اغماء حكايات اسما ×4
الفصل السابع
ارتفع صوت المروحية فوق البحيرة.
كانت تحلق على ارتفاع منخفض.
والهواء الناتج عن المراوح كان بيقلب المية والرمال حوالينا.
صرخت وأنا ماسكة إيد أبويا:
“يلا نمشي!”
لكن سيف كان ثابت مكانه.
رفع جهاز الاتصال وقال بهدوء:
“الخطة رقم أربعة.”
في أقل من ثواني…
خرجت أربع عربيات سوداء من بين الأشجار.
واضح إنها كانت مستخبية من قبل.
الحراس انتشروا بسرعة.
لكن الغريب…
إن المروحية ما نزلتش أي حد.
فضلت تلف فوقنا.
ثم رمت حقيبة سوداء كبيرة على الأرض.
وبعدها بعدت.
بصيت لسيف باستغراب.
قال:
“متقربوش.”
راح خبير المتفجرات الأول.
فحصها.
ثم قال:
“مفيش متفجرات.”
فتح الحقيبة بحذر.
كان جواها لاب توب.
وملف.
وتليفون قديم.
وفوقهم ظرف أبيض.
مكتوب عليه بخط واضح:
“إلى ليلى فقط.”
بصلي سيف.
“افتحيه.”
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
بدأت أقرأ بصوت مرتفع.
«”يا ليلى…»
«لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا عرفت إن أخوكِ اختار يقف ضدي.”»
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني بسرعة.
“أخويا؟”
بصيت لأبويا.
كان مذهول.
كملت.
«”يمكن أبوكي مخبّيش عليكي الحقيقة دي…”»
«”لكن ليكي أخ أكبر منك.”»
شهقت.
“إيه؟”
أمي بدأت تبكي.
بصيت لها.
“الكلام ده حقيقي؟”
هزت رأسها ببطء.
“كان عندك أخ.”
“اتخطف وهو عنده أربع سنين.”
حسيت إن أنفاسي اتقطعت.
“ليه محدش قالي؟”
قالت وهي تبكي:
“كنا فاكرينه مات.”
فتحت الرسالة تاني.
«”أنا ربيت الولد بنفسي.”»
«”وبقى أقرب واحد ليا.”»
«”ولو حبيتي تعرفي مين هو…”»
«”بصي حواليكي.”»
بدأت أبص لكل اللي واقفين.
الحراس.
الرجالة.
سيف.
أبويا.
أمي.
قلبي كان بيدق بعنف.
وفجأة…
لقيت سيف ساكت بشكل غريب.
بصيت له.
كان وشه شاحب.
سألته:
“في إيه؟”
ما ردش.
أبويا قرب منه.
وبص في عينيه.
ثم همس:
“معقول؟”
سيف غمض عينه.
ولأول مرة…
شفته بيتوتر.
قال بصوت منخفض:
“أنا كنت هقولكم.”
اتجمدت.
“تقول إيه؟”
فتح محفظته.
طلع صورة قديمة.
فيها طفل صغير.
واقف بينه وبين أبويا.
قال:
“أنا…”
وسكت.
ثم أكمل:
“أنا الطفل ده.”
شهقت أمي.
وارتمت على الأرض وهي بتعيط.
أما أبويا…
ففضل يبص لسيف.
ثم قرب منه.
وحط إيده على كتفه.
وقال:
“يعني…”
“إنت ابني.”
نزلت دموع سيف لأول مرة.
وقال:
“أنا معرفتش الحقيقة غير من ست شهور.”
“بعد تحليل DNA.”
حسيت إن الدنيا كلها اتقلبت.
الراجل اللي حماني.
واللي كنت فاكرة إنه مجرد صديق لأبويا…
طلع أخويا.
لكن قبل ما نستوعب المفاجأة…
اشتغل اللاب توب لوحده.
وظهر بث مباشر.
كان فيه فؤاد.
قاعد في مكتبه.
بيبتسم.
وقال:
“مبروك.”
“عرفتوا الحقيقة.”
ثم ضحك وأضاف:
“بس للأسف…”
“عرفتوها متأخر.”
ضغط زرًا قدامه.
وفجأة…
وصل إشعار على هاتف سيف.
فتحه بسرعة.
اتغير لون وشه.
ناولني الشاشة.
كان خبرًا عاجلًا:
“اندلاع حريق ضخم في مقر شركة الجندي للاستثمار بعد انفجار مجهول السبب.”
لكن اللي جمّد الدم في عروقي…
إن الخبر كمل بجملة واحدة:
“ويُعتقد أن رئيس مجلس الإدارة فؤاد الجندي كان داخل المبنى لحظة الانفجار.”
وساعتها همس أبويا بصوت خافت:
“لأ…”
“دي مش نهاية فؤاد…”
“أنا أعرف أخويا كويس…”
“هو بدأ المرحلة الأخيرة من خطته.”
الفصل الأخير
ساد الصمت بعد ظهور الخبر.
كل الأنظار اتجهت إلى سيف.
أما أبويا…
فكان يهز رأسه بهدوء.
وقال:
“فؤاد عمره ما يحرق نفسه.”
بص له سيف.
“يعني الانفجار كان تمويه.”
هز أبويا رأسه.
“بالضبط.”
فتح سيف اللاب توب مرة تانية.
بدأ يراجع البث ثانية بثانية.
ثم أوقف الصورة عند إطار واحد.
كبرها.
وأشار إلى انعكاس زجاج المكتب.
وقال:
“بصوا هنا.”
ظهر في الانعكاس باب مفتوح.
ورجل يخرج من الغرفة قبل الانفجار بثوانٍ.
ابتسم أبويا لأول مرة.
“قلتلك.”
“هرب.”
—
بعد ساعات…
وصلت الشرطة إلى الشركة.
وبدأت مراجعة كاميرات المراقبة.
الكاميرات أثبتت أن فؤاد خرج من باب الطوارئ قبل الانفجار بسبع دقائق.
ومن هناك…
بدأت مطاردة استمرت ثلاثة أيام.
كل مرة كانوا يقتربون منه…
كان يهرب.
لكن في اليوم الرابع…
ارتكب أكبر غلطة في حياته.
حاول يسحب مبلغًا كبيرًا من أحد الحسابات السرية.
والبنك أبلغ السلطات فورًا.
وصلت قوات الأمن.
وحاصرت المبنى.
ولأول مرة…
وجد فؤاد نفسه بلا رجال.
ولا نفوذ.
ولا أموال يشتري بها ولاء أحد.
وقف رافعًا يديه.
وأُلقي القبض عليه.
—
بعد أسابيع…
بدأت المحاكمة.
امتلأت القاعة بالصحفيين.
وقف فؤاد داخل القفص.
كان ينظر إلى الأرض.
أما أبويا…
فدخل القاعة بعد غياب عشرين سنة.
لما رآه فؤاد…
رفع رأسه ببطء.
وقال بصوت مكسور:
“سامحني.”
رد أبويا بهدوء:
“سامحتك كأخ.”
“لكن حق الناس لازم يرجع.”
كانت أول مرة أشوف فيها أبويا قويًا بهذا الشكل.
لا غاضب.
ولا منتقم.
فقط…
يريد أن تنتهي القصة بالعدل.
—
استمرت الجلسات عدة أشهر.
وفي النهاية…
صدر الحكم.
إدانة فؤاد ومن شاركه في الجرائم المالية.
وإعادة الأموال إلى أصحابها.
وتبرئة اسم أبي رسميًا بعد عشرين عامًا من الاتهامات.
في اليوم الذي صدر فيه الحكم…
خرج أبي من المحكمة.
وقف أمام عدسات الصحفيين.
وقال جملة واحدة:
“أصعب سجن دخلته في حياتي… كان إني أعيش بعيدًا عن بنتي.”
—
بعد انتهاء القضية…
رجعنا إلى البيت.
لكن هذه المرة…
لم يكن بيتًا نخاف فيه.
ولا قصرًا تحيطه الحراسة.
اشترى أبي بيتًا بسيطًا على طرف المدينة.
كان يقول:
“أنا تعبت من الهروب.”
“نفسي أعيش الأيام اللي باقية في سلام.”
أما أمي…
فبدأت تعوض كل سنة ضاعت.
كانت تطبخ بنفسها.
وتضحك.
وتجلس معي بالساعات تحكي لي عن طفولتي التي لم أتذكر منها شيئًا.
—
أما سيف…
فقرر يبيع معظم أعماله.
ولما سألته:
“ليه؟”
ابتسم وقال:
“فضلت أجري ورا النفوذ سنين.”
“واكتشفت إن أغلى حاجة كنت بدور عليها…”
“كانت العيلة.”
ضحكت.
وقلت:
“وأخيرًا بقيت أخويا رسمي.”
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال:
“وأحسن منصب أخدته في حياتي.”
—
بعد عام…
عدت إلى عملي.
لكن ليس كموظفة.
افتتحت مع أبي وسيف مؤسسة لدعم أسر المفقودين، ومساعدة من اضطروا للاختباء أو تضرروا من الجرائم المالية.
كان شعار المؤسسة مكتوبًا عند المدخل:
“الحقيقة قد تتأخر… لكنها لا تضيع.”
وفي يوم الافتتاح…
وقف أبي بجانبي.
وقال:
“فاكرة اليوم اللي أغمي عليكي فيه تحت المطر؟”
ابتسمت.
“أفتكره كويس.”
قال:
“أنا كنت بعيد… لكني كنت بدعي ربنا يبعتلك حد يحميكي.”
نظرت إلى سيف.
ثم ابتسمت.
وقلت:
“وربنا استجاب.”
—
في مساء هادئ…
رجعت إلى نفس الشارع الذي سقطت فيه تحت المطر.
وقفت للحظة.
تذكرت خوفي.
ووحدتي.
وظني أن حياتي انتهت.
لكنني أدركت أن تلك الليلة لم تكن نهاية شيء…
كانت بداية كل الحقيقة.
رفعت رأسي إلى السماء.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم ابتسمت.
لأنني لم أعد الفتاة التي كانت تخاف من الظلام…
بل أصبحت امرأة تعرف أن أصعب العواصف قد تقود الإنسان إلى أكثر الأماكن أمانًا.
تمت.