زوجي قرة عيني اسما السيد -2
دخلت غرفتي في تلك الليلة وأنا أعرف أنني نطقت أخيرًا بالكلمة التي كنت أهرب منها سنوات
الطلاق
كانت الكلمة ثقيلة لكنها لم تكن مخيفة كما توقعت
الغريب أنها بدت مثل باب مفتوح في آخر ممر طويل خانق
جلست على طرف السرير وأنظاري ثابتة على الدولاب الخشبي الكبير الذي اخترناه معًا يوم فرشنا الشقة
كنت أتذكر يومها كيف كان كريم يمسك يدي في معرض الأثاث ويقول لي
عايز بيتنا يبقى شبهك دافي وهادي
ضحكت وقتها وصدقته
لكن البيت الذي ظننته دافئًا كان طوال الوقت مجرد مسرح يحفظ فيه أدواره بعناية
زوج أمامي
خطيب أمام سارة
وعاشق أمام امرأة ثالثة لا أعرف حتى اسمها
في الصالة كان صوته يعلو وينخفض
مرة يترجاني
ومرة يهددني
ومرة يحاول إقناعي أن كل الرجال يخطئون
لكنني لم أفتح الباب
لأول مرة لم أشعر أن علي أن أرد
لم أشعر أن علي أن أشرح وجعي لشخص صنعه بيده ثم وقف يسألني لماذا أتألم
في الصباح خرجت من الغرفة فوجدته نائمًا على الأريكة بملابسه
وجهه متعب وشعره مبعثر
كان يبدو للحظة مثل رجل منكسر
لكنني لم أعد أنخدع بالمشهد
كم مرة رأيته ضعيفًا فسامحته
كم مرة بكى فقلت لنفسي إنه نادم
كم مرة صدقت أن الحب يحتاج صبرًا
حتى اكتشفت أن صبري لم يكن ينقذ زواجنا بل كان يعطيه وقتًا أطول ليؤذيني
دخلت المطبخ بهدوء وصنعت قهوة لنفسي فقط
استيقظ على صوت الفنجان وهو يرتطم بالصحن
رفع رأسه وقال بصوت مبحوح
نجلاء
لم أنظر إليه
قال
إحنا لازم نهدى
أمسكت الفنجان وقلت
أنا هادية جدًا
اقترب مني ببطء
طيب خلينا نتكلم من غير عصبية
قلت
اتكلم
جلس أمامي كأنه داخل اجتماع عمل
نفس الطريقة التي كان يستخدمها عندما يريد تمرير كذبة منظمة
وقال
أنا عارف إني غلطت بس الطلاق مش حل
ضحكت بهدوء
مش حل لمين
ليّا ولا ليك
تلعثم قليلًا
لينا إحنا الاتنين
قلت
مفيش إحنا الاتنين يا كريم
إحنا انتهت من ساعة ما قررت تعيش حيوات تانية من ورايا
حاول أن يمسك يدي فسحبتها
رأيت الغضب يومض في عينيه للحظة ثم أخفاه بسرعة
قال
إنتي فاكرة الطلاق سهل
أهلك هيقولوا إيه
الناس هتقول إيه
هتعيشي إزاي لوحدك
ابتسمت لأنني فهمت اللعبة
لم يعد يعتذر
بدأ يخوفني
قلت
أهلي هيتكلموا يومين والناس هتنسى بعد أسبوع وأنا هتعلم أعيش لوحدي
لكن العيشة مع كذاب دي اللي مستحيلة
رفع صوته فجأة
أنا كذاب عشان كنت بدور على اهتمام
نظرت إليه بثبات
لا
إنت كذاب لأنك جبان
لو كنت مش عايزني كنت قولت
لو جوازنا انتهى كنت واجهتني
لكن أنت اخترت تخليني زوجة على الورق وخدامة في البيت وستارة محترمة قدام الناس
وقف بعنف حتى تحرك الكرسي للخلف
قال
خدامة
إنتي بتبالغي
نهضت أنا أيضًا
لا مش ببالغ
أنا كنت بغطي عليك وأحمي صورتك وأصدق أعذارك وأستحمل غيابك وأهتم ببيتك وأهلك وأنت كنت بتلبس بدلة العريس مع واحدة تانية
سكت
وكان سكوته هذه المرة ليس ندمًا
كان حسابًا
رأيته يفكر كيف ينجو لا كيف يصلح
قلت
أنا هكلم محامي النهارده
قال بسرعة
محامي
هتكبري الموضوع كده
قلت
الموضوع كبير من قبل ما أعرف
أنا بس أخيرًا شفته بحجمه الحقيقي
أخذ مفاتيحه وخرج وهو يض*رب الباب خلفه
ارتجفت للحظة
ليس خوفًا منه
بل من صوت النهاية حين يتحول من فكرة إلى واقع
بعد خروجه اتصلت بأختي هالة
كانت أكبر مني بخمس سنوات وكانت تعرفني أكثر من الجميع
ما إن سمعت صوتي حتى قالت
مالك يا نوجة
لم أستطع أن أتماسك
قلت لها
كريم طلع متجوزني وخاطب غيري وعايش حياة تانية
ساد صمت طويل
ثم قالت بصوت منخفض
أنا جاية حالًا
خلال نصف ساعة كانت عندي
دخلت الشقة واحتضنتني دون أسئلة
وهذه المرة بكيت بشكل مختلف
لم يكن بكاء صدمة
كان بكاء امرأة أدركت أنها ظلت وحيدة داخل زواج مزدحم بالكذب
جلست هالة أمامي وطلبت أن أحكي من البداية
حكيت لها عن المطعم
عن الطاولة رقم خمسة
عن سارة
عن الصور
عن المرأة الثالثة
عن كلام كريم في الصباح
كانت تستمع ووجهها يزداد صلابة
ثم قالت
هتلمي ورقك كله
قسيمة الجواز
بطاقتك
أي إيصالات أو تحويلات
أي حاجة تثبت فلوسك اللي دخلت البيت
خصوصًا دهبك اللي بعتيه عشانه
نظرت إليها بتعب
مش عايزة حرب
قالت بحزم
وأنا مش بقولك حاربيه
أنا بقولك احمي نفسك
الراجل اللي كذب بالطريقة دي ممكن يعمل أي حاجة عشان يطلع نظيف
كانت على حق
بدأنا نفتش في الأدراج
وجدت إيصالات قديمة لتحويلات بنكية باسمي
صورًا لفواتير أجهزة اشتريتها من مرتبي
رسائل منه يطلب مني فلوسًا وقت أزماته
وإيصال بيع الذهب
كنت قد نسيته تقريبًا
لكن الورقة الصغيرة أعادتني لليلة بعيدة عندما وقف كريم أمامي منكسرًا يقول إن المشروع سيضيع وإنه يحتاج مبلغًا عاجلًا
يومها فتحت علبة ذهبي وأعطيته كل ما أملك
كان يقول
ده دين في رقبتي
هردهولك أول ما أقف على رجلي
ولم يرده أبدًا
قالت هالة وهي تضع الأوراق في ملف
ده مش بس خيانة يا نجلاء
ده استغلال
في المساء اتصلت أمي
كانت قد عرفت من هالة جزءًا من الحكاية
صوتها كان مرتبكًا وخائفًا
قالت
يا بنتي فكري كويس
الطلاق مش سهل
قلت بهدوء
والخيانة سهلة يا ماما
سكتت
ثم قالت
أنا خايفة عليكي من كلام الناس
قلت
وأنا كنت خايفة من كلام الناس لحد ما نسيت أخاف على نفسي
لم تجب
لكنني سمعتها تبكي
وهذه المرة لم أضعف
لم يكن قلبي حجرًا
لكنني كنت أعرف أن شفقتي على خوفهم ستعيدني إلى سجني
بعد يومين قابلت المحامية التي رشحتها هالة
اسمها أستاذة داليا
امرأة في الأربعين بوجه هادئ وعينين لا تفوتهما التفاصيل
استمعت لكل شيء دون أن تقاطعني
ثم قالت
أول حاجة لازم تبطلي أي مواجهة مباشرة معاه من غير شاهد أو تسجيل قانوني حسب المسموح
ثاني حاجة ما تسيبيش البيت لو هو مسكن الزوجية إلا بعد ما نرتب موقفك
ثالث حاجة أي تهديد أو ضغط يتوثق فورًا
هززت رأسي وأنا أشعر أنني أدخل عالمًا جديدًا لا أعرف قوانينه
سألتها بصوت خافت
هو ممكن يأذيني
قالت بصراحة
ممكن يحاول يخوفك أو يشوه صورتك
خصوصًا لو حاسس إنك معاك أدلة
خليكي ثابتة
عندما عدت إلى البيت وجدت كريم ينتظرني
كان قد سبقني إلى الشقة
وعلى الطاولة باقة ورد كبيرة
تلك الحيلة القديمة
الورد بعد الكارثة
العطر بعد الخيانة
الكلمات الناعمة بعد الجرح
قال بابتسامة متعبة
أنا جبتلك الورد اللي بتحبيه
نظرت إلى الباقة ثم إليه
وقلت
أنا بطلت أحب الحاجات اللي بتيجي بعد الإهانة
تغير وجهه
قال
إنتي كنتي فين
قلت
عند محامية
لمعت عيناه بغضب
وقال بحدة
يعني خلاص قررتي تفضحيني
قلت
أنا لا فضحتك ولا هفضحك
أنت اللي عملت كل حاجة بإيدك
أنا بس بحمي نفسي
اقترب خطوة
وقال بصوت منخفض مخيف
خدي بالك يا نجلاء
أنا ممكن أخلي شكلك وحش قدام الكل
رفعت عيني إليه
والكل دول كانوا فين وأنا بتكسر
لم يجب
فقلت
اعمل اللي تعمله
أنا مبقتش أخاف من خسارة ناس ما يعرفوش الحقيقة
في تلك الليلة نام في غرفة الضيوف
وأنا لم أنم
كنت أسمعه يتحرك في الخارج
يفتح أدراجًا
يتحدث في الهاتف بصوت منخفض
يرسل رسائل كثيرة
فهمت أنه بدأ معركته
وفي الصباح وصلتني أول ض*ربة
اتصلت بي حماتي
لم تقل صباح الخير
بدأت بالصراخ
إنتي عايزة تخربي بيتك بإيدك عشان شوية دلع
كريم راجل وبيغلط زي أي راجل
إنتي اللي مكبرة الموضوع
أغمضت عيني وأنا أسمعها
ثم قلت بهدوء
هو قالك إنه خطب واحدة تانية
سكتت ثانية ثم قالت
أكيد كان غضبان منك
ضحكت رغم الألم
خطب واحدة تانية عشان غضبان مني
قالت
الست الشاطرة تحتوي جوزها
قلت
والراجل المحترم ما يحتاجش مراته تحتوي خيانته
أغلقت الهاتف
وبعدها بدقائق بدأت رسائل الأقارب
واحدة تنصحني بالصبر
وأخرى تذكرني بأن العمر يجري
وثالثة تقول إن البيوت أسرار
لم يرسل أحد رسالة واحدة يقول فيها
إنتي كويسة
في منتصف اليوم جاءت رسالة من رقم مجهول
فتحتها فوجدت صورة قديمة لي في حفل عائلي مع تعليق قاس
خلي بالك كريم بيقول إنك مهملة وباردة وهو استحمل كتير
ابتسمت بمرارة
إذن بدأ يلعب دور الضحية
أرسلت الصورة للمحامية
ثم أغلقت الهاتف لساعات
قررت أنني لن أسمح لهم بجرّي إلى وحل التبرير
فالمرأة عندما تُخان يُطلب منها أن تثبت أنها لم تكن سبب الخيانة
كأن الوفاء يحتاج منها شهادة حسن سلوك
بعد أسبوع كان أول لقاء رسمي بيني وبين كريم في مكتب المحامية
جاء ومعه محاميه
كان يرتدي بدلة أنيقة ويضع عطره المفضل
نفس العطر الذي كان يضعه في ليالي كذبه
جلس أمامي وقال بنبرة هادئة مصطنعة
أنا لسه متمسك ببيتي
لم أنظر إليه
قالت أستاذة داليا
موكلتي تطلب الطلاق وتسوية حقوقها المالية
ضحك كريم بسخرية
حقوق مالية
هي أخدت إيه يعني
رفعت وجهي إليه أخيرًا
أخدت عمري وده مش هتعرف ترجعه
لكن الباقي هنتكلم فيه بالأوراق
وضعت المحامية الملف أمام محاميه
إيصالات
تحويلات
ذهب مباع
مساهمات في الشقة
كانت ملامح كريم تتغير صفحة بعد صفحة
لم يتوقع أنني احتفظت بشيء
لأنه اعتاد أن أكون عاطفية لا دقيقة
طيبة لا منتبهة
لكنه نسي أن المرأة التي تسامح كثيرًا ترى كل شيء وتخبئه في قلبها حتى لو لم تخبئه في درج
قال محاميه بعد أن قلب الأوراق
نحتاج وقت للمراجعة
قالت داليا
لديكم أسبوع
خرج كريم خلفي إلى الممر
ناداني
نجلاء
توقفت دون أن ألتفت
قال بصوت منخفض
إنتي كده بتكسري آخر حاجة بينا
استدرت إليه وقلت
آخر حاجة بينا اتكسرت على الطاولة رقم خمسة
تجمد
ثم قال
سارة هي اللي لعبت في دماغك صح
قلت
لا
أفعالك هي اللي عملت كده
غادرت قبل أن يرد
في الأيام التالية بدأت أتعرف على نفسي من جديد
اكتشفت أنني لا أعرف ماذا أحب على العشاء لأنني كنت أطبخ ما يحبه هو
لا أعرف ماذا أشاهد لأن التلفزيون كان دائمًا على اختياراته
لا أعرف كيف أنام في سرير واسع دون أن أنتظر صوت مفتاحه في الباب
كانت الحرية في البداية مربكة
كأنك تخرج من غرفة مظلمة إلى شمس قوية فتؤلمك عيناك قبل أن ترى الطريق
هالة أصرت أن أخرج معها
ذهبنا إلى مقهى صغير على النيل
جلست هناك أراقب الماء وأشعر أن القاهرة نفسها مختلفة
قالت هالة
إنتي مش مكسورة يا نجلاء
إنتي بس لسه بتفوقي
قلت
حاسه إني غبية
قالت بسرعة
لا تقولي كده
اللي يصدق مش غبي
الغبي هو اللي يضيع شخص صدقه
كلماتها ظلت ترن في داخلي طوال الليل
بعد أيام تلقيت اتصالًا من سارة
ترددت قبل أن أجيب
قالت بصوت هادئ
أنا آسفة إني بكلمك بس في حاجة لازم تعرفيها
شعرت بقلبي ينقبض
قالت
كريم بيحاول يرجعلي
بيقولي إنك ابتزيتيه وإن جوازكم كان منتهي وإنك عايزة فلوسه بس
أغمضت عيني
بالطبع
كان يحاول إعادة بناء الكذبة مع نفس الضحية
لكن سارة تابعت
أنا سجلت رسايله وبعتهالك
مش عشان أوجعك
عشان تعرفي هو بيعمل إيه
وصلتني الرسائل بعدها مباشرة
كريم يكتب لها
نجلاء بتحاول تدمرني
أنا عمري ما حبيتها زي ما حبيتك
أنتي الوحيدة اللي فهمتيني
خلينا نبدأ من جديد بعد ما أخلص من الأزمة دي
قرأت الرسائل دون بكاء
الغريب أنها لم تكسرني هذه المرة
بل ثبّتتني
لأنني كلما شككت في قراري أرسل الله لي دليلًا جديدًا أن الرحيل ليس قسوة بل نجاة
أرسلت الرسائل للمحامية
ثم كتبت لسارة
احمي نفسك منه
ردت
وأنتي كمان
بعد أسبوعين بدأت الحقيقة تتسرب رغم أنني لم أتكلم
سارة أخبرت عائلتها
والمرأة الثالثة التي عرفت لاحقًا أن اسمها ميادة اكتشفت أنها لم تكن الوحيدة أيضًا
وفي لحظة تحول كريم من رجل يحاول التحكم في الرواية إلى رجل تطارده رواياته من كل اتجاه
اتصل بي بعد منتصف الليل
لم أكن أنوي الرد لكن شيئًا داخلي أراد أن يسمع نهايته
قال بصوت غاضب
إنتي السبب في كل اللي بيحصلي
قلت
أنا لم أفعل شيئًا
قال
كلهم بعدوا عني
قلت
لأنهم عرفوك
صرخ
إنتي فرحانة فيا
سكت لحظة
كنت أبحث داخلي عن شماتة فلم أجد
وجدت تعبًا فقط
قلت
لا مش فرحانة
أنا بس مبقتش مسؤولة أصلح اللي كسرته
قال بصوت منخفض فجأة
أنا ضايع يا نجلاء
في الماضي كانت هذه الجملة كفيلة بأن تجعلني أركض إليه
لكنني الآن سمعتها كما هي
حبل جديد يريد أن يربطني به
قلت
اطلب مساعدة من حد غيري
ثم أغلقت الهاتف
مرت الأيام ثقيلة لكنها كانت تمضي
وهذا وحده كان معجزة
بدأت أذهب إلى عملي بانتظام
كنت أعمل في شركة دعاية صغيرة لكنني طوال سنوات زواجي كنت أرفض الترقيات والسفر والاجتماعات المتأخرة لأن كريم كان يكره انشغالي
كنت أظنني أحمي بيتي
لكنني كنت أصغر نفسي حتى لا يشعر هو بالنقص
عندما عرض علي مديري إدارة مشروع جديد ترددت
ثم سمعت صوت هالة في رأسي
إنتي بتفوقي
فوافقت
كان المشروع متعبًا
اجتماعات
تصاميم
عملاء صعبون
لكنني لأول مرة منذ سنوات عدت أشعر أن لي عقلًا لا يستخدم فقط لتذكر طلبات البيت
كنت أعود مرهقة لكن فخورة
وفي إحدى الليالي وقفت أمام المرآة طويلًا
رأيت امرأة شاحبة قليلًا
لكن عينيها لم تعودا مطفأتين
قلت لنفسي بصوت خافت
أنا لسه هنا
ثم جاء اليوم الذي حاول فيه كريم آخر محاولة
ظهر أمام مقر عملي
كان يحمل أوراقًا ووجهه متوتر
قال
لازم نتكلم
رفضت
قال بسرعة
أنا موافق أطلقك بس بشرط
ضحكت
حتى الطلاق عايز تبيعهولي بشرط
قال
تتنازلي عن كل حاجة
قلت
لا
قال بغضب
إنتي عايزة تنتقمي
قلت
أنا عايزة حقي
الانتقام كان إني أعمل فيك زي ما عملت فيا
لكن أنا كل اللي بطلبه ورق وعدل
اقترب وقال بصوت خافت
أنا ممكن أقول للناس إنك كنتي السبب
نظرت إليه بثبات
قول
الناس اللي هتصدقك مش خسارة
والناس اللي تعرفني مش محتاجة دفاع
لأول مرة رأيت العجز في وجهه
لم يعد يملك الس*لاح الذي استخدمه سنوات
خوّفني من الوحدة فتصالحت معها
خوّفني من الناس فاكتشفت أنهم ليسوا محكمة
خوّفني من البداية فوجدتها أجمل من نهاية كاذبة
بعد شهرين تم الاتفاق أخيرًا
لم أحصل على كل شيء
لكنني حصلت على ما يكفي لأخرج مرفوعة الرأس
وقبل جلسة التوقيع الأخيرة رأيته واقفًا في الممر
كان يبدو أكبر من عمره
عيناه مرهقتان
قال
نجلاء
التفت إليه
قال
هل في يوم ممكن تسامحيني
نظرت إليه طويلًا
كنت أظن أن هذه اللحظة ستشعل في داخلي خطبة طويلة
لكنني لم أجد إلا جملة واحدة
قلت
يمكن أسامحك يومًا ما
بس مش عشان ترجع
عشان أنا أرتاح
دخلت ووقعت
يدي لم ترتجف
وعندما خرجت من المكتب شعرت بأن الهواء أخف
كأن اسمًا ثقيلًا سقط من فوق صدري
في المساء ذهبت وحدي إلى نفس المطعم
نعم نفس المطعم
طلبت الجلوس قرب النافذة بعيدًا عن الطاولة رقم خمسة
النادل نفسه رآني وتردد قبل أن يقترب
ابتسم بخجل وقال
حضرتك كويسة
نظرت إليه وابتسمت لأول مرة من قلبي
قلت
أحسن من الأول
طلبت عشاءً كاملًا لنفسي
ولم أنتظر أحدًا
لم أفتح هاتفي لأتأكد من رسالة
لم أراقب الباب
لم أخف من كذبة جديدة
أكلت ببطء وأنا أراقب الناس حولي
أزواج
أصدقاء
عائلات
وقصص لا أعرف عنها شيئًا
ثم نظرت ناحية الطاولة رقم خمسة
كانت خالية
للحظة شعرت بوخزة
ثم أدركت أن المكان لم يعد يملك سلطة علي
الطاولة التي كسرتني كانت نفسها التي أنقذتني
لولاها لبقيت سنوات أخرى أصدق رسالة تقول أنا عالق في العمل
خرجت من المطعم بعد منتصف الليل
كان الهواء باردًا والشارع مضاءً
رفعت وجهي للسماء وشعرت أنني لا أبدأ من الصفر كما كنت أظن
بل أبدأ من الخبرة
من الوعي
من قلب انكسر لكنه لم يمت
وفي تلك اللحظة وصلتني رسالة من هالة
عاملة إيه
كتبت لها
بتعشى مع نفسي
ردت بسرعة
وأخبار الصحبة
ابتسمت وأنا أكتب
أحسن صحبة طلعت أنا
وضعت الهاتف في حقيبتي ومشيت
خطواتي كانت هادئة
لا تشبه خطوات المرأة التي خرجت من المطعم أول مرة وهي ترتجف
هذه المرة كنت أمشي كمن عاد إلى نفسه بعد غياب طويل
ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني غدًا
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا
لن أقبل بعد اليوم أن أكون خيارًا مؤجلًا في حياة أحد
لن أكون بيتًا يعود إليه رجل بعدما ينتهي من كذبه
ولن أعتذر أبدًا عن اختياري لنفسي
لأن نجلاء التي جلست يومًا على طاولة قريبة من المدخل تنتظر زوجًا كاذبًا
ماتت هناك بصمت
أما التي خرجت بعد كل تلك العاصفة
فكانت امرأة جديدة
امرأة تعلمت أن الكرامة لا تصرخ دائمًا
أحيانًا تنهض فقط
تلم أوراقها
تغلق الباب
وتمشي دون أن تنظر
تمت
