طفله صغيره حكايات اسما
وجدتُ طفلة رضيعة ملفوفة في جاكيت ابنتي المفقودة على عتبة منزلي… لكن الرسالة المرعبة التي سحبتها من الجيب جعلت يداي ترتجفان.
اختفت ابنتي “جينيفر” منذ خمس سنوات.
كان عمرها ستة عشر عامًا.في لحظة كانت هنا… وفي اللحظة التالية اختفت.الشرطة بحثت عنها.
الجيران ساعدوا.صورتها كانت في كل مكان — في إعلانات الراديو، وعلى مواقع التواصل، وفي المنشورات المعلقة عند كل زاوية.
لا شيء.لا مكالمات.لا أدلة.لا إجابات.لم أعد أعرف كيف أعيش بعد ذلك.زوجي ألقى اللوم عليّ.قال إنه كان يجب أن أعرف.أن ألاحظ شيئًا.وأن اختفاءها وربما موتها كان خطئي أنا.ولم نعرف أبدًا الحقيقة.
وفي السنة الثالثة… تركني من أجل امرأة تعرّف عليها في حانة، وكأن حياتنا لم تتحطم يومًا.
لكننا ما زلنا متزوجين رسميًا حتى الآن… ولا أعرف حتى لماذا.كانت جينيفر نور حياتنا.
ومنذ اختفائها، أصبح المنزل صامتًا بشكل مخيف.
صامتًا أكثر مما يحتمل القلب.إلى أن جاء ذلك الصباح.
فتحت باب المنزل دون أن أتوقع شيئًا… ثم تجمدت مكاني.
كانت هناك رضيعة على عتبة الباب.
طفلة صغيرة جدًا، موضوعة داخل سلة تسوق بلاستيكية تشبه تلك التي تُستخدم في المتاجر.
وكانت ملفوفة بإحكام… في جاكيت عرفته فورًا.
جاكيت ابنتي.
شعرت أن ساقي لم تعودا قادرتين على حملي.
حملت السلة إلى الداخل دون تفكير.الدموع شوشت رؤيتي.كانت الطفلة صغيرة للغاية… وهادئة.تحدق بي بعينين واسعتين ثابتتين.لا تبكي.لا تتحرك.فقط… تراقبني.
مددت يدي ولمست الجاكيت بالكاد وأنا أتنفس.
ثم بدأت أفتش الجيوب بشكل غريزي… وكأنني أبحث عن دليل يثبت أنني لم أفقد عقلي.وعندها وجدتها.
ورقة مطوية.سحبتها وفتحتها.ومع انتقال عينيّ فوق الكلمات…بدأت يداي ترتجفان….
وجدتُ طفلة رضيعة ملفوفة في جاكيت ابنتي المفقودة على عتبة منزلي… لكن الرسالة المرعبة التي سحبتها من الجيب جعلت يداي ترتجفان.
اختفت ابنتي “جنى” منذ خمس سنوات.
كان عمرها ستة عشر عامًا.
في لحظة كانت هنا… وفي اللحظة التالية اختفت.
الشرطة بحثت عنها.
الجيران ساعدوا.
صورتها كانت في كل مكان — في إعلانات الراديو، وعلى مواقع التواصل، وفي المنشورات المعلقة عند كل زاوية.
لا شيء.
لا مكالمات.
لا أدلة.
لا إجابات.
لم أعد أعرف كيف أعيش بعد ذلك.
زوجي ألقى اللوم عليّ.
قال إنه كان يجب أن أعرف.
أن ألاحظ شيئًا.
وأن اختفاءها… وربما موتها… كان خطئي أنا.
ولم نعرف أبدًا الحقيقة.
وفي السنة الثالثة… تركني من أجل امرأة تعرّف عليها في مقهى، وكأن حياتنا لم تتحطم يومًا.
لكننا ما زلنا متزوجين رسميًا حتى الآن… ولا أعرف حتى لماذا.
كانت جنى نور حياتنا.
ومنذ اختفائها، أصبح المنزل صامتًا بشكل مخيف.
صامتًا أكثر مما يحتمل القلب.
إلى أن جاء ذلك الصباح.
فتحت باب المنزل دون أن أتوقع شيئًا… ثم تجمدت مكاني.
كانت هناك رضيعة على عتبة الباب.
طفلة صغيرة جدًا، موضوعة داخل سلة تسوق بلاستيكية.
وكانت ملفوفة بإحكام… في جاكيت عرفته فورًا.
جاكيت ابنتي.
شعرت أن ساقي لم تعودا قادرتين على حملي.
حملت السلة إلى الداخل دون تفكير.
الدموع شوشت رؤيتي.
كانت الطفلة صغيرة للغاية… وهادئة.
تحدق بي بعينين واسعتين ثابتتين.
لا تبكي.
لا تتحرك.
فقط… تراقبني.
مددت يدي ولمست الجاكيت بالكاد وأنا أتنفس.
ثم بدأت أفتش الجيوب بشكل غريزي… وكأنني أبحث عن دليل يثبت أنني لم أفقد عقلي.
وعندها وجدتها.
ورقة مطوية.
سحبتها وفتحتها.
ومع انتقال عينيّ فوق الكلمات…
بدأت يداي ترتجفان.
“لو وصلتك الطفلة دي… يبقى أنا غالبًا متُّ.
ومتثقيش في أبوها.
هو السبب في كل اللي حصل.”
وقعت الورقة من يدي.
شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.
أبوها؟
هل كانت جنى حاملًا قبل اختفائها؟
وكيف؟
ومن هو الرجل الذي تتحدث عنه؟
جلست على الأرض وأنا أضم الرضيعة إلى صدري.
الطفلة كانت دافئة.
حقيقية.
ولأول مرة منذ خمس سنوات… شعرت أن جزءًا من جنى عاد إليّ.
لكن الخوف كان أقوى من أي شيء.
رفعت الورقة مجددًا.
كانت هناك جملة أخرى مكتوبة أسفل الرسالة بخط مهتز:
“لو قرأتي الرسالة… اهربي قبل ما يعرف إنها عندك.”
في تلك اللحظة تمامًا…
سمعت صوت سيارة تقف أمام المنزل.
تجمّد الدم في عروقي.
اقتربت من النافذة ببطء شديد.
وكان هو.
طارق.
زوجي السابق.
نزل من السيارة وهو ينظر حوله بعصبية.
ثم اتجه نحو الباب بسرعة.
دقات قوية هزّت المنزل.
“افتحي يا نادية!”
صوته وحده أعاد إليّ كل الرعب القديم.
كنت دائمًا أظنه قاسيًا فقط.
لكن فجأة…
بدأت أتساءل إن كنت عشت مع وحش دون أن أدرك.
أخفيت الرسالة داخل ملابسي بسرعة.
ثم حملت الطفلة ودخلت المطبخ قبل أن أفتح الباب.
حين دخل، كانت عيناه تتحركان بجنون داخل المكان.
ثم توقف نظره على الجاكيت.
وشحب وجهه فورًا.
“منين جبتي ده؟!”
كانت تلك أول مرة أراه خائفًا.
خائفًا فعلًا.
ضممت الطفلة أكثر إلى صدري وقلت بصوت مرتجف:
“لقيتها قدام الباب.”
اقترب خطوة.
ثم خطوة أخرى.
وعيناه لم تتركا الطفلة لحظة.
“هاتيهالي.”
قالها بسرعة جعلت قلبي ينتفض.
تراجعت فورًا.
“مين دي يا طارق؟”
مرر يده فوق وجهه بعنف.
ثم قال بصوت منخفض:
“إنتِ مش فاهمة حاجة.”
“يبقى فهمني!”
صرخت فيها لأول مرة منذ سنوات.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال شيئًا جعل الأرض تميد بي.
“دي بنت جنى.”
شعرت وكأن قلبي توقف.
نظرت إلى الطفلة مرة أخرى.
إلى عينيها.
إلى خصلات شعرها السوداء الخفيفة.
وكانت تشبه جنى فعلًا.
يا الله…
كانت لديّ حفيدة طوال هذا الوقت دون أن أعرف.
بدأ البكاء يخنقني.
لكن شيئًا آخر كان ينهش داخلي.
الغضب.
“فين جنى؟!”
صمت.
وعندما صمت طارق… عرفت أن هناك شيئًا أسوأ من الموت.
اقترب مني وهمس:
“لازم تديها لي دلوقتي.”
“ليه؟”
“علشان لو الناس اللي ورا الموضوع عرفوا إنها هنا… هيقتلوها.”
الهواء اختفى من حولي.
“ناس مين؟!”
لكنه لم يجب.
وفجأة…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة فتغير وجهه بالكامل.
ثم أغلق المكالمة بسرعة.
لكنني لمحته.
اسم المتصل كان:
“أبو يوسف”
وفور رؤيتي للاسم…
تذكرت.
قبل اختفاء جنى بشهور، سمعتها تبكي في غرفتها وهي تقول في الهاتف:
“أنا مش هقدر أهرب منه.”
وحين سألتها وقتها…
قالت إنني أتخيل.
طارق بدأ يتحرك بتوتر.
فتح الستارة قليلًا ونظر إلى الخارج.
ثم التفت نحوي فجأة.
“اسمعيني كويس… لازم نمشي حالًا.”
لكن قبل أن يتحرك…
توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
ثم نزل منها رجل ضخم يرتدي جلبابًا داكنًا.
وخلفه رجلان آخران.
ارتجفت يدا طارق.
نعم.
طارق نفسه كان خائفًا منهم.
وهنا فقط…
أدركت حجم الكارثة.
أطفأت الأنوار بسرعة.
وحملت الطفلة بينما جذبني طارق نحو باب المطبخ الخلفي.
“يلا بسرعة.”
خرجنا إلى الحديقة الخلفية بينما كانت دقات الباب الأمامي تهز المنزل بعنف.
ثم جاء صوت رجل خشن:
“إحنا عارفين إن البنت هنا!”
ركضت وأنا ألهث.
الطفلة بدأت تبكي أخيرًا.
صوت بكائها مزق قلبي.
طارق فتح باب سيارته الخلفي بعصبية.
ركبت وأنا أرتجف.
وانطلقت السيارة بسرعة جنونية.
كنت أضم الطفلة بقوة بينما ألتفت خلفي.
السيارة السوداء بدأت تطاردنا بالفعل.
صرخت:
“قولّي الحقيقة يا طارق!”
قبض على المقود بقوة.
ثم قال أخيرًا:
“جنى كانت شاهدة على شغلهم.”
“شغل إيه؟”
“تجارة أطفال.”
كدت أتقيأ من الصدمة.
“إنت كنت معاهم؟!”
ضرب المقود بعنف.
“في الأول… أيوه.”
شهقت وكأن سكينًا اخترقت صدري.
كنت متزوجة رجلًا يبيع الأطفال؟
يا الله…
كيف لم أرَ ذلك؟
تابع بصوت مكسور:
“لكن لما اكتشفت إنهم عايزين يدخلوا جنى في الموضوع… حاولت أهربها.”
الدموع امتلأت عينيه لأول مرة.
“بس كانوا أسرع مني.”
السيارة خلفنا اقتربت أكثر.
وفجأة…
اصطدمت بنا من الخلف.
صرخت بقوة وأنا أحمي الطفلة بجسدي.
طارق حاول السيطرة على السيارة بصعوبة.
ثم انعطف داخل شارع ضيق.
كان يتنفس بعنف.
“جنى هربت منهم وهي حامل.”
نظرت إليه بصدمة.
“يعني… هي عايشة؟!”
صمت لثوانٍ.
ثم قال:
“آخر مرة شفتها من سنة.”
اختنق صوتي.
“وسبتها؟!”
“كانت بتهرب بالبنت… وقالتلي لو حصلها حاجة أوصل الطفلة ليكي.”
بدأت أبكي بلا توقف.
خمس سنوات…
خمس سنوات وأنا أعيش داخل قبر.
بينما ابنتي كانت تهرب طوال هذا الوقت.
وفجأة…
دوّى صوت طلقة.
تهشم الزجاج الخلفي.
صرخت.
الطفلة بكت بقوة.
طارق ضغط على البنزين بأقصى سرعة.
ثم دخل طريقًا ترابيًا مظلمًا خارج المدينة.
“هنروح لمكان محدش يعرفه.”
كنت أرتجف بالكامل.
لكنني نظرت إلى الصغيرة.
ورغم الخوف…
شعرت بشيء آخر.
إحساس غريب يشبه الأمل.
بعد ساعات طويلة توقفنا أمام بيت قديم مهجور قرب الأراضي الزراعية.
نزل طارق أولًا.
ثم ساعدني على النزول.
دخلنا المنزل بصعوبة.
كان مليئًا بالغبار.
لكن بدا واضحًا أنه استُخدم مؤخرًا.
وفجأة…
رأيت شيئًا فوق الطاولة.
صورة.
التقطتها بيد مرتجفة.
وكانت لجنى.
أحدث بكثير من صورها القديمة.
كانت أنحف.
متعبة.
لكنها حية.
حية.
انهرت باكية.
ثم لاحظت ورقة خلف الصورة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوبًا:
“ماما… لو وصلتي لهنا يبقى بابا قدر يوصلك.
أنا آسفة إني اختفيت.
بس كنت بحاول أحمي بنتي.
الناس دول مش هيسيبونا أبدًا.”
كانت الرسالة حديثة.
حديثة جدًا.
هذا يعني…
أنها ربما كانت قريبة.
قريبة للغاية.
سمعنا فجأة صوت حركة بالخارج.
تجمدنا.
أطفأ طارق المصباح بسرعة.
ثم سحبني نحو الحائط.
خطوات.
شخص يقترب من المنزل.
ثم…
طرقات خفيفة على الباب.
تبادلنا النظرات.
وقبل أن يتحرك طارق…
جاء صوت أنثوي ضعيف من الخارج:
“ماما…”
شهقت بقوة.
لا.
مستحيل.
لكن الصوت جاء مرة أخرى.
“ماما… افتحي.”
ركضت نحو الباب دون تفكير.
وفتحته.
وكانت جنى.
أضعف مما أتذكر.
شاحبة.
مرهقة.
وجسدها مليء بالكدمات القديمة.
لكنها كانت جنى.
ابنتي.
سقطت بين ذراعيّ وأنا أبكي بشكل هستيري.
أما هي…
فكانت تنظر إلى الطفلة فقط.
ثم همست وهي تبكي:
“دي بنتي…”
وضعتها بين ذراعيها.
والطفلة الصغيرة توقفت عن البكاء فورًا.
كأنها عرفت أمها.
بكينا جميعًا تلك الليلة.
لكن الراحة لم تدم طويلًا.
لأن جنى رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت مرتعب:
“هما عرفوا مكاني.”
وفي الخارج…
ظهرت أضواء سيارات تقترب ببطء من البيت القديم.
يتبع…
طفله صغيره حكايات اسما
أضواء السيارات كانت تقترب ببطء وسط الظلام، وكأن الليل نفسه يسحب أنفاسه خوفًا.
جنى ضمّت طفلتها بقوة إلى صدرها، ووشها فقد آخر ذرة لون فيه.
أما أنا… فكنت ما زلت غير قادرة أصدق إنها أمامي فعلًا.
خمس سنين من الحزن والبكاء والانتظار…
ثم تعود فجأة، وفي حضنها طفلة، وخلفها رجال مستعدين يقتلوا أي حد يوصلوا له.
طارق أبعد الستارة بحذر ونظر للخارج.
ثم التفت بسرعة وقال بصوت حاسم:
“هما خمسة.”
شهقت بخوف.
“هنعمل إيه؟”
جنى مسحت دموعها بسرعة، وكأنها أُجبرت تكبر عشرين سنة في خمس سنين فقط.
وقالت:
“لو مسكونا… مش هيسيبونا عايشين.”
ثم نظرت لطارق بكره واضح.
“خصوصًا إنت.”
خفض عينيه للحظة.
وكان واضح إنه يحمل ذنبًا أثقل من أي شيء.
فجأة دوّى صوت باب سيارة يُغلق بقوة.
ثم صوت خطوات فوق التراب.
الرجال وصلوا.
طارق فتح درجًا قديمًا في المطبخ وأخرج مسدسًا صغيرًا.
تراجعت للخلف بصدمة.
لكنه قال بسرعة:
“أنا مش ناوي أرجعهم ياخدوها.”
جنى احتضنت ابنتها أكثر.
والطفلة الصغيرة بدأت تبكي من جديد، كأنها تشعر بالرعب المحيط بنا.
ثم جاء صوت الرجل نفسه الذي سمعته أمام منزلي.
صوت “أبو يوسف”.
“عارف إنكم جوه… والموضوع هيبقى أسهل لو خرجتوا بهدوء.”
جسمي كله ارتجف.
لكن جنى اقتربت مني فجأة وأمسكت يدي.
“ماما… لو حصل أي حاجة، خدي ليان واهربي.”
نظرت لها بصدمة.
“إنتِ بتقولي إيه؟!”
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
“أنا تعبت.”
“لا!”
صرخت فيها بعنف.
“مش هرجع أخسرك تاني!”
الدموع نزلت من عينيها.
ثم همست:
“أنا كنت خايفة ترجعي تكرهيني.”
احتضنت وجهها بين يدي.
“إنتِ بنتي… حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدك.”
انفجرت بالبكاء.
وفي نفس اللحظة…
تحطم زجاج النافذة فجأة.
صرخت بقوة بينما اندفع الرجال إلى الداخل.
طارق أطلق النار فورًا.
دوّى الصوت داخل البيت كالرعد.
أحد الرجال سقط على الأرض.
لكن البقية اندفعوا نحونا بعنف.
كل شيء تحول إلى فوضى.
صراخ.
زجاج.
بكاء الطفلة.
ورائحة بارود تخنق الأنفاس.
رأيت رجلًا ضخمًا يندفع نحو جنى.
فصرخت وحاولت جذبه بعيدًا عنها.
دفعني بقوة حتى ارتطم جسدي بالحائط.
شعرت بألم حاد في كتفي.
ثم سمعت جنى تصرخ:
“مامااا!”
رفعت رأسي بصعوبة.
وكان الرجل يحاول انتزاع الطفلة من ذراعيها.
لكن جنى قاومت بجنون.
كأنها تحارب العالم كله.
طارق اندفع نحو الرجل واشتبك معه بعنف.
ثم دوّى صوت طلقة أخرى.
توقف الجميع للحظة.
ونظرت…
لأجد طارق واقفًا مكانه بصعوبة.
والدم ينتشر فوق قميصه.
اتسعت عيناي برعب.
الرجل الآخر هرب للخارج بسرعة وهو يصرخ:
“الشرطة جاية!”
وفي ثوانٍ…
اختفت السيارات السوداء وسط الظلام.
أما طارق…
فسقط على ركبتيه ببطء.
ركضت نحوه أنا وجنى.
كان يتنفس بصعوبة.
والدم يغطي يديه.
جنى بدأت تبكي بانهيار.
“بابا…”
رفع عينيه إليها لأول مرة منذ سنوات دون غضب أو قسوة.
فقط… ندم.
ندم مرعب.
قال بصوت متقطع:
“أنا آسف.”
جنى أمسكت يده وهي تبكي.
“ليه عملت فينا كده؟”
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
“كنت فاكر الفلوس هتحل كل حاجة… وبعدين لقيت نفسي غرقت.”
سعل بقوة.
والدم خرج من فمه.
صرخت:
“لازم إسعاف!”
لكنه أمسك يدي فجأة.
بقوة مفاجئة.
“اسمعيني يا نادية…”
اقتربت منه وأنا أبكي.
“في مخزن… على طريق إسكندرية الصحراوي… كل الملفات هناك.”
نظر إلى جنى.
“خديهم للشرطة… خلّصوا كل ده.”
ثم التفت نحو الطفلة الصغيرة.
كانت ليان تبكي بهدوء بين ذراعي أمها.
وابتسم لأول مرة منذ سنوات.
ابتسامة حزينة جدًا.
“دي فرصتنا نصلّح اللي اتكسر.”
وبعدها…
ارتخت يده فجأة.
وتوقفت أنفاسه.
صرخت جنى صرخة مزقت قلبي.
أما أنا…
فجلست بجواره أبكي رغم كل شيء.
لأن الإنسان أحيانًا يكره شخصًا… لكنه لا ينسى أنه كان يومًا جزءًا من عمره.
وصلت الشرطة بعد دقائق.
وهذه المرة…
كان كل شيء مختلفًا.
جنى أعطتهم كل الأسماء.
كل الأماكن.
كل التفاصيل.
وأنا سلّمتهم الرسائل والصور وكل ما تركه طارق.
وبعد أسبوعين…
تم القبض على “أبو يوسف” وباقي الشبكة.
اكتشفوا أنهم كانوا يخطفون الأطفال ويزورون أوراقهم لبيعهم خارج البلاد.
وكانت جنى قد اكتشفت الأمر بالصدفة حين كانت تواعد أحد أفراد الشبكة دون أن تعرف حقيقته.
وحين حاولت الهرب…
بدأ الكابوس.
اختبأت سنوات كاملة.
تنقلت بين المدن.
أنجبت ليان وحدها.
وعاشت مطاردة كل يوم.
لكنها لم تستسلم.
كانت فقط تحاول تنقذ ابنتها.
بعد شهور طويلة…
عاد البيت للحياة تدريجيًا.
صوت بكاء ليان ملأ الصمت الذي قتلني سنوات.
وأصبحت جنى تنام أحيانًا بجواري كأنها ما زالت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تخاف من العواصف.
لكن آثار الخوف لم تختفِ بسهولة.
كانت تستيقظ أحيانًا مذعورة في منتصف الليل.
تبكي.
ترتجف.
وتسألني:
“هما مش هيرجعوا صح؟”
فأضمها إلى صدري وأقول:
“خلص كل شيء.”
ورغم أن قلبي لم يكن متأكدًا تمامًا…
كنت أقولها لأجلها.
في إحدى الليالي، كنت أحمل ليان قرب النافذة.
وكان المطر ينزل بهدوء.
جنى خرجت من المطبخ وهي تبتسم لأول مرة منذ عودتها.
ابتسامة حقيقية.
ثم جلست بجانبي وقالت:
“عارفة أكتر حاجة كانت مخلّياني عايشة؟”
نظرت لها بصمت.
فقالت وهي تنظر لابنتها:
“إني كنت بحلم أرجعلك.”
لم أتمالك دموعي.
أما ليان…
فمدّت يدها الصغيرة نحو وجه أمها وضحكت.
ضحكة بريئة دافئة.
ضحكة تشبه الحياة بعد موت طويل.
وفي تلك اللحظة فقط…
بعد خمس سنوات من الرعب والفقد…
شعرت أن بيتنا عاد بيتًا من جديد.
تمت
