في ليلة فرحنا حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس: الأخ المفقود

الجملة وقعت على مريم كأنها صاعقة.

فضلت تبص لفارس ثواني طويلة.

كأن عقلها رافض يسمع.

أو يستوعب.

أو يصدق.

ثم قالت بصوت مخنوق:

“إنت بتقول إيه؟”

“أنا بنت وحيدة.”

…

فارس هز رأسه ببطء.

وقال:

“ده اللي سامي خلاكي تصدقيه طول عمرك.”

…

مريم قامت واقفة فجأة.

وقالت بعصبية:

“لا.”

“مستحيل.”

“لو كان عندي أخ كنت هعرف.”

…

فارس فتح ملفًا آخر.

وأخرج صورة قديمة جدًا.

صورة باهتة من أثر الزمن.

…

مدها لمريم.

…

أول ما شافتها.

شهقت.

…

في الصورة.

كانت طفلة صغيرة عمرها حوالي خمس سنين.

واقفة بين رجل وامرأة.

وفي حضن المرأة طفل رضيع.

…

الطفلة كانت مريم.

مافيش شك.

…

أما الرضيع.

فكان مجهولًا بالنسبة لها.

…

قال فارس:

“دي آخر صورة اتصورت قبل الحريق بشهر.”

…

مريم كانت تبكي وهي تحدق بالصورة.

…

ثم همست:

“مين الطفل ده؟”

…

فارس أخذ نفسًا عميقًا.

وقال:

“أخوكي.”

…

ساد الصمت.

…

ثم جلسنا جميعًا.

وبدأ فارس يحكي.

…

قبل أكثر من عشرين سنة.

كان محمود السيوفي واحدًا من أنجح رجال الأعمال في مصر.

لكن نجاحه ماكانش مبني على الطمع.

ولا النصب.

ولا استغلال الناس.

…

كان مختلفًا.

…

وده اللي خلا ناس كتير تحترمه.

وفي نفس الوقت.

خلا ناس تانية تحقد عليه.

…

وأقرب الناس دول كان سامي الجندي.

…

في البداية كانوا شركاء.

وأصدقاء.

…

لكن مع الوقت.

محمود اكتشف اختلاسات ضخمة.

وأموال بتختفي من الشركات.

وعقود مزورة.

…

وكل الخيوط كانت بتوصل لسامي.

…

ولما بدأ يراجع الملفات.

اكتشف حاجة أخطر.

…

اكتشف إن سامي كوّن شبكة كاملة من الفساد.

…

ولما قرر يبلغه للجهات المختصة.

بدأت الحرب.

…

سامي حاول يشتريه.

فشل.

…

حاول يهدده.

فشل.

…

حاول يخوفه على أسرته.

وبرضه فشل.

…

وقتها سامي فهم إنه قدام راجل مش هيبيع ضميره.

…

فبدأ يخطط.

…

ليلة الحريق.

ما كانتش حادث.

…

كانت ج*ريمة.

…

النار اتولعت عمدًا.

…

لكن اللي محدش عرفه.

إن محمود قدر ينقذ ابنه الصغير قبل ما يموت.

…

وسلمه لشخص يثق فيه.

…

ثم رجع للبيت.

…

وكانت آخر مرة حد شافه حي.

…

مريم كانت تسمع وكأنها في حلم.

…

وقالت:

“والطفل راح فين؟”

…

فارس بلع ريقه.

وقال:

“اختفى.”

…

“سنين طويلة.”

“ماحدش عرف مكانه.”

“ولا اسمه الجديد.”

“ولا حتى شكله.”

…

ثم رفع عينيه نحونا.

وقال:

“إلا من شهور قليلة.”

…

قلبي بدأ يدق أسرع.

…

سألته:

“عرفت مكانه؟”

…

هز رأسه.

…

وقال:

“أيوه.”

…

“وعرفت كمان إن سامي عرف.”

…

مريم أمسكت طرف الطاولة بقوة.

…

وقالت:

“وأخويا فين دلوقتي؟”

…

فارس لم يجب مباشرة.

…

فتح جهازًا لوحيًا.

ثم عرض صورة حديثة.

…

شاب في أواخر العشرينات.

واقف أمام مبنى إداري ضخم.

…

وجهه كان يحمل ملامح محمود بشكل واضح جدًا.

…

لدرجة أن مريم وضعت يدها على فمها من الصدمة.

…

وقالت:

“شبه بابا.”

…

فارس همس:

“لأنه ابنه.”

…

ثم أضاف:

“واسمه الحالي عمر.”

…

“ومش عارف أي حاجة عن ماضيه.”

…

مريم بدأت تبكي مجددًا.

…

لكن قبل أن نتكلم.

…

انطفأت أنوار الفيلا كلها فجأة.

…

مرة واحدة.

…

غرق المكان في الظلام.

…

تجمدنا جميعًا.

…

ثم سمعنا صوتًا بالخارج.

…

صوت سيارات كثيرة.

…

كثيرة جدًا.

…

فارس جرى نحو النافذة.

وأبعد الستارة قليلًا.

…

ثم شحب وجهه.

…

وقال:

“إزاي؟”

…

قلت بسرعة:

“في إيه؟”

…

رد بصوت متوتر لأول مرة:

“لقونا.”

…

وفي اللحظة نفسها.

ظهر ضوء كشافات قوية تخترق زجاج الفيلا.

…

وأضاءت الحديقة بالكامل.

…

ثم جاء صوت عبر مكبرات الصوت.

…

صوت سامي الجندي نفسه.

…

هادئ.

وواثق.

ومخيف.

…

“انتهت اللعبة.”

…

مريم ارتعشت.

…

أما سامي فأكمل:

“سلمي الملف يا مريم.”

…

“وساعتها أوعدك إن محدش هيتأذى.”

…

فارس قبض على س*لاح كان مخبأ داخل درج جانبي.

…

أما أنا فاقتربت من النافذة.

…

ورأيت المشهد كاملًا.

…

أكثر من عشرين سيارة سوداء.

…

وعشرات الرجال.

…

والفيلا محاصرة من كل اتجاه.

…

وفي المنتصف.

كان سامي واقفًا.

بهدوء شديد.

كأنه يملك المكان.

…

ثم رفع شيئًا بيده.

…

في البداية لم أفهم ما هو.

…

لكن عندما ركزت النظر.

…

شعرت بأن الدم تجمد داخل عروقي.

…

لأنه لم يكن ملفًا.

…

ولم يكن س*لاحًا.

…

كان شخصًا.

…

رجلًا مقيد اليدين.

…

ورأسه منحنٍ للأسفل.

…

وفجأة رفع الرجل وجهه نحو الأضواء.

…

فشهقت مريم بصوت مرتفع.

…

لأنها تعرفت عليه فورًا.

…

وكان نفس الشاب الموجود في الصورة.

…

نفس ملامح والدها.

…

نفس العينين.

…

نفس الوجه.

…

وأدركنا جميعًا الحقيقة المرعبة.

…

سامي لم يعثر على أخيها فقط.

…

بل سبَقنا إليه.

…

وكان عمر الآن أسيرًا بين يديه.

يتبع… 🔥🔥🔥

 

الفصل السادس: الأسير

“عمر!”

صرخة مريم هزت الفيلا كلها.

جرت ناحية النافذة.

وإيديها بتخبط على الزجاج.

كأن المسافة اللي بينه وبينها مش عشرات الأمتار.

كأنها تقدر توصل له.

تنقذه.

تضمه.

وتعوض سبعة وعشرين سنة ضاعوا من عمرهم.

…

لكن عمر ماكانش فاهم حاجة.

كان واقف مقيد.

وشكله مرهق.

وفي وشه آثار ضرب واضحة.

وكأنه اتخطف من ساعات طويلة.

…

سامي كان واقف جنبه بكل هدوء.

حاطط إيده على كتفه.

كأنه بيستعرضه.

مش بيحتجزه.

…

ثم رفع مكبر الصوت مرة تانية.

وقال:

“شايفة؟”

“أنا وعدت أبوكي زمان.”

“إني هحافظ على العيلة.”

“وأهو حافظت عليها.”

…

مريم انفجرت:

“إنت قاتل!”

…

ضحك سامي.

ضحكة باردة.

…

وقال:

“الناس كلها بتحب تستخدم الكلمة دي.”

“بس الحقيقة أعقد من كده.”

…

بصيت لفارس.

وقلت:

“فيه مخرج خلفي؟”

…

هز رأسه.

“مستحيل.”

“كل الاتجاهات متقفلة.”

…

الوضع كان سيئًا.

لكن حاجة واحدة كانت غلط.

…

سامي عمره ما كان راجل يستعرض.

ولا يضيع وقته بالكلام.

…

لو جه يق*تلنا.

كان خلص الموضوع من أول دقيقة.

…

لكن هو واقف برة.

وبيتكلم.

وبيفاوض.

…

يعني محتاج حاجة.

…

والحاجة دي كانت الملف.

…

الملف اللي مع مريم.

…

ساعتها فهمت.

…

قلت لفارس:

“نسخة التسجيلات فين؟”

…

قال:

“في أكتر من نسخة.”

…

ابتسمت لأول مرة.

…

وقلت:

“يبقى إحنا لسه عندنا ورقة.”

…

في الخارج.

رفع سامي يده.

فسحب أحد رجاله عمر بقسوة.

…

عمر تأوه من الألم.

…

ومريم انهارت.

…

قال سامي:

“آخر مرة هطلب.”

“الملف.”

…

“أو أخوكي هيدفع الثمن.”

…

مريم كانت على وشك الاستسلام.

…

لكن فجأة.

…

عمر رفع رأسه.

…

وبص لأول مرة ناحية الفيلا.

…

ثم صرخ بكل قوته:

“ما تسمعوش كلامه!”

…

سامي لف له بسرعة.

…

لكن عمر أكمل:

“أنا عرفت الحقيقة!”

…

“وعرفت مين ق*تل أبويا!”

…

صوت طلقة خرج في الهواء.

…

واحد من رجال سامي ضرب عمر بمقبض الس*لاح.

…

فسقط على ركبتيه.

…

ومريم صرخت.

…

لكن عمر كان ابتدى يتكلم.

…

وده كان أخطر شيء بالنسبة لسامي.

…

لأن الحقيقة خرجت.

…

حتى لو جزء منها.

…

سامي اقترب منه.

وانحنى عنده.

…

ثم قال بصوت منخفض.

لكن مكبر الصوت التقط الكلمات.

…

“أبوك مات لأنه كان ضعيف.”

…

الحديقة كلها سكتت.

…

حتى رجاله.

…

حتى مريم.

…

حتى أنا.

…

لأن لأول مرة.

…

سامي اعترف ضمنيًا.

…

اعترف إنه كان هناك.

…

اعترف إنه يعرف التفاصيل.

…

واعترف إن موت محمود لم يكن مجرد حادث.

…

وفجأة.

رن هاتفي.

…

رقم مجهول.

…

رديت فورًا.

…

وجاءني صوت رجل.

…

قال بسرعة:

“أنا المستشار حازم.”

…

“كنت شريك قانوني لمحمود السيوفي.”

…

اتسعت عيناي.

…

قال:

“اسمعني كويس.”

“سامي مش بيدور على الملف.”

…

“هو بيدور على حاجة جوه الملف.”

…

سألته:

“إيه هي؟”

…

رد:

“مفتاح حسابات خارجية.”

…

“أرقام حسابات فيها مليارات.”

…

“وأسماء ناس كبار جدًا.”

…

“ولو الحسابات دي اتفتحت.”

…

“نص الإمبراطورية اللي بناها سامي هتنهار.”

…

القطعة الأخيرة من اللغز بدأت تظهر.

…

ماكانش الموضوع مجرد ميراث.

…

ولا مجرد ج*ريمة قديمة.

…

كان أكبر بكتير.

…

وأثناء المكالمة.

وصلت رسالة جديدة على هاتفي.

…

المرسل هذه المرة لم يكن مجهولًا.

…

بل جهة رسمية.

…

وفيها صورة لوثيقة قديمة.

…

وثيقة وصية محمود الأصلية.

…

لكن آخر صفحة كانت مختلفة.

…

فيها سطر مكتوب بخط اليد.

…

سطر واحد فقط.

…

قرأته مرة.

ثم مرتين.

ثم شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

…

لأن محمود كتب قبل موته:

“إذا وصلت هذه الوصية إلى أولادي…”

“فليعلموا أن القاتل ليس شخصًا واحدًا.”

…

“بل ثلاثة.”

…

وسامي الجندي واحد منهم فقط.

🔥 يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *