وظيفه غير مرغوب بها حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

اتجمدت ليلى مكانها.

عينها على الرجل الضخم.

وعينها على شاشة الموبايل.

اسم آدم كان منور قدامها.

بيرن.

مرة.

واتنين.

وثلاثة.

أما الرجل فبدأ يقرب خطوة.

ثم خطوة تانية.

وقال بهدوء مرعب:

“ردي.”

بلعت ريقها بصعوبة.

وضغطت زر الإجابة.

صوت آدم خرج مرتعشًا.

“ماما؟”

دموعها كانت هتنزل فورًا.

لكنها تماسكت.

وقالت بسرعة:

“آدم… إنت كويس؟”

“أيوة يا ماما.”

ثم سكت لحظة.

وأضاف:

“في راجل هنا بيقول إنه صاحبك.”

شعرت كأن الأرض بتنهار تحت قدميها.

“راجل مين؟”

لكن قبل ما آدم يرد.

سمعت صوت رجل غريب أخذ الهاتف منه.

وقال بهدوء:

“الأطفال بخير.”

ثم سكت ثانية.

“لسه.”

انقطع الخط.

سقطت يدها بجوار جسمها.

أما الرجل الواقف أمام الباب فابتسم لأول مرة.

وقال:

“شوفتي؟”

ثم أشار للفلاشة.

“هاتيها.”

كان واضحًا أن كل شيء محسوب.

رامز كان يعرف.

كان منتظر.

وكان يراقبها منذ البداية.

نظرت للفلاشة.

ثم للرجل.

ثم قالت:

“ولو اديتهالك هيسيب ولادي؟”

ضحك ضحكة قصيرة.

وقال:

“مش شغلي.”

في تلك اللحظة عرفت الحقيقة.

مفيش اتفاق.

مفيش أمان.

حتى لو سلمت كل حاجة.

مفيش ضمان إن آدم وجنا هيبقوا بخير.

وفجأة…

جاء صوت من الممر.

صوت خطوات سريعة.

الرجل استدار للحظة.

ثانية واحدة فقط.

لكنها كانت كفاية.

ليلى دفعت المكتب بكل قوتها.

اصطدم بالرجل.

وفقد توازنه.

وفي نفس اللحظة جريت ناحية الباب.

خرجت من المكتب.

وجريت في الممر.

خلفها صوته الغاضب.

ثم صوت مطاردة.

كانت بتجري بأقصى سرعة.

الفلاشة في جيبها.

وقلبها يكاد ينفجر.

لحد ما اصطدمت بشخص خارج المصعد.

رفعت رأسها.

وكان اللواء نادر.

شهقت:

“ساعدني.”

بص وراءها.

وشاف الرجل الضخم خارج من الممر.

وفي ثانية واحدة فهم إن فيه كارثة.

وقف أمام ليلى.

وقال للرجل:

“إنت مين؟”

الرجل توقف.

ثم استدار وغادر بسرعة قبل ما يتجمع العاملون.

لكن الليلة دي غيرت كل شيء.

لأن نادر لم يعد يشك.

أصبح متأكدًا.

في صباح اليوم التالي.

وصل محامي خاص إلى القصر بأمر من نادر.

ومعه طبيب أعصاب عالمي.

رامز حاول يمنعهم.

لكن نادر هدده علنًا.

وقال أمام الجميع:

“لو اعترضت هعتبر إن عندك حاجة مستخبيها.”

أول مرة منذ سنوات.

ظهر الخوف الحقيقي على وجه رامز.

دخل الطبيب إلى غرفة سليم.

وأجرى فحوصات طويلة.

ساعات كاملة.

ثم خرج.

وكان الجميع ينتظر.

رامز.

ريهام.

أعضاء مجلس الإدارة.

العاملون.

ليلى.

أما الطبيب فوقف وسط الصالة.

وقال جملة واحدة قلبت القصر كله.

“الأستاذ سليم واعٍ إدراكيًا بشكل كامل.”

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

ثم انفجر المكان.

أسئلة.

صراخ.

دهشة.

أما رامز فكان شاحبًا كالأموات.

لكن الصدمة الأكبر لم تأت بعد.

لأن الطبيب أكمل:

“ومن الواضح أن حالته كانت تتحسن منذ فترة طويلة.”

كل الأنظار اتجهت نحو رامز.

وكأن سؤالًا واحدًا ظهر في عقول الجميع.

إذا كان يتحسن…

فلماذا لم يعرف أحد؟

في تلك الليلة.

جلست ليلى مع سليم وحدهما.

وضعت النوتة أمامه.

وكتبت:

“مين يوسف؟”

سكت طويلًا.

ثم بدأت يده تتحرك.

أبطأ من أي وقت مضى.

لكنها استمرت.

حتى كتب جملة كاملة.

“ابني.”

ثم جملة أخرى.

“يعتقد أنه ميت.”

شهقت.

وأعادت قراءة الكلمات.

مرة.

ثم مرتين.

ابنه يعتقد أن والده مات؟

كيف؟

ولماذا؟

بدأ سليم يكتب من جديد.

بصعوبة شديدة.

كلمة.

ثم كلمة.

ثم جملة.

لتتكشف أخطر حقيقة عرفتها ليلى منذ دخول القصر.

قبل الحادث بأشهر…

وصلت إلى سليم معلومات خطيرة.

معلومات تثبت أن رامز كان يسرق ملايين الجنيهات من شركات المجموعة.

ويحولها إلى حسابات سرية خارج البلاد.

واجهه سليم.

وهدده بالسجن.

لكن بعدها بأيام قليلة.

وقعت حادثة الطائرة.

وبعد الحادث مباشرة اختفى يوسف.

ابن سليم الوحيد.

وأُبلغ الطفل أن والده مات.

ثم تم تهريبه إلى مكان مجهول.

كل ذلك بإدارة رامز.

لأن وجود يوسف يعني أن كل الثروة ستعود يومًا إلى صاحبها الحقيقي.

أنهى سليم الكتابة.

وكان العرق يغطي جبينه من شدة المجهود.

أما ليلى فكانت مصدومة.

لكنها أخفت صدمتها.

وقالت:

“هلاقيه.”

عيني سليم امتلأتا بشيء لم تره فيه من قبل.

الرجاء.

بعد ثلاثة أيام.

تمكنت ليلى بمساعدة نادر من تشغيل محتويات الفلاشة.

كانت تحتوي على عقود.

وحسابات بنكية.

وتسجيلات صوتية.

وملفات كافية لإسقاط إمبراطورية كاملة.

لكن وسط كل ذلك.

كان هناك ملف فيديو واحد.

اسمه:

“لو حصل لي شيء.”

ضغطت تشغيل.

وظهر سليم.

قبل الحادث.

بكامل صحته.

جالسًا في مكتبه.

ينظر مباشرة إلى الكاميرا.

وقال:

“إذا وصل هذا الفيديو لأحد… فمعنى ذلك أن رامز بدأ يتحرك.”

ثم ذكر عشرات الأسماء.

والشركات الوهمية.

والحسابات السرية.

وأخيرًا قال:

“وابني يوسف موجود في…”

وفجأة توقف الفيديو.

الشاشة اسودت.

الملف كان تالفًا.

اختفى الجزء الأخير.

الجزء الذي يحتوي على مكان يوسف.

رفعت ليلى رأسها بصدمة.

أما نادر فقبض على الطاولة بعنف.

لأنهم أصبحوا يعرفون الحقيقة.

لكنهم ما زالوا لا يعرفون أين يوجد يوسف.

وفي نفس اللحظة.

وصل اتصال إلى هاتف ليلى من رقم مجهول.

ردت بحذر.

فسمعت صوت شاب.

عمره حوالي عشرين سنة.

صوته متوتر.

وخائف.

وقال جملة جعلت قلبها يتوقف:

“أنا اسمي يوسف الحديدي…”

ثم سكت.

وأضاف:

“وأعتقد إن في ناس عايزين يق*تلوني.”

يتبع…

 

الفصل السادس

اتجمدت ليلى مكانها.

الموبايل في إيدها.

وعينيها متعلقة بالسقف كأنها مش قادرة تستوعب اللي سمعته.

يوسف.

بعد كل السنين دي.

بعد كل البحث.

بعد كل الأسرار.

اتصل بنفسه.

قالت بسرعة:

“إنت فين؟”

سمعت صوت أنفاسه المضطربة.

ثم رد:

“مش هينفع أقول.”

سكت ثانية.

وأضاف:

“في حد بيراقبني.”

نظرت ليلى إلى نادر.

فهم من تعبيرات وجهها إن المتصل هو الشخص اللي بيدوروا عليه.

اقترب منها بسرعة.

لكنها أشارت له يسكت.

قالت:

“يوسف… اسمعني كويس.”

“إنت مين أصلًا؟”

“أنا ليلى.”

“معرفكيش.”

“لكن أنا جنب والدك.”

ساد الصمت.

صمت طويل.

مرعب.

ثم خرجت ضحكة ساخرة من الطرف الآخر.

ضحكة مليانة وجع.

وقال:

“والدي مات من 3 سنين.”

أغمضت ليلى عينيها.

وقالت بهدوء:

“لأ.”

“……”

“والدك عايش.”

انقطع النفس في الطرف الآخر.

وكأن الزمن توقف.

ثم جاء صوته مرتعشًا.

“إنتِ بتكذبي.”

“نفسي أكون بكذب.”

“مستحيل.”

“أنا واقفة جنبه دلوقتي.”

مرت ثوانٍ طويلة.

ثم انقطع الاتصال.

فجأة.

بدون كلمة.

خفضت ليلى الهاتف ببطء.

أما نادر فقال:

“كان يوسف؟”

هزت رأسها.

ثم أضافت:

“وخايف.”

في نفس الوقت.

في مكان آخر داخل القاهرة.

كان شاب طويل واقف داخل شقة صغيرة.

وجهه شاحب.

وشعره أسود مثل والده تمامًا.

عمره 22 سنة.

وفي يده هاتف مغلق.

يوسف الحديدي.

أو على الأقل الاسم اللي أخبره به أبوه بالتبني قبل موته.

كان ينظر من الشباك.

إلى سيارة سوداء متوقفة أسفل العمارة.

منذ الصباح.

لم تتحرك.

ولم تغادر.

ولذلك قرر أخيرًا أن يتصل.

لأن قبل أسبوعين فقط اكتشف شيئًا قلب حياته.

صندوق قديم.

رسائل مخفية.

وصورة لرجل يشبهه بشكل مخيف.

صورة لسليم الحديدي.

ومنذ ذلك اليوم بدأت المطاردة.

بدأت السيارات.

والوجوه الغريبة.

والأبواب التي تُفتح ليلًا.

والرسائل المجهولة.

كأن أحدهم عرف أنه بدأ يبحث.

وفي القصر.

كانت الأمور تزداد سوءًا.

لأن رامز اختفى.

منذ إعلان الطبيب أن سليم واعٍ.

اختفى تمامًا.

مكتبه فارغ.

هاتفه مغلق.

بيوته خالية.

ولا أحد يعرف أين ذهب.

لكن نادر كان يعرف.

قال وهو ينظر إلى الملفات:

“لما الحرامي يحس إن الخزنة هتتفتح… بيهرب.”

لكن ليلى لم تكن مطمئنة.

لأنها لم تكن تشعر أنه هرب.

كانت تشعر أنه يستعد.

وبعد يومين.

حدث شيء جديد.

شيء لم يتوقعه أحد.

في الساعة التاسعة صباحًا.

كانت ليلى تساعد سليم على تناول الإفطار.

عندما دخل الطبيب فجأة.

وكان متحمسًا بشكل غير معتاد.

قال:

“عايزين نجرب حاجة.”

اقترب من السرير.

وأجرى اختبارًا بسيطًا.

ثم قال لسليم:

“لو سامعني ارفع إيدك اليمين.”

مرّت ثوانٍ.

ثم حدثت المعجزة.

الإيد ارتفعت.

ببطء شديد.

لكنها ارتفعت.

شهقت ليلى.

أما الطبيب فابتسم لأول مرة.

وقال:

“الجهاز العصبي بدأ يستجيب.”

دموع نزلت من عيني سليم.

لأنها كانت أول حركة إرادية حقيقية منذ ثلاث سنوات.

وفي الأيام التالية.

بدأ التحسن يزيد.

إصبع.

ثم يد.

ثم جزء من الذراع.

ببطء.

لكن بثبات.

وكان واضحًا أن سليم يحارب بكل ما يملك ليعود.

لكن في مساء اليوم السابع.

وصلت رسالة إلى هاتف نادر.

مرسل مجهول.

مجرد فيديو.

فتح الفيديو.

فتجمد الجميع.

ليلى.

نادر.

حتى سليم.

الفيديو كان مصورًا داخل مخزن قديم.

وشخص مقيد على كرسي.

مضروب.

وجهه مليء بالكدمات.

لكن رغم ذلك عرفوه فورًا.

يوسف.

ثم ظهر شخص آخر في الصورة.

وجهه مخفي.

وصوته مشوش.

وقال:

“عندكم 48 ساعة.”

ثم أشار إلى يوسف.

وأضاف:

“بعدها هيموت.”

انقطع الفيديو.

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

قاتل.

أما سليم…

فلأول مرة منذ سنوات.

بدأ جسمه كله يرتجف بعنف.

ليس من المرض.

من الغضب.

ومن الرعب على ابنه.

ثم حدث شيء لم يكن أحد مستعدًا له.

سليم حاول الوقوف.

فعليًا الوقوف.

سقط مرة.

ثم مرة ثانية.

ثم أمسك حافة السرير.

وكانت عيناه مشتعلة.

لأن الزمن انتهى.

ورامز أخيرًا ارتكب أكبر خطأ في حياته.

لقد لمس يوسف.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *