طفلتي البريئه حكايات اسما 2

الجزء الأخير
بعد أسبوع كامل… خرجت “ليلى” من المستشفى.
لكن البيت ما رجعش طبيعي.
ولا أحمد. ولا سمر.
الخوف بقى عايش معاهم في كل تفصيلة صغيرة.
أي وجع بطن… يرعبهم.
أي باب يخبط… يخلي قلبهم يقف.
حتى ليلى نفسها اتغيرت.
الطفلة اللي كانت بتضحك طول الوقت… بقت تسكت فجأة وتبص حواليها بخوف.
وتصحى من النوم وهي تصرخ: “شيلوها من بطني!”
وفي كل مرة… كانت سمر تجري تضمها وتبكي معاها.
أما أحمد… فكان بيقف عند باب الأوضة ويحس بالعجز لأول مرة في حياته.
لأنه طول عمره كان فاكر إن الحماية معناها فلوس. شقة كويسة. تعليم. أكل. أمان.
لكن اللي حصل لبنته علمه إن الأمان الحقيقي… إنك تنتبه.
إنك تسمع.
إنك تصدق خوف طفلك حتى لو بان بسيط.
في صباح يوم جمعة… كان أحمد قاعد في الصالة يتفرج على الأخبار، وليلى نايمة على الكنبة جنب أمها.
وفجأة…
ظهر خبر عاجل على الشاشة.
“الشرطة تلقي القبض على السيدة المتهمة بإيذاء الأطفال في عدة مناطق بالقاهرة.”
سمر انتفضت.
أما أحمد… فقام وقف فورًا.
المذيعة كملت: “المتهمة تُدعى هناء رفعت، وتم العثور عليها داخل شقة قديمة بمنطقة مهجورة بعد محاولة هروب استمرت أيام.”
ليلى صحيت على صوت التلفزيون.
وأول ما شافت صورة هناء…
صرخت.
الريموت وقع من إيد أحمد.
ليلى بدأت ترتعش بشكل هستيري وهي مستخبية في حضن أمها: “خليها تمشي! خليها تمشي!”
سمر حضنتها بقوة. “مش هتجيلك يا حبيبتي… خلاص.”
لكن ليلى كانت منهارة.
وفي اللحظة دي… أحمد فهم إن اللي اتكسر جوا بنته مش هيصلحه الوقت بسهولة.
بعد يومين… استدعتهم النيابة.
أحمد كان ماسك إيد ليلى وهو داخل المبنى، والبنت الصغيرة ملزقة فيه كأنها خايفة يختفي.
الضابط اللي كان متابع الق*ضية استقبلهم بهدوء.
لكن ملامحه كانت متعبة جدًا.
قال: “في حاجة لازم تعرفوها.”
أحمد حس قلبه اتقبض. “إيه؟”
الضابط فتح ملف سميك على المكتب.
“هناء كانت بتسجل كل حاجة.”
سمر شهقت. “يعني إيه؟”
طلع صور.
رسومات.
ومذكرات مكتوبة بخط مرتب بشكل مرعب.
وكان في صفحة مكتوب فيها:
“الأطفال بيكدبوا لما يخافوا… لازم نختبرهم علشان يبقوا أقوياء.”
أحمد حس بغثيان.
أما الضابط فكمل: “واضح إنها كانت مقتنعة إنها بتساعدهم.”
سمر همست بصدمة: “دي مجنونة.”
الضابط سكت لحظة. ثم قال: “الأخطر إنها كانت بتراقب الأطفال لفترات طويلة قبل ما تقرب منهم.”
وطلع صورة جديدة.
صورة لليلى وهي خارجة من المدرسة.
سمر بدأت تبكي.
أما أحمد… فإيده اتمسكت بالمكتب بعنف.
الضابط بص لهم بأسف: “هي اختارت ليلى تحديدًا.”
“ليه؟”
السؤال خرج من أحمد بصوت مبحوح.
الضابط رد بهدوء: “لأنها كانت طفلة مؤدبة… وهادية… وبتثق بسرعة.”
الجملة قت*لتهم.
دي الصفات اللي كانوا بيفتخروا بيها في بنتهم.
طلعت هي نفسها السبب اللي خلاها هدف سهل.
في طريق الرجوع… ليلى كانت ساكتة طول الطريق.
وبعدين فجأة سألت: “بابا؟”
“نعم يا حبيبتي؟”
“أنا كنت وحشة علشان طنط هناء عملت كده؟”
العربية كلها سكتت.
أحمد وقف بالعربية فجأة على جنب الطريق.
ولف لبنته بسرعة.
عينيه كانوا مليانين دموع.
“لا.”
قالها بقوة.
“إنتِ أحسن حاجة في حياتي.”
ليلى بلعت ريقها. “بس هي كانت زعلانة مني.”
أحمد قرب منها وباس راسها. “في ناس مرضى يا حبيبتي… يؤذوا غيرهم حتى لو الضحية ملاك.”
وساعتها فقط… بدأت ليلى تعيط بصدق لأول مرة.
مش خوف.
وجع.
وجع طفلة بدأت تفهم إن في ناس سيئين فعلًا.
بعد أسابيع… بدأت جلسات العلاج النفسي.
في البداية كانت ليلى ترفض الكلام.
تقعد ساكتة وترسم بس.
لكن يوم ورا يوم… بدأت تتحسن.
وفي إحدى الجلسات… رسمت نفسها.
واقفة بين أبوها وأمها.
وبعيد عنهم… رسمت هناء داخل مربع أسود كبير.
الأخصائية سألتها: “المربع ده إيه؟”
ليلى ردت بهدوء: “السجن.”
ثم رفعت عينيها الصغيرة وقالت: “هي مش هتعرف تلمسني تاني.”
سمر بكت وقتها من الفرحة.
أما أحمد… فحس إن بنته أخيرًا بدأت ترجع له.
لكن الحياة كانت لسه مخبية صدمة أخيرة.
بعد شهر تقريبًا… الضابط اتصل بأحمد.
صوته كان غريب.
قال: “محتاج أشوفك.”
في القسم… أحمد دخل المكتب وهو متوتر.
الضابط قفل الباب وقال: “هناء طلبت تشوفك.”
أحمد اتجمد. “إيه؟”
“قالت عندها كلام مهم يخص ليلى.”
الغضب انفجر جواه فورًا. “مش عايز أشوفها.”
لكن الضابط قال بهدوء: “إحنا شايفين إنك لازم تسمع.”
بعد ساعة… كان أحمد قاعد قدام هناء في غرفة الزيارة.
أول ما شافها… اتصدم.
كانت مختلفة تمامًا.
شاحبة. مرهقة. وعينيها غريبة.
لكن أول ما شافته… ابتسمت.
الابتسامة نفسها اللي كانت بتخوفه دلوقتي.
قالت بهدوء: “ليلى بقت كويسة؟”
أحمد قرب من الزجاج بعنف. “إنتِ مريضة.”
ضحكت بخفة. “عارفة.”
ثم مالت للأمام وقالت: “بس أنا ماكنتش عايزة أقت*لها.”
أحمد حس الدم بيغلي. “إنتِ حطيتي بطارية في بطن طفلة!”
هناء بصت للأرض للحظة. ثم همست: “كنت بجرب.”
“بتجربي إيه؟!”
رفعت عينيها ببطء.
وفي نظرتها كان في شيء مرعب فعلًا.
“كنت عايزة أعرف مين الأطفال الأقوياء.”
الصمت بعدها كان تقيل بشكل خانق.
أحمد لأول مرة يحس برعب حقيقي من عقل إنسان.
هناء كملت بهدوء: “بنتي ماتت بسهولة.”
ثم ابتسمت ابتسامة مكسورة. “لكن ليلى عاشت.”
أحمد قام وقف فورًا. “إنتِ شيطانة.”
لكن قبل ما يمشي… هناء قالت جملة خلته يتجمد:
“راقب بنتك كويس.”
لف لها بغضب. “تقصد إيه؟”
قالت وهي تبص له بثبات: “الخوف ما بيروحش بسرعة.”
ثم ابتسمت. “أوقات بيكبر مع الطفل.”
في تلك الليلة… أحمد ما قدرش ينام.
فضل قاعد جنب سرير ليلى وهي نايمة.
يفكر.
ويفتكر كل مرة تجاهل فيها خوفها. كل مرة قال: “دي أوهام أطفال.”
وفجأة… ليلى فتحت عينيها.
بصت له بنعاس. “بابا؟”
ابتسم بسرعة. “نعم يا قلب بابا.”
قالت بصوت صغير: “إنت هتفضل هنا؟”
قلبه وجعه.
“آه.”
“للصبح؟”
“للصبح ولآخر العمر.”
ابتسمت أخيرًا.
ثم نامت وهي ماسكة صباعه.
وفي اللحظة دي… أحمد فهم إن النجاة الحقيقية ما كانتش إن بنته خرجت من العمليات.
النجاة الحقيقية… إنها لسه قادرة تثق فيه.
مرت الشهور.
الق*ضية اتقفلت.
وهناء اتحكم عليها بمستشفى للأمراض النفسية تحت حراسة مشددة.
أما ليلى…
فبدأت ترجع طفلة تاني.
ببطء.
ضحكتها رجعت. رسمها رجع. وصوتها بقى أعلى.
وفي يوم… كانت واقفة في البلكونة وقت الغروب، وأحمد جنبها.
بصتله فجأة وقالت: “بابا؟”
“نعم؟”
“أنا كنت خايفة أقولكم.”
قلبه انقبض. “ليه؟”
قالت وهي بتبص للسما: “علشان طنط هناء قالت إن محدش هيصدقني.”
الدموع ملت عيني أحمد فورًا.
ركع قدامها وقال: “اسمعيني كويس يا ليلى…”
رفع وشها الصغير بإيده.
“طول ما أنا عايش… هصدقك حتى لو الدنيا كلها قالت العكس.”
ليلى حضنته فورًا.
أما سمر… فكانت واقفة وراهم تبكي بصمت.
لأنهم كلهم فهموا أخيرًا…
إن أخطر شيء ممكن يحصل لطفل… مش بس الأذى.
لكن إن الطفل يخاف يتكلم.
ومن يومها…
اتغير البيت كله.
بقوا يسمعوا أكتر. يلاحظوا أكتر. ويصدقوا خوف بنتهم حتى لو بان صغير.
لأن وراء كل طفل ساكت…
ممكن يكون في سر مرعب… مستني بس حد يسمعه.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *