دفعني عريسي حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السادس: التهمة التي لم يتوقعها أحد
“معانا أمر ضبط وإحضار.”
كان كريم واقف كأنه اتحول لتمثال.
أما أمه…
فكانت بتبكي.
“ابني معملش حاجة.”
الضابط فتح الملف.
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
وقال:
“أنت متهم بالتسبب في وفاة شخص وإخفاء أدلة القضية.”
الصمت نزل على المكان كالصاعقة.
حتى أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
“وفاة مين؟”
خرج السؤال من فمي تلقائياً.
الضابط بص ناحيتي.
ثم قال:
“المهندس شريف منصور.”
الاسم نزل على كريم كالرصاصة.
لدرجة إن رجليه خانته.
واتراجع خطوة للخلف.
وهنا…
عرفت إنه يعرفه.
بل ويعرف أكثر مما يقول.
الزوجة الأولى شهقت.
وأبوه مسك رأسه بصدمة.
أما الضابط فأكمل:
“القضية اتقفلت من أربع سنين باعتبارها حادث سيارة.”
ثم فتح الملف.
وأخرج صورة.
“لكن ظهرت أدلة جديدة.”
رفع الصورة أمام الجميع.
وكان فيها سيارة محطمة بالكامل.
وسيارة أخرى خلفها مباشرة.
سيارة سوداء.
نفس موديل السيارة اللي كان كريم يملكها وقتها.
وشعرت أن كل الموجودين بدأوا يربطوا الخيوط.
لكن المصيبة الحقيقية جاءت بعدها.
لأن الضابط أخرج فلاشة أخرى.
وقال:
“وصلتنا قبل أسبوع.”
ثم أشار للشاشة.
وبدأ الفيديو.
ظهر موقف سيارات ليلي.
كاميرا مراقبة قديمة.
الصورة مشوشة.
لكن الوجوه واضحة.
ظهر شريف منصور.
ثم ظهر كريم.
الاثنان كانا يتشاجران بعنف.
شريف كان يصرخ.
ويشير بأوراق في يده.
ثم فجأة…
أخذ كريم الأوراق منه بالقوة.
ودفعه.
دفعه بعنف شديد.
وقع شريف على الأرض.
ثم نهض وهو غاضب.
وركب سيارته.
أما كريم فركب خلفه مباشرة.
وانتهى التسجيل.
لكن الرسالة كانت واضحة.
كان آخر شخص رآه حياً.
في تلك اللحظة…
انفجرت أمه بالبكاء.
“قولهم إن ده مش حقيقي.”
لكن كريم ظل صامتاً.
صامتاً بشكل مرعب.
ثم رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى الضابط.
وقال:
“أنا ما قتلتوش.”
الضابط عقد ذراعيه.
“إذن احكي.”
سكت كريم عدة ثوانٍ.
ثم قال:
“لأن اللي قتله… مش أنا.”
الجميع تجمد.
أما أنا…
فشعرت أن هناك مفاجأة جديدة قادمة.
وكأن الكابوس لم يكتفِ بعد.
ثم رفع كريم إصبعه المرتجف.
وأشار إلى شخص كان واقفاً وسط المعازيم منذ بداية الليلة.
شخص لم ينتبه له أحد.
رجل أنيق.
هادئ.
يجلس في الخلف.
وكان طوال الوقت يراقب ما يحدث بصمت.
“هو.”
كل الأنظار اتجهت نحوه.
الرجل تجمد مكانه.
أما الضابط فالتفت إليه بسرعة.
وقال:
“مين ده؟”
تنفس كريم بصعوبة.
ثم نطق اسماً جعل الزوجة الأولى تصرخ من الرعب:
“محمود الشرقاوي.”
وفجأة…
حاول الرجل الهروب.
يتبع…الفصل السابع: الرجل الذي حاول الهرب
“امسكوه!”
صرخة الضابط دوّت في أرجاء الفيلا.
في نفس اللحظة…
اندفع محمود الشرقاوي ناحية البوابة الخلفية بأقصى سرعة.
المعازيم اتفرقوا في كل اتجاه.
والكراسي اتقلبت.
والفوضى انفجرت في المكان.
لكن محمود كان سريع.
سريع بشكل يخلي أي حد يشك إنه كان مستعد للحظة دي من البداية.
جري وسط الجنينة.
وقفز فوق سور قصير.
ثم وصل لموقف السيارات.
لكن قبل ما يركب عربيته…
كان اتنين من رجال الشرطة سبقوه.
حاول يقاوم.
حاول يضربهم.
لكن بعد ثواني قليلة…
كان متكتف بالأغلال.
ورجعوه قدام الجميع.
وهو يصرخ:
“أنا معملتش حاجة!”
لكن الضابط لم يبدُ مقتنعاً.
اقترب منه.
وقال بهدوء:
“يبقى معندكش مشكلة نفتح الملفات القديمة.”
في اللحظة دي…
تغير لون وجه محمود بالكامل.
—
داخل الفيلا…
كان كريم جالساً على كرسي.
مصدوماً.
منهاراً.
كأنه نسي تماماً إن دي كانت ليلة زفافه.
الضابط عاد إليه.
“احكي من الأول.”
تنفس كريم بصعوبة.
ثم قال:
“من أربع سنين كنت شريك مع شريف منصور.”
الصمت سيطر على المكان.
“كان عندنا مشروع عقاري ضخم.”
“وبعدين؟”
“اكتشف إن محمود بيسرق ملايين.”
محمود صرخ فوراً:
“كداب!”
لكن كريم أكمل.
“شريف كان ناوي يبلغ.”
أخرج الضابط دفتراً صغيراً.
وبدأ يدون.
أما كريم فأكمل:
“قبل الحادث بيومين اتخانقنا.”
“ليه؟”
“لأنه افتكر إني متورط مع محمود.”
أنا عقدت حاجبي.
“وكنت متورط؟”
سكت.
ثم قال:
“في البداية… أيوة.”
شهقات خرجت من كل مكان.
وأمه أغمضت عينيها.
أما هو فتابع:
“كنت باخد نسبة وساكت.”
العار كان واضحاً على وجهه.
“لكن لما عرفت حجم السرقة… حاولت أرجع.”
الضابط رفع رأسه.
“وشريف؟”
“كان خلاص جمع الأدلة.”
ثم أشار ناحية محمود.
“وهو عرف.”
كل الأنظار اتجهت ناحية محمود.
لكن الرجل ظل صامتاً.
صامتاً بشكل مخيف.
—
وفجأة…
خرج صوت من وسط المعازيم.
“أنا عندي دليل.”
الجميع التفت.
وكان المتحدث رجل عجوز في أواخر الستينات.
واقف في الصفوف الخلفية.
لم ينتبه له أحد طوال الحفل.
لكن أول ما شافه محمود…
اتسعت عيناه من الرعب.
“إنت!”
العجوز اقترب ببطء.
ثم قال:
“فاكرني؟”
محمود تراجع خطوة.
أما العجوز فأخرج ظرفاً قديماً من جيبه.
وقال:
“أنا الحارس اللي كان شغال في الجراج ليلة الحادث.”
شهقت أنا.
والضابط اقترب فوراً.
العجوز فتح الظرف.
وأخرج فلاشة قديمة جداً.
“الكاميرا كانت خربانة.”
سكت.
ثم ابتسم.
“أو ده اللي محمود افتكره.”
ابتلع محمود ريقه.
أما العجوز فأكمل:
“لكن كان فيه كاميرا احتياطية.”
وفي اللحظة دي…
عرف محمود إن كل شيء انتهى.
لكن قبل أن يتكلم أحد…
ضحك محمود فجأة.
ضحكة غريبة.
مرعبة.
ثم رفع رأسه.
ونظر مباشرة إلى كريم.
وقال جملة جعلت الجميع يتجمدون:
“قولهم مين اللي كان معايا تلك الليلة.”
صمت كريم.
ثم شحب وجهه فجأة.
لأن محمود لم يكن يهدده وحده…
بل كان يكشف سراً أخفاه كريم عن الجميع.
سراً لو خرج للنور…
لن يدمر كريم فقط.
بل سيدمر شخصاً آخر موجوداً في الحفل نفسه.
يتبع…
الفصل الأخير: الحقيقة التي دفنت الجميع
“قولهم مين اللي كان معايا تلك الليلة.”
صوت محمود خرج بارداً.
هادئاً.
لكن أثره كان أشبه بالقنبلة.
كل العيون اتجهت إلى كريم.
أما كريم…
فكان واقفاً كأنه اختنق.
أمه كانت تبكي.
وأبوه يجلس منهاراً على الكرسي.
وأنا أنظر إليه منتظرة الإجابة.
لكن الصمت طال.
طال جداً.
حتى قال الضابط بحدة:
“اتكلم.”
أغلق كريم عينيه.
ثم فتحهما ببطء.
وقال:
“كان فيه شخص تالت.”
شهقات خرجت من كل مكان.
محمود ابتسم.
أما كريم فأكمل:
“لكن الشخص ده مالوش ذنب.”
“مين؟”
سكت ثانية.
ثم التفت ناحية الصفوف الخلفية.
وهناك…
كانت تقف امرأة أنيقة.
هادئة.
لم تتكلم طوال الليل.
كانت والدة كريم.
وفجأة…
شحب وجهها.
أما أنا فشعرت بقلبي يتوقف.
كريم همس:
“أمي.”
الصمت انفجر.
“إيه؟!”
صرخت أمه.
لكن كريم أكمل.
“كانت موجودة.”
الدموع بدأت تنزل من عينيها.
أما محمود فضحك.
ضحكة المنتصر.
وقال:
“أخيراً.”
لكن ما لم يتوقعه أحد…
أن والدة كريم رفعت رأسها فجأة.
وقالت:
“أيوة.”
سقطت الكلمات كالصاعقة.
وأكملت:
“كنت هناك.”
الضابط اقترب.
“احكي كل حاجة.”
جلست السيدة على الكرسي.
كأن حملاً عمره سنوات انزاح عن كتفيها.
ثم بدأت تتكلم.
—
قبل أربع سنوات…
اكتشف شريف منصور شبكة اختلاسات ضخمة.
وكان مصمماً على فضح الجميع.
محمود.
وكريم.
وأي شخص شارك أو سكت.
في تلك الليلة…
اجتمعوا في الجراج.
المشادة تحولت إلى صراخ.
ثم إلى تهديدات.
وشريف قرر المغادرة.
ركب سيارته.
وغادر.
لكن محمود لم يتركه.
لحقه بسيارته.
وفي الطريق…
تعمد الاصطدام به.
لتنحرف السيارة وتسقط.
ويموت شريف.
أما كريم…
فلم يكن القاتل.
لكنه كان جباناً.
عرف الحقيقة.
وسكت.
خاف على نفسه.
وخاف على سمعته.
وخاف من السجن.
فدفن الحقيقة.
أربع سنوات كاملة.
—
الصمت كان قاتلاً.
الكل ينظر إلى كريم.
أما محمود…
فكان يصرخ:
“كلنا مذنبين!”
لكن الضابط أشار للشرطة.
فأخذوه بعيداً.
وهو يقاوم ويصرخ.
انتهى الأمر بالنسبة له.
لكن بالنسبة لكريم…
كانت المحاكمة الحقيقية تبدأ الآن.
محاكمة الضمير.
—
بعد رحيل الشرطة…
لم يبق في الفيلا إلا أفراد العائلة وبعض المقربين.
الحفل انتهى.
الزينة ما زالت معلقة.
الورود موجودة.
لكن لا عريس.
ولا عروس.
ولا فرح.
وقفت أمام كريم.
لأول مرة منذ عرفته.
ورأيته كما هو.
بلا أقنعة.
بلا كذب.
بلا تمثيل.
قال بصوت مكسور:
“أنا استاهل كل اللي حصل.”
لم أرد.
“أنا خيبت ظنك.”
ظللت صامتة.
ثم أخرجت خاتم الزواج من حقيبتي.
ووضعته فوق الطاولة بيننا.
“كان ممكن أسامح الكذب.”
رفع عينيه.
“وكان ممكن أسامح الطمع.”
دموعه نزلت.
أما أنا فأكملت:
“لكن عمري ما أقدر أعيش مع راجل شاف الحقيقة وسكت.”
انخفض رأسه.
وعرف أن كل شيء انتهى.
حقاً انتهى.
—
بعد سنة…
كانت حياتي مختلفة تماماً.
عدت إلى عملي.
وأكملت مشروعي الخاص.
وأبي استعاد صحته.
أما أنا…
فتعلمت درساً لن أنساه أبداً.
ليس أخطر شخص في حياتك هو من يكرهك.
بل من يستطيع أن يرى الخطأ…
ويختار الصمت.
وفي مساء هادئ…
كنت أجلس مع أبي في شرفة المنزل.
أنظر إلى الغروب.
فابتسم وقال:
“زعلانة إن الفرح باظ؟”
ضحكت لأول مرة وأنا أتذكر تلك الليلة.
ثم هززت رأسي.
“لا.”
“ليه؟”
نظرت إلى السماء.
وقلت بهدوء:
“لأن الليلة دي ما ضيعتش حياتي…”
سكتُّ لحظة.
ثم ابتسمت.
“الليلة دي أنقذتها.”
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *