

 

لكنها حية.

 

ثم ظهر كامل خلفها.

 

وقال:

 

“قدامك 12 ساعة.”

 

ثم رفع ملفًا أمام الكاميرا.

 

“أمضي التنازل عن كل الشركات.”

 

سكت لحظة.

 

ثم ابتسم.

 

“أو هتخسر بنتك للأبد.”

 

وانقطع الفيديو.

 

—

 

وقف أحمد بعصبية.

 

“لازم نقتحم المكان.”

 

لكن فؤاد ظل صامتًا.

 

ثم قال:

 

“كامل مش هيجازف يصورها في مكان احتجازها.”

 

نظر إليه أحمد.

 

“يعني؟”

 

“الفيديو متصور قبل ساعات.”

 

شعر الجميع بالإحباط.

 

—

 

وفجأة…

 

دخلت منى الغرفة.

 

كانت لا تزال منهكة.

 

لكنها تذكرت شيئًا.

 

قالت:

 

“في مخزن.”

 

نظر إليها الجميع.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“سمعت واحد منهم بيتكلم عن مخزن على طريق العين السخنة.”

 

قفز أحد رجال الأمن.

 

“إحنا عندنا 3 مخازن تابعين لشركات كامل هناك.”

 

بدأ الأمل يعود من جديد.

 

—

 

لكن في نفس اللحظة…

 

داخل المخزن.

 

دخل كامل بنفسه إلى سارة.

 

جلس أمامها.

 

ثم قال:

 

“تعرفي يا سارة؟”

 

رفعت رأسها.

 

“إيه؟”

 

ابتسم.

 

“لو كنتِ اختفيتي من سنين مكانش حصل كل ده.”

 

نظرت إليه باحتقار.

 

“أنت مريض.”

 

ضحك.

 

“لا.”

 

ثم اقترب أكثر.

 

“أنا راجل ضاعت منه ثروة.”

 

—

 

لكن سارة لم تخف.

 

بل قالت شيئًا جعله يتوقف فجأة.

 

“أمي كانت عارفة الحقيقة.”

 

اختفت الابتسامة من وجهه.

 

“أي حقيقة؟”

 

ابتسمت هي هذه المرة.

 

لأول مرة.

 

وقالت:

 

“الحقيقة اللي خلتها تهرب مني طول عمرها.”

 

تجمد كامل.

 

وشعرت سارة أنها أصابت الهدف.

 

لأنه كان يعرف ما تقصده.

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

وصل أحمد وفؤاد ورجال الأمن إلى أول مخزن.

 

فارغ.

 

الثاني.

 

فارغ أيضًا.

 

بقي مخزن واحد فقط.

 

آخر فرصة.

 

آخر خيط.

 

—

 

أما داخل الغرفة…

 

فأخرج كامل مسدسًا ووضعه على الطاولة.

 

ثم قال:

 

“قولي اللي تعرفيه.”

 

نظرت إليه سارة بثبات.

 

وقالت:

 

“أنا مش حفيدة السيوفي بس.”

 

صمت.

 

ثم أضافت:

 

“أنا الوريثة القانونية الوحيدة لثروة أكبر من ثروة عيلة السيوفي كلها.”

 

اتسعت عينا كامل.

 

ولأول مرة…

 

ظهر الخوف الحقيقي على وجهه.

 

لأن السر الموجود داخل الصندوق الخشبي…

 

كان أخطر من المليارات.

 

وأخطر من الميراث.

 

وأخطر حتى من اختطافها.

 

وكان قادرًا على تدمير أسماء كبيرة جدًا…

 

من ضمنها كامل نفسه.

 

يتبع…

الفصل التاسع: الصندوق الخشبي

 

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

حتى كامل السيوفي نسي المسدس الموضوع أمامه للحظة.

 

ظل ينظر إلى سارة.

 

“إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟”

 

لكن نبرة صوته لم تكن واثقة.

 

لأنه كان يعرف شيئًا.

 

شيئًا دفنه منذ سنوات طويلة.

 

وكان يخشى أن يعود.

 

—

 

ابتسمت سارة رغم القيود في يديها.

 

وقالت:

 

“واضح إنك فاكر.”

 

اقترب كامل منها.

 

“أمك قالتلك إيه؟”

 

رفعت رأسها.

 

“كل حاجة.”

 

لكنها كانت تكذب.

 

في الحقيقة…

 

هي نفسها لم تكن تعرف كل شيء.

 

كل ما تعرفه أن أمها قبل وفاتها أخبرتها أن الصندوق الخشبي يحتوي على أسرار تخص عائلة السيوفي.

 

وأوصتها ألا تفتحه إلا إذا أصبحت حياتها في خطر.

 

والآن…

 

كانت حياتها في أخطر نقطة وصلت إليها يومًا.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كان أحمد وفؤاد يقفان أمام آخر مخزن.

 

مبنى ضخم مهجور على طريق العين السخنة.

 

الساعة تقترب من الخامسة صباحًا.

 

والسماء بدأت تفتح لونها.

 

قال قائد الأمن:

 

“المكان ده الوحيد اللي باقي.”

 

أخرج فؤاد س*لاحه لأول مرة منذ سنوات.

 

ثم قال:

 

“ندخل.”

 

—

 

أما داخل المخزن…

 

فأمسك كامل هاتفه.

 

واتصل بأحد رجاله.

 

“روح الشقة القديمة.”

 

سأله الرجل:

 

“أي شقة؟”

 

“شقة أم سارة.”

 

صمت.

 

ثم أضاف كامل:

 

“هاتلي أي صندوق خشب تلاقيه.”

 

شعرت سارة بالخوف لأول مرة.

 

لقد فهم.

 

لقد عرف أن السر الحقيقي ليس معها.

 

بل داخل الصندوق.

 

—

 

بعد أقل من ساعة…

 

وصل رجال كامل إلى الشقة.

 

لكنهم لم يكونوا وحدهم.

 

لأن شخصًا آخر سبقهم.

 

منى منصور.

 

—

 

كانت منى قد تذكرت كلامًا قالته لها سارة قبل أشهر.

 

عن صندوق قديم تركته أمها.

 

لم تكن تعرف أهميته وقتها.

 

لكنها الآن فهمت.

 

دخلت الشقة المرتبكة.

 

وبحثت في المخزن الصغير.

 

حتى وجدته.

 

صندوق خشبي قديم.

 

مغلق بقفل نحاسي.

 

أمسكته بسرعة.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

سمعت صوت خطوات خلفها.

 

استدارت.

 

فوجدت رجلين يقتربان منها.

 

—

 

في المخزن المهجور…

 

وصل أحمد وفؤاد إلى الباب الخلفي.

 

كان المكان صامتًا بشكل مخيف.

 

لكن فجأة…

 

وصلت رسالة إلى هاتف فؤاد.

 

صورة جديدة.

 

فتحتها يد مرتعشة.

 

كانت الصورة لمنى.

 

واقفة داخل الشقة.

 

والصندوق الخشبي بين يديها.

 

وخلفها رجل يحمل مسدسًا.

 

أسفل الصورة كُتبت عبارة واحدة:

 

“دلوقتي بقى عندي البنت… والصندوق.”

 

شحب وجه فؤاد.

 

أما أحمد فشعر أن الكارثة تضاعفت.

 

—

 

في الشقة…

 

أخذ رجال كامل الصندوق من يد منى.

 

ثم دفعوها أرضًا.

 

لكن قبل أن يغادروا…

 

حدث شيء لم يتوقعه أحد.

 

سقط الصندوق.

 

وانكسر القفل.

 

وتناثرت محتوياته على الأرض.

 

صور قديمة.

 

عقود.

 

خطابات.

 

وملف أحمر سميك.

 

أحد الرجال التقط الملف.

 

ثم فتحه.

 

وبعد ثوانٍ…

 

اختفى اللون من وجهه.

 

نظر إلى زميله.

 

وقال:

 

“لازم نكلم الباشا حالًا.”

 

—

 

في المخزن…

 

رن هاتف كامل.

 

أجاب بعصبية.

 

لكن بعد أقل من دقيقة…

 

تغير وجهه بالكامل.

 

وقف من مكانه فجأة.

 

ثم صرخ:

 

“مستحيل!”

 

نظرت إليه سارة.

 

وعرفت أن شيئًا كبيرًا حدث.

 

شيئًا لم يكن يتوقعه.

 

—

 

داخل الملف الأحمر…

 

كانت توجد وثائق أصلية تثبت أن جزءًا ضخمًا من ثروة السيوفي لم يكن مملوكًا لعائلة السيوفي أصلًا.

 

بل كان مملوكًا لشريك قديم اختفى في ظروف غامضة منذ ثلاثين عامًا.

 

وشهادة أخرى.

 

أخطر بكثير.

 

شهادة تربط كامل نفسه باختفاء ذلك الرجل.

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

سمع الجميع خارج الغرفة صوت انفجار الباب الرئيسي للمخزن.

 

ثم أصوات رجال يركضون.

 

وصيحات عالية.

 

وقف كامل.

 

وأمسك المسدس.

 

أما سارة…

 

فابتسمت لأول مرة.

 

لأنها عرفت أن أحمد وصل.

 

لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الحقيقية لم تبدأ بعد.

 

لأن الرجل المختفي منذ ثلاثين عامًا…

 

والذي اعتقد الجميع أنه مات…

 

كان ما يزال حيًا.

 

وكان في طريقه إليهم الآن.

 

يتبع…

الفصل العاشر: الرجل الذي عاد من الموت

 

دوّى صوت اقتحام الباب في أنحاء المخزن.

 

تراجع رجال كامل السيوفي للخلف.

 

أما أحمد فكان أول من اندفع إلى الداخل.

 

عيناه تبحثان عن شيء واحد فقط.

 

سارة.

 

وعندما رآها أخيرًا مقيدة على الكرسي…

 

شعر وكأن روحه عادت إلى جسده.

 

“سارة!”

 

رفعت رأسها بسرعة.

 

والدموع امتلأت في عينيها.

 

“أحمد!”

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

رفع كامل السيوفي مسدسه.

 

لكن قبل أن يضغط الزناد…

 

انطلقت رصاصة أخرى.

 

واستقرت في السقف.

 

تجمد الجميع.

 

واستداروا ناحية الباب.

 

وهناك…

 

وقف رجل مسن.

 

شعره أبيض بالكامل.

 

لكن حضوره كان أقوى من أي شخص في المكان.

 

وخلفه مجموعة من رجال الشرطة.

 

ساد صمت كامل.

 

ثم همس فؤاد السيوفي:

 

“مستحيل…”

 

اتسعت عينا كامل.

 

وتراجع خطوة للخلف.

 

أما الرجل العجوز فقال بهدوء:

 

“واضح إنكم ما كنتوش متوقعين تشوفوني.”

 

—

 

شعرت سارة بالحيرة.

 

لم تره من قبل.

 

لكن فؤاد بدا وكأنه رأى شبحًا.

 

قال بصوت مرتجف:

 

“حسن الشاذلي؟”

 

ابتسم الرجل.

 

“أخيرًا افتكرت اسمي.”

 

—

 

أما كامل…

 

فقد اختفى اللون من وجهه.

 

لأنه كان يعرف الحقيقة.

 

الحقيقة التي حاول دفنها ثلاثين سنة.

 

الحقيقة التي عادت الآن لتدمر كل شيء.

 

—

 

قبل ثلاثين عامًا…

 

كان حسن الشاذلي الشريك الأكبر في الإمبراطورية التجارية التي أصبحت فيما بعد مجموعة السيوفي.

 

وكان يملك أكثر من نصف الأصول.

 

لكن في ليلة غامضة اختفى.

 

واختفت معه الأوراق الأصلية للملكية.

 

واعتبره الجميع ميتًا.

 

ومن يومها…

 

انتقلت السيطرة تدريجيًا إلى كامل وعائلته.

 

—

 

لكن حسن لم يمت.

 

بل تعرض لمحاولة قت*ل.

 

ونجا.

 

وقضى سنوات طويلة خارج البلاد تحت حماية جهات قانونية دولية.

 

وكان يجمع الأدلة.

 

وينتظر اللحظة المناسبة للعودة.

 

—

 

نظر حسن إلى كامل مباشرة.

 

وقال:

 

“ثلاثين سنة يا كامل.”

 

صمت.

 

ثم أكمل:

 

“ثلاثين سنة وأنت عايش بثروة مش بتاعتك.”

 

—

 

صرخ كامل بغضب:

 

“كذاب!”

 

لكن حسن أخرج ملفًا أسود.

 

وألقاه فوق الطاولة.

 

ثم قال:

 

“كل حاجة هنا.”

 

عقود.

 

تحويلات.

 

مستندات.

 

شهادات.

 

وتسجيلات.

 

أدلة تكفي لإسقاط إمبراطورية كاملة.

 

—

 

أما سارة…

 

فكانت تنظر إلى الملف الأحمر الذي تسبب في كل هذه الكارثة.

 

وسألت:

 

“أنا مالي بكل ده؟”

 

نظر إليها حسن لأول مرة.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة حزينة.

 

وقال:

 

“لأن أمك كانت بنتي.”

 

ساد الصمت.

 

صمت كامل.

 

حتى أحمد شعر أن قلبه توقف.

 

أما سارة…

 

فلم تستوعب.

 

“إيه؟”

 

اقترب حسن منها ببطء.

 

وعيناه تمتلئان بالدموع.

 

“أنا جدك يا سارة.”

 

—

 

انهارت سارة بالبكاء.

 

فكل حياتها كانت قائمة على نصف حقيقة.

 

كانت تعتقد أن أمها امرأة بسيطة بلا عائلة.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

أمها كانت الوريثة الأصلية لثروة حسن الشاذلي.

 

وعندما اختفى…

 

أصبحت هي الوريثة.

 

ثم انتقلت الحقوق إلى ابنتها الوحيدة.

 

سارة.

 

—

 

فهم الجميع الآن.

 

لم يكن كامل يخاف من ميراث فؤاد فقط.

 

بل من ثروة أخرى أكبر.

 

ثروة حسن الشاذلي.

 

التي كانت ستعود كلها إلى سارة.

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

دخل ضابط الشرطة.

 

وأعلن رسميًا القبض على كامل السيوفي وعدد من مساعديه.

 

حاول كامل الهرب.

 

لكن القيود أُغلقت حول يديه.

 

—

 

وأثناء خروجه…

 

التفت نحو سارة.

 

وقال بكره:

 

“كل ده بسببك.”

 

لكن سارة لم ترد.

 

لأنها كانت تنظر إلى أحمد.

 

الذي فك قيودها أخيرًا.

 

ثم احتضنها بقوة.

 

كأنهما نجوا من إعصار.

 

—

 

بعد أسبوعين…

 

خرج الطفل الصغير من الخطر.

 

وحملته سارة بين ذراعيها لأول مرة.

 

أما فؤاد…

 

فكان يجلس بجوارها.

 

يتأمل حفيده.

 

ويحاول تعويض ثلاثين سنة ضاعت.

 

وحسن الشاذلي يجلس على الجانب الآخر.

 

غير مصدق أنه وجد عائلته من جديد.

 

—

 

أما منى منصور…

 

فوقفت أمام سارة والدموع في عينيها.

 

وقالت:

 

“سامحيني.”

 

صمتت سارة للحظة.

 

ثم احتضنتها.

 

لأن الكراهية كانت قد دمرت ما يكفي من الأرواح بالفعل.

 

—

 

وفي مساء هادئ بعد أشهر…

 

كانت سارة تقف في شرفة منزلها الجديد.

 

تحمل طفلها.

 

وتنظر إلى غروب الشمس.

 

فجاء أحمد ووقف بجوارها.

 

وقال مبتسمًا:

 

“عارفة أغرب حاجة؟”

 

نظرت إليه.

 

“إيه؟”

 

ضحك.

 

“أنا رجعت البيت يومها فاكر إني هكتشف خيانة.”

 

ابتسمت وهي تمسك يد طفلها.

 

ثم قالت:

 

“وأنا اكتشفت عيلة كاملة.”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *