اخطر رجل في العالم حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

“آدم الحديدي.”

 

ظل الاسم يتردد داخل رأس سيف كالصدى.

 

مستحيل.

 

هذا أول ما خطر بباله.

 

آدم ليس مجرد شقيقه الأصغر.

 

آدم هو الشخص الوحيد الذي بقي من عائلته بعد وفاة والديهما.

 

الرجل الذي شاركه كل شيء.

 

النجاح.

 

الخسارة.

 

وبناء إمبراطورية الحديدي من الصفر.

 

كيف يمكن أن يكون هو الخائن؟

 

نظر سيف إلى الطبيب.

 

ثم قال بحدة:

 

“أكيد في غلط.”

 

لكن الطبيب هز رأسه.

 

“أنا بنقل كلامها بس.”

 

ثم أضاف:

 

“هي طلبت تشوفك.”

 

دخل سيف الغرفة ببطء.

 

كانت ليلى شاحبة.

 

ضعيفة.

 

لكنها كانت مستيقظة.

 

وحين رأته حاولت الجلوس.

 

فمنعها الطبيب.

 

اقترب سيف من السرير.

 

ولأول مرة منذ عرفها…

 

لم يتحدث معها كرئيس وصاحبة وظيفة.

 

بل كإنسان مدين لها بحياته.

 

وقال بهدوء:

 

“الحمد لله إنك بخير.”

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

ثم قالت:

 

“لسه مش بخير.”

 

جلس بجوارها.

 

وأخرج الرسالة من جيبه.

 

“قريتها.”

 

خفضت عينيها.

 

أما هو فأكمل:

 

“ليه ما قولتيش حاجة من زمان؟”

 

ساد الصمت للحظات.

 

ثم قالت:

 

“لأن كل مرة كنت بقرب من الحقيقة… حد كان بيختفي.”

 

عقد حاجبيه.

 

“يعني إيه؟”

 

أخذت نفسًا عميقًا.

 

وقالت:

 

“أخويا الكبير كان شغال في الأمن الخاص.”

 

“وقبل أربع سنين اكتشف حاجة.”

 

“وبعد أسبوع لقيته ميت.”

 

شعر سيف بقبضة في صدره.

 

وأكملت:

 

“قالوا حادث.”

 

“بس ما كانش حادث.”

 

ثم نظرت إليه مباشرة.

 

“ومن يومها بدأت أدور.”

 

“واكتشفت إن كل الطرق بترجع لشخص واحد.”

 

توقف قلبه للحظة.

 

“مين؟”

 

همست:

 

“آدم.”

 

نهض سيف من مكانه فورًا.

 

“لا.”

 

“أنا متأكدة.”

 

“لا.”

 

“أنا شوفت بعيني.”

 

بدأ الغضب يظهر على وجهه.

 

ليس غضبًا منها.

 

بل من الفكرة نفسها.

 

لكن ليلى أكملت:

 

“في الليلة اللي قبل حادث أخويا.”

 

“سمعته بيتكلم مع رامي.”

 

تجمد في مكانه.

 

وأكملت:

 

“ولما شافني افتكر إني ما سمعتش حاجة.”

 

“ومن يومها وأنا بمراقب.”

 

جلس سيف ببطء.

 

وشعر لأول مرة أن الأرض تهتز تحت قدميه.

 

لأن جزءًا منه بدأ يصدق.

 

ليس لأنه يريد ذلك.

 

بل لأن الأدلة بدأت تتراكم.

 

رامي.

 

القنبلة.

 

محاولات الاغتيال.

 

والآن شهادة ليلى.

 

وفي تلك اللحظة بالذات…

 

رن هاتفه.

 

نظر إلى الشاشة.

 

وكان الاسم:

 

آدم الحديدي.

 

تبادل سيف وليلى النظرات.

 

ثم ضغط زر الإجابة.

 

جاء صوت آدم هادئًا كعادته.

 

“سمعت إنك في المستشفى.”

 

رد سيف ببرود:

 

“أيوه.”

 

“عامل إيه؟”

 

“كويس.”

 

صمت قصير.

 

ثم قال آدم:

 

“خلي بالك من نفسك.”

 

“ليه؟”

 

توقف آدم لحظة.

 

ثم قال:

 

“لأن الأيام الجاية مش سهلة.”

 

شعر سيف بقشعريرة.

 

كانت الجملة عادية.

 

لكن نبرتها لم تكن عادية.

 

ثم انقطع الاتصال.

 

وبقي سيف ممسكًا بالهاتف.

 

يفكر.

 

وفي تلك الليلة…

 

قرر أن يعرف الحقيقة بنفسه.

 

بعد منتصف الليل بقليل…

 

دخل سيف مقر الشركة الرئيسي سرًا.

 

برفقة مدير أمنه الجديد.

 

واتجها إلى قسم الأرشيف الإلكتروني.

 

هناك…

 

بدأوا مراجعة سجلات مالية قديمة.

 

تحويلات.

 

شركات فرعية.

 

حسابات مغلقة.

 

وكلما تعمقوا أكثر…

 

بدأ اسم آدم يظهر أكثر.

 

ثم فجأة…

 

ظهر ملف مخفي.

 

محمي بكلمات مرور متعددة.

 

احتاجوا أكثر من ساعة لفتحه.

 

لكن عندما نجحوا…

 

شحب وجه مدير الأمن.

 

وقال:

 

“يا نهار أبيض…”

 

اقترب سيف من الشاشة.

 

ونظر.

 

ثم توقف قلبه.

 

لأن الملف لم يكن يحتوي على دليل خيانة فقط.

 

بل على عشرات الملفات.

 

وأسماء.

 

وصور.

 

وعقود.

 

وأمام كل عملية اغتيال أو حادث أو اختفاء…

 

كان يوجد توقيع رقمي واحد.

 

A.H

 

آدم الحديدي.

 

لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر ملف.

 

ملف بعنوان:

 

“المرحلة الأخيرة.”

 

فتح سيف الملف.

 

فظهر مستند قصير جدًا.

 

مجرد ثلاثة أسطر.

 

السطر الأول:

 

“تم التخلص من رامي السيوفي.”

 

السطر الثاني:

 

“تم التعامل مع ليلى عبد الرحمن.”

 

أما السطر الثالث…

 

فجعل الدم يتجمد في عروقه.

 

“موعد تنفيذ عملية سيف الحديدي: خلال 72 ساعة.”

 

أغلق سيف الشاشة ببطء.

 

ولأول مرة في حياته…

 

أدرك أن عدوه الحقيقي لم يكن موظفًا.

 

ولا منافسًا.

 

ولا قاتلًا مأجورًا.

 

بل شقيقه نفسه.

 

وفي اللحظة التالية…

 

وصل إشعار جديد إلى البريد الإلكتروني.

 

رسالة مجهولة.

 

بداخلها صورة واحدة فقط.

 

صورة لليلى داخل غرفتها بالمستشفى.

 

تم التقاطها قبل دقائق.

 

وفي أسفل الصورة كُتبت أربع كلمات فقط:

 

“الدور عليها الليلة.”

 

يتبع…

الفصل الرابع

 

شعر سيف بأن الدم يتجمد في عروقه.

 

ظل ينظر إلى الصورة عدة ثوانٍ.

 

ليلى.

 

داخل غرفتها.

 

نائمة فوق السرير.

 

والصورة ملتقطة من زاوية مرتفعة.

 

يعني أن شخصًا ما كان داخل المستشفى.

 

قريبًا جدًا منها.

 

وقريبًا جدًا منهم.

 

رفع الهاتف أمام مدير الأمن.

 

فسقط اللون من وجه الرجل.

 

وقال فورًا:

 

“لازم نرجع حالًا.”

 

وخلال دقائق كانت السيارة السوداء تشق شوارع القاهرة المبتلة بالمطر بسرعة جنونية.

 

أما سيف…

 

فلم يكن يتحدث.

 

كان ينظر فقط إلى الصورة.

 

ويفكر في شيء واحد.

 

لو وصلت أيديهم إلى ليلى…

 

فهذا يعني أن كل شيء أصبح مكشوفًا.

 

وصلوا إلى المستشفى بعد أقل من عشرين دقيقة.

 

وصعد سيف الدرج بدل المصعد.

 

يركض.

 

تمامًا كما ركض في تلك الليلة الأولى.

 

وعندما وصل إلى الطابق الخاص بالعناية المركزة…

 

وجد الفوضى.

 

ممرضات يركضن.

 

وأفراد أمن ينتشرون في الممر.

 

وقلبه انقبض فورًا.

 

أمسك أول طبيب قابله.

 

“فين ليلى؟”

 

نظر الطبيب إليه بدهشة.

 

وقال:

 

“اختفت.”

 

تجمد الزمن.

 

“إيه؟”

 

“مش موجودة.”

 

شعر سيف بأن الأرض تميد تحته.

 

ثم اندفع داخل الغرفة.

 

كانت فارغة.

 

السرير خالٍ.

 

وأجهزة المراقبة مفصولة.

 

وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.

 

لكن فوق الوسادة…

 

كانت هناك ورقة صغيرة.

 

أخذها بيد مرتجفة.

 

وقرأ ما كُتب عليها.

 

“لو عايزها حية… تعالى لوحدك.”

 

وفي الأسفل عنوان.

 

مخزن قديم على أطراف الإسكندرية.

 

رفع سيف رأسه ببطء.

 

وفي عينيه شيء مخيف.

 

شيء لم يره أحد منذ سنوات طويلة.

 

الغضب.

 

الغضب الحقيقي.

 

—

 

بعد ثلاث ساعات…

 

كانت سيارة سيف تتوقف أمام المخزن المهجور.

 

رفض أن يأخذ معه أحدًا.

 

رغم اعتراض الجميع.

 

حتى مدير الأمن.

 

حتى الشرطة.

 

حتى المحامين.

 

لكنه أصر.

 

لأنه كان يعرف آدم.

 

ويعرف أنه إذا شعر بأي خدعة…

 

فقد يقتل ليلى فورًا.

 

دخل المخزن.

 

وكان الظلام يملأ المكان.

 

ورائحة الرطوبة تضرب الأنف.

 

ثم سمع صوتًا يعرفه جيدًا.

 

“أهلًا يا أخويا.”

 

توقف سيف.

 

ورفع رأسه.

 

هناك…

 

فوق منصة معدنية مرتفعة…

 

كان آدم الحديدي يقف.

 

هادئًا.

 

أنيقًا.

 

وكأنه في اجتماع عمل عادي.

 

وليس وسط عملية خطف.

 

أما ليلى…

 

فكانت مقيدة إلى كرسي قريب.

 

لكنها حية.

 

تنفست بصعوبة عندما رأت سيف.

 

أما آدم فابتسم.

 

وقال:

 

“عارف؟”

 

“كنت متأكد إنك هتيجي.”

 

اقترب سيف خطوة.

 

“سيبها.”

 

ضحك آدم.

 

“مباشرة كده؟”

 

ثم أضاف:

 

“حتى من غير ما تسألني ليه عملت كل ده؟”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال سيف:

 

“ليه؟”

 

اختفت الابتسامة تدريجيًا.

 

وقال آدم:

 

“لأنك أخدت كل حاجة.”

 

عقد سيف حاجبيه.

 

لكن آدم أكمل.

 

“الفلوس.”

 

“الشهرة.”

 

“الشركات.”

 

“حب الناس.”

 

“حتى حب بابا وماما.”

 

كان صوته يزداد مرارة مع كل كلمة.

 

ثم صرخ فجأة:

 

“وأنا؟”

 

“كنت إيه؟”

 

“الظل.”

 

“دايمًا الظل.”

 

ظل الصمت يملأ المكان.

 

أما سيف فبدأ يفهم.

 

كل شيء.

 

لم تكن المؤامرة بسبب المال فقط.

 

ولا السلطة فقط.

 

بل بسبب الحقد الذي تراكم سنوات طويلة.

 

ثم قال آدم بصوت منخفض:

 

“وأول مرة حاولت أقتلك كانت من سبع سنين.”

 

اتسعت عينا سيف.

 

وأكمل:

 

“ومن يومها كل مرة كنت تنجو.”

 

ثم نظر إلى ليلى.

 

وأضاف:

 

“لحد ما ظهرت هي.”

 

التفتت عينا سيف نحو ليلى.

 

أما آدم فابتسم ببرود.

 

“الخادمة اللي خربت كل حاجة.”

 

ثم رفع مسد..سه.

 

ووجهه نحوها.

 

في اللحظة نفسها.

 

توقف قلب سيف.

 

وقال فورًا:

 

“لا.”

 

لكن آدم ضغط بإصبعه على الزناد.

 

وفي نفس الثانية…

 

دوى صوت إطلاق نار آخر.

 

من مكان مختلف.

 

ثم صرخ آدم.

 

وسقط المسد..س من يده.

 

ودوى صراخ الرجال في الخارج.

 

واقتحمت قوات الأمن المكان من كل اتجاه.

 

الفوضى انفجرت خلال ثوانٍ.

 

وأدرك سيف أن مدير الأمن لم ينفذ أوامره بالكامل.

 

لقد تبعه سرًا.

 

وكان ذلك أفضل قرار اتخذه في حياته.

 

ركض سيف نحو ليلى.

 

وفك قيودها بسرعة.

 

بينما كانت قوات الأمن تسيطر على المخزن.

 

أما آدم…

 

فكان جالسًا على الأرض.

 

مصابًا في كتفه.

 

وينظر إلى أخيه.

 

للمرة الأخيرة.

 

وقال بصوت مكسور:

 

“أنا كنت عايز أبقى مكانك بس.”

 

نظر إليه سيف طويلًا.

 

ثم قال بهدوء:

 

“وأنا طول عمري كنت فاكر إنك جنبي.”

 

بعد دقائق…

 

انتهى كل شيء.

 

تم القبض على آدم.

 

وانكشفت جرائمه.

 

وسقطت الشبكة التي بناها في الظل.

 

أما ليلى…

 

فنُقلت إلى المستشفى مجددًا.

 

وهذه المرة بقي سيف بجوارها.

 

ليس لأنه مدين لها بحياته فقط.

 

بل لأنه أخيرًا عرفها.

 

عرف المرأة التي كانت تمر أمامه كل يوم دون أن يراها.

 

وعندما فتحت عينيها بعد يومين…

 

وجدته جالسًا بجوار السرير.

 

ينظر إليها.

 

ابتسمت بتعب.

 

وقالت:

 

“واضح إنك بقيت بتيجي المستشفى كتير.”

 

ضحك لأول مرة منذ أسابيع.

 

ثم قال:

 

“واضح إني اتأخرت في حاجات كتير.”

 

“زي إيه؟”

 

نظر إليها بهدوء.

 

ثم قال:

 

“زي إني أشكرك.”

 

سكت لحظة.

 

وأضاف:

 

“وزي إني أعرفك.”

 

احمر وجه ليلى قليلًا.

 

أما سيف فابتسم.

 

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

شعر أن حياته لا تبدأ من شركات جديدة.

 

ولا صفقات جديدة.

 

بل من فرصة جديدة.

 

فرصة منحته إياها امرأة بسيطة…

 

أنقذت حياته أكثر من مرة.

 

دون أن تطلب شيئًا في المقابل.

 

النهاية.

 

❤️ حكـايـات أسما السيد ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *