في شهري الثامن حكـايـات أسمـا ×1
في الشهر الثامن من حملي، توسلت إلى زوجي أن يوقف السيارة لأن الألم أصبح لا يُحتمل. لكنه تركني على جانب الطريق واتهمني بأنني أمثل. نُقلت إلى المستشفى على وجه السرعة. لكن عندما عاد أخيرًا إلى المنزل، كان والدي قد غيّر أقفال البيت بالفعل.
بحلول الشهر الثامن، أصبحت كل حركة أقوم بها محسوبة بعناية. كنت أمشي ببطء، أراقب أنفاسي، وأنتبه لأي تغيير يحدث في جسدي.
في ذلك الصباح، كان زوجي أحمد في أسوأ حالاته المزاجية. كل إشارة مرور كانت تثير غضبه، وكل سيارة بطيئة أمامه تبدو وكأنها إهانة شخصية له. كان يوصلني إلى موعد متابعة الحمل في أحد المراكز الطبية بالقاهرة قبل أن يذهب إلى عمله.
جلست صامتة.
خلال العام الماضي تعلمت أن الصمت أحيانًا هو الطريقة الوحيدة لتجنب المشاكل.
بعد حوالي ربع ساعة من الطريق، اجتاحني ألم حاد أسفل بطني.
لم يكن ذلك الثقل المعتاد الذي اعتدت عليه خلال الحمل.
كان ألمًا مختلفًا… حادًا ومخيفًا.
وضعت يدي على بطني وتحركت في المقعد.
قلت بهدوء:
ــ أحمد… ممكن توقف العربية دقيقة؟
لم ينظر إليّ حتى.
ــ إنتِ كويسة.
جاءت موجة ألم أقوى.
ــ لا… والله مش كويسة. لو سمحت وقف دقيقة.
أطلق زفرة غاضبة وكأنني أفسدت يومه بالكامل.
ــ أنا متأخر على الشغل يا سارة.
تمسكت بمقبض الباب بينما اشتد الألم مرة أخرى.
ــ في حاجة مش طبيعية.
فجأة انحرف بالسيارة إلى شارع جانبي هادئ، وضغط على الفرامل بعنف، ثم التفت إليّ بنظرة باردة لم أعد أتعرف فيها على الرجل الذي تزوجته.
قال بغضب:
ــ إنتِ دايمًا بتعملي كده.
ــ كل ما يبقى عندي حاجة مهمة فجأة تحبي تلفتي الانتباه.
قبل أن أستوعب ما يحدث، نزل من السيارة، وفتح الباب من جهتي، وأمسك بذراعي.
كنت مصدومة لدرجة أنني لم أقاوم.
سحبني إلى الخارج بينما أحاول التوازن.
صرخت:
ــ أحمد… بلاش… أنا بتوجع.
رفع صوته ليسمعه المارة:
ــ إنتِ مش بتتوجعي.
ــ بطلي تمثيل.
ــ امشي على البيت لو عايزة تعاطف.
ثم عاد إلى السيارة وأغلق الباب وانطلق تاركًا إياي وحدي.
وقفت للحظات على جانب الطريق.
يدي فوق بطني.
أنظر إلى الشارع الفارغ.
غير مصدقة ما حدث.
كنت في الشهر الثامن.
وحيدة.
بدون حقيبة.
بدون ماء.
وبدون هاتف.
حاولت المشي.
لكن بعد خطوات قليلة فقط ضربني الألم مجددًا بقوة جعلتني أتوقف.
في تلك اللحظة لاحظتني سيدة كانت تُنزل أكياس التسوق من سيارتها.
أسرعت نحوي.
كان اسمها أميرة.
وأتذكر اسمها جيدًا لأنها كانت أول شخص في ذلك اليوم جعلني أشعر أنني إنسانة لها قيمة.
قالت بقلق:
ــ يا بنتي إنتِ كويسة؟
هززت رأسي.
ــ أنا حامل… وفي حاجة غلط.
خلال دقائق كانت أجلس في سيارتها والمكيف يعمل بينما اتصل ابنها بالإسعاف.
كانت نوبات الألم تتقارب.
وثوبي التصق بجسدي من التوتر.
ويداي لم تتوقفا عن الارتعاش.
سألتني أميرة برفق:
ــ جوزك جاي؟
ضحكت بمرارة.
وقلت:
ــ لا.
ــ سابني ومشي.
نقلتني سيارة الإسعاف إلى مستشفى السلام الدولي بالقاهرة.
وساعدتني إحدى الممرضات على الاتصال بأختي ندى لأن هاتفي ما زال داخل سيارة أحمد.
عندما وصلت ندى، كان الأطباء قد بدأوا بالفعل في متابعة حالة الجنين.
كانت أصواتهم هادئة.
لكن الجدية في وجوههم جعلت خوفي يزداد.
شرح لي الطبيب أن لدي علامات ولادة مبكرة واحتمال وجود مضاعفات.
ويجب إبقائي تحت الملاحظة فورًا.
جلست ندى بجواري ممسكة بيدي بينما أبكي.
ليس فقط من الألم.
بل من الخوف والإهانة.
لم أستطع إخراج صورة أحمد من رأسي.
صوته وهو يتهمني بالكذب.
والسهولة التي تركني بها على الطريق.
بعد ساعات، نجحت الأدوية في تهدئة الانقباضات.
وأصبح الجو أكثر هدوءًا.
حينها سألتني ندى السؤال الذي كنت أهرب منه منذ زمن:
ــ سارة…
ــ لو يقدر يعاملك بالشكل ده وإنتِ شايلة ابنه في بطنك…
ــ تتخيلي هيعمل إيه بعد ما الطفل يتولد؟
لم أجد إجابة.
في تلك الليلة بدأ أحمد أخيرًا يتصل بالمستشفى.
ليس لأنه كان قلقًا.
بل لأنه عاد إلى البيت فوجده فارغًا.
ورأى رسالة من ندى تخبره أنني دخلت المستشفى بسبب حالة طبية طارئة.
وعندما حضر إلى المستشفى، بدا واضحًا أنه يتوقع أن يحل كل شيء بالكلام والأعذار المعتادة.
لكن خطواته توقفت أمام باب الغرفة فورًا.
لأنه وجد من ينتظره هناك.
أختي.
وأمي.
وضابط شرطة كان يدون الملاحظات بهدوء.
وفي تلك اللحظة فقط…
بدأ يدرك أن ما فعله لم يعد مجرد خلاف عائلي.
بل كارثة حقيقية ستغير حياته إلى الأبد.
ظل أحمد واقفًا أمام باب غرفة المستشفى للحظات طويلة وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
نظر أولًا إلى ندى.
ثم إلى والدتي.
ثم إلى الضابط الذي كان يدوّن بعض الملاحظات في دفتر صغير.
اختفت الثقة المعتادة من وجهه.
واختفى ذلك الغضب الذي كان يتعامل به معي دائمًا.
قال بصوت متردد:
ــ هو… هو في إيه؟
وقفت ندى فورًا.
كانت عيناها حمراوين من البكاء والغضب.
وقالت:
ــ في إن أختي كانت ممكن تموت.
ــ في إن بنت الناس اللي المفروض تحميها رميتها في الشارع وهي حامل في الشهر الثامن.
رفع أحمد يديه محاولًا الدفاع عن نفسه.
ــ الموضوع مش كده.
ــ هي كانت بتمثل.
قبل أن يكمل جملته انفجرت أمي:
ــ بتمثل؟
ــ بنتي دخلت المستشفى بسبب ولادة مبكرة وانت بتقول بتمثل؟
بدأت الممرضة تنظر نحونا بقلق.
فأشار الضابط بهدوء:
ــ لو سمحتوا خففوا صوتكم.
ثم التفت إلى أحمد.
ــ حضرتك زوج المريضة؟
ــ أيوة.
ــ فيه بلاغ مبدئي تم تسجيله بخصوص واقعة ترك سيدة حامل في حالة صحية خطرة على الطريق العام.
تغير لون وجه أحمد.
ــ بلاغ؟
ــ إنتوا هتبلغوا عني؟
قالت ندى ببرود:
ــ ده أقل حاجة.
نظر أحمد إلى داخل الغرفة حيث كنت مستلقية على السرير.
لأول مرة رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
اقترب خطوة.
لكن أمي وقفت أمام الباب مباشرة.
ــ متدخلش.
ــ سارة مش عايزة تشوفك.
ابتلع ريقه.
ــ دي مراتي.
ــ وأنا جاي أطمن عليها.
قالت أمي:
ــ بعد ما رميتها في الشارع؟
ــ بعد ما سيبتها تموت لوحدها؟
ــ لأ.
ــ النهاردة مش هتشوفها.
غادر أحمد المستشفى وهو يضغط على أسنانه من الغضب.
لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك.
في صباح اليوم التالي جاء شخص لم أكن أتوقع رؤيته.
أبي.
والدي لم يكن رجلًا كثير الكلام.
كان من النوع الذي يراقب بصمت.
ويتصرف عندما يحين الوقت.
دخل الغرفة.
اقترب من سريري.
قبّل رأسي.
ثم جلس على الكرسي المجاور.
سألني بهدوء:
ــ قوليلي الحقيقة يا سارة.
ــ دي أول مرة يعمل كده؟
شعرت بعقدة في حلقي.
ثم بدأت أبكي.
لأن السؤال نفسه كشف لي شيئًا كنت أهرب منه منذ سنوات.
لم تكن أول مرة.
كانت فقط أسوأ مرة.
حكيت له كل شيء.
كيف كان يصرخ.
كيف كان يكسر الأشياء.
كيف كان يهينني أمام الناس.
كيف جعلني أصدق أنني دائمًا المخطئة.
وكيف أصبحت أخاف من غضبه أكثر مما أخاف من أي شيء آخر.
ظل أبي صامتًا طوال الوقت.
لكنني رأيت يديه تنقبضان ببطء.
وعندما انتهيت قال جملة واحدة:
ــ خلاص.
ــ كفاية لحد هنا.
في تلك الليلة عاد أحمد إلى البيت.
فتح الباب بالمفتاح.
لكن المفتاح لم يعمل.
حاول مرة ثانية.
وثالثة.
ثم رابعة.
دون جدوى.
تراجع للخلف وهو ينظر إلى الباب باستغراب.
وفي تلك اللحظة خرج أبي من المنزل.
كان واقفًا بهدوء على الشرفة.
قال أحمد:
ــ المفتاح بايظ.
رد أبي:
ــ لا.
ــ الأقفال اتغيرت.
صمت أحمد لثوانٍ.
ثم قال:
ــ يعني إيه؟
قال أبي:
ــ يعني بنتي مش هترجع تعيش معاك.
ــ مش بعد اللي عملته.
ارتفع صوت أحمد فورًا.
ــ حضرتك ملكش حق.
ــ دي مراتي.
ابتسم أبي ابتسامة باردة لم أرها منه من قبل.
وقال:
ــ لما سبتها على الطريق وهي حامل.
ــ تنازلت عن حقك في كلمة مراتي.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه.
وألقاه أمامه.
ــ ده تقرير المستشفى.
ــ وده محضر الشرطة.
ــ وده تقرير الشهود.
ــ الست اللي أنقذتها.
ــ وسواق الإسعاف.
ــ وكل الناس اللي شافوك.
بدأ أحمد يشعر بالخطر الحقيقي.
لأنه أدرك أن الأمر لم يعد مجرد خلاف داخل البيت.
بل أصبح موثقًا بالكامل.
قال بصوت أقل حدة:
ــ أنا كنت متوتر.
ــ كنت مضغوط.
ــ مكنتش أقصد.
رد أبي:
ــ وبنتي كانت ممكن تموت.
ــ وكانت هتموت وهي مصدقة إن جوزها سايبها في الشارع.
لأول مرة لم يجد أحمد أي رد.
بعد أسبوعين خرجت من المستشفى.
وعدت إلى بيت أهلي.
وكان الجميع يعاملني كأنني كنز ثمين يجب حمايته.
أما أحمد فكان يرسل الرسائل يوميًا.
مرة يعتذر.
ومرة يبكي.
ومرة يلومني.
ومرة يلوم الظروف.
لكن شيئًا بداخلي كان قد انكسر.
شيئًا لم يعد يمكن إصلاحه.
ثم جاء اليوم الذي استدعانا فيه المحامي.
جلست أمام أحمد لأول مرة منذ الحادثة.
نظر إليّ طويلًا.
وقال:
ــ سارة.
ــ أنا اتغيرت.
ــ اديني فرصة.
نظرت إليه بهدوء.
ثم وضعت يدي على بطني المنتفخ.
وقلت:
ــ لما كنت مرمية على الطريق لوحدي…
ــ كنت محتاجة فرصة واحدة بس منك.
ــ فرصة إنك تصدقني.
ــ فرصة إنك تحميني.
ــ فرصة إنك تكون زوج.
ــ وانت ضيعتها.
انخفض رأسه.
وأكملت:
ــ وأنا مش هضيع عمر ابني عشان أديك فرصة تانية.
خرجت من المكتب يومها وأنا أشعر بخفة لم أشعر بها منذ سنوات.
وبعد شهر واحد فقط…
استقبلت طفلي الجميل.
ولدته وسط عائلتي.
وسط أمي.
وأبي.
وأختي.
وكل الأشخاص الذين أثبتوا لي أن الحب الحقيقي لا يؤذي.
وفي الليلة التي عدت فيها من المستشفى حاملة طفلي بين ذراعي…
جلست بجوار أبي في الشرفة.
كان الطفل نائمًا على صدري.
والهواء الليلي لطيفًا.
ابتسم أبي وهو ينظر إلى حفيده.
وقال:
ــ عارفة؟
ــ يوم ما غيرت الأقفال…
ماكنتش بحميكي من أحمد.
نظرت إليه باستغراب.
فقال:
ــ كنت بحميكي من نفسك.
ــ لأنك لو رجعتي له يومها…
كان هيكسرك مرة ورا مرة لحد ما متعرفيش نفسك.
شعرت بالدموع تملأ عيني.
فأكمل:
ــ بنتي تستحق حياة أحسن من كده.
احتضنت طفلي بقوة.
ونظرت إلى السماء.
ولأول مرة منذ وقت طويل جدًا…
شعرت بالأمان.
شعرت أن الكابوس انتهى.
وأن بداية جديدة قد بدأت أخيرًا.
يتبع