قصر المنصوري حكـايات أسمـا 1

“كنت مجرد خادمة لا يراها أحد… إلى أن وقفت بين زوجته وطفلته الصغيرة، وتلقيت الصفعة بدلًا عنها… والرجل الذي كان الجميع يخافونه رأى كل شيء.”
الجزء الأول
في الليلة التي تلقيت فيها الصفعة التي لم تكن موجهة لي أصلًا… فهمت أخيرًا سر ذلك القصر.
الأطفال هناك لم يكونوا يبكون لأنهم مدللون.
كانوا يبكون لأن لا أحد كان شجاعًا بما يكفي ليحميهم.
كانت يد “نادين” مرفوعة في الهواء ومتجهة مباشرة نحو وجه الطفلة “ليان”.
لم أفكر.
لم أحسب إن كنت سأُطرد.
أو إن كنت سأرجع للشارع.
أو إن كان أي شخص سيصدق خادمة بسيطة أمام امرأة ترتدي الحرير والمجوهرات وتحمل اسمًا يخشاه نصف رجال القاهرة.
كل ما رأيته…
طفلة في السابعة تغلق عينيها استعدادًا للضربة.
وخلفها أخوها الصغير “آدم”، عنده خمس سنوات، واقف متجمد ويحضن عربيته اللعبة كأنها آخر شيء يحميه من العالم.لذلك تحركت.
وقفت أمامهما.
الصفعة نزلت على كتفي ورقبتي بقوة لدرجة إن ودني صفّرت.
نادين صرخت بغيظ:
“إنتِ اتجننتي يا خدامة؟! إنتِ فاكرة نفسك مين؟!”
عضضت على أسناني ومديت دراعاتي أحاوط الطفلين.
وقلت بصوت بيتهز:
“ما تضربيهمش.”
ليان مسكت طرف هدومي.
وآدم بدأ يعيط بصمت.
وده كان أصعب من الصفعة نفسها.
لأن الطفل ما بيتولدش عارف يعني إيه يبكي من غير صوت.
الطفل بيتعلم ده… لما يعرف إن الصوت بيجيب العقاب.
كنت بشتغل في قصر “المنصوري” بقالي تلات شهور بس.
القصر كان في التجمع الخامس، ورا بوابات حديد ضخمة وكاميرات في كل زاوية، وحدايق مثالية ورخام يلمع كأن الناس ممنوع تمشي عليه.
جاتلي الوظيفة عن طريق مكتب توظيف.
مرتب ممتاز.
أوضة خاصة.
أكل وتأمين.
بالنسبة لبنت زيي…
كان ده أقرب لمعجزة.
اسمي “مريم عادل”.
كبرت في دار أيتام بعد ما حريق خد أمي وأبويا وأنا عندي تسع سنين.
واتعلمت بدري إن البنت اللي مالهاش أهل… لازم تصغر نفسها علشان تعرف تعيش.
اشتغلت في بيوت كانوا يعاملوني فيها كإني صدقة.
وفي شغلانات كانوا يقللوا مرتبي علشان ماحدش ورايا يسأل.
ونمت في أوض قافلة بكرسي ورا الباب خوفًا من الناس.
علشان كده…
أول ما شفت ليان وآدم، عرفتهم فورًا.
مش بسبب هدومهم الغالية.
ولا لعبهم المستوردة.
ولا القصر.
عرفتهم من عينيهم.
الأطفال الخايفين عندهم نفس النظرة في كل مكان.
يراقبوا إيد الكبير قبل وشه.
يقيسوا صوت الخطوات في الممرات.
ويعرفوا إمتى الصمت أخطر من الصراخ.
نادين كانت الزوجة التانية لـ “عمر المنصوري”.
وعمر المنصوري كان من نوع الرجال اللي الناس ما تنطقش اسمه بصوت عالي.
راجل أعمال معروف.
شركات عقارات وأمن ومطاعم.
لكن الخدم كانوا يهمسوا بحاجات أغمق.
كانوا يقولوا إن اللي يخونه ما بياخدش فرصة تانية.
وإن حتى الناس أصحاب النفوذ يقللوا صوتهم لما يدخل.
أنا تقريبًا ما كنتش بشوفه…يسافر كتير…ويرجع متأخر.
وأحيانًا يختفي أسابيع.
لكن لما كان يرجع…
الأطفال كانوا يجروا عليه بفرحة مترددة.
كأنهم عايزين يترموا في حضنه… لكن في حاجة جواهم خايفة…كان يبوس جبينهم.
يسأل عن المدرسة.
يوعدهم يقضي وقت أكتر معاهم.
وبعدين يقفل على نفسه المكتب.
وساعتها…
نادين كانت تستلم البيت.
قدامه كانت ملاك.
تعدل هدوم آدم.
تمشط شعر ليان.
وتقول بصوت ناعم: “ولادك أهم حاجة عندي يا حبيبي.”
لكن أول ما كان يخرج…
القناع يقع.
“مش عايزة دوشة.”
“مش عايزة لعب على الأرض.”
“مش عايزة عياط.”
“وإياكم أسمع اسم أمكم في البيت ده.”
ودي كانت أقسى قاعدة.
أم ليان وآدم كانت اسمها “سارة”.
ماتت بمرض في القلب وآدم لسه رضيع.
ماكانش في صور كتير ليها في البيت.
نادين كانت مخبية أغلبها كأن ذكرى الست الأولى إهانة ليها.
لكن الأطفال…
كانوا لسه بيحبوها بجنون.
مرة لقيت ليان بتعيط في أوضة الغسيل.
كانت ماسكة صورة قديمة مطوية.
ست جميلة بشعر أسود وابتسامة هادية… ونفس عيون ليان.
همستلي: “دي ماما… نادين بتقول إن بابا لسه زعلان بسببنا علشان إحنا ما بننساهش.”
ركعت قدامها وقلت: “محدش غلطان علشان بيحب أمه.”
من الليلة دي…
بدأت أسيبلهم أكل لما نادين تعاقبهم من العشا.
أحكيلهم قصص قبل النوم.
أنضف الخدوش اللي مش سببها اللعب.
وأتعلم مزاج نادين من صوت كعبها على السلم.
لو نزلت بالكعب الأحمر…
يبقى في خناقة جاية.
لو شربت بعد الضهر…
يبقى الأطفال يستخبوا.
ولو كانت بتتكلم مع صحباتها عن المجوهرات والسفر و”عبء تربية عيال واحدة غيرها”…
كنت أعرف إن ليان وآدم لازم يختفوا من قدامها.
فبدأت أقف بينهم وبين غضبها.
“أنا اللي كسرت الكوباية يا هانم.”
“أنا اللي نسيت الكتب.”
“أنا السبب.”
ونادين كانت ترمي عليا كل اللي عايزة ترميه عليهم.
إهانات.
زق.
صفعات.
وتهديدات.
مرة قالتلي: “إنتِ يتيمة نسيتي مقامك. إحنا طلعناكي من العدم ولسه فاكرة إن ليكي قيمة.”
وطيت راسي.
مش علشان صدقتها.
علشان كنت محتاجة أفضل.
لأن لو مشيت…
مين هيحميهم؟
اليوم ده بدأ بكوباية لبن.
آدم كبّها بالغلط على سجادة الصالون.
وشه الصغير شحب فورًا.
وهمس بصوت مكسور: “آسف… آسف… والله آسف.”
نادين ظهرت عند الباب.
وقالت ببرود: “فاشل.”
ليان وقفت قدام أخوها فورًا.
“كانت غلطة.”
نادين قربت منها بهدوء مرعب.
“محدش كلمك.”
ورفعت إيدها.
جريت بدون تفكير.
الصفعة نزلت عليا.
نادين فتحت بقها تصرخ…
لكن فجأة سكتت.
لأن في صوت تاني سمعناه.
صوت باب القصر الرئيسي بيتفتح تحت.
نادين اتجمدت.
البيت كله كأنه حبس نفسه.
عمر رجع بدري.
لكن اللي ماكناش نعرفه…
إنه قبل ما يدخل أصلًا، كان شاف كل حاجة من الجنينة خلال إزاز الدور التاني.
واقف في الضلمة…
ووشه بقى حجر.
شايف مراته وهي بتحاول تضرب بنته.
كل اللي عرفناه وقتها إنه ما طلعش فورًا.
نادين رجعت ابتسامتها في ثواني.
وهمستلي بسم: “ولا كلمة.”
ثم بصت للأطفال: “يلا نبتسم لبابا.”
ليان بصتلي كأنها عايزة تصرخ.
هزيت راسي بهدوء.
لسه مش دلوقتي.
بعد دقائق، دخل عمر الصالون.
طويل.
بدلة سودا.
وعيون تخوف أي حد يبص فيها.
نادين جريت عليه تبوسه.
“حبيبي! ما قولتش إنك راجع بدري.”
باس خدها…
لكن عينيه ماكانوش عليها.
كانوا على كتفي.
ثم على ليان.
ثم آدم.
قال بهدوء: “رجعت بدري.”
صوته الهادي خوّفني أكتر من أي صراخ.
نادين بدأت تتكلم بسرعة عن العشا والأطفال.
أما أنا ففضلت واقفة جنب الباب وكتفي بيحرقني.
ولما عمر عدى جنبي…
وقف.
وقال: “اسمك إيه؟”
نادين ضحكت ضحكة خفيفة: “الخدامة الجديدة يا حبيبي. مريم. غبية شوية بس بتتعلم.”
لكنه ما بصش لها.
كرر: “مريم.”
ثم سألني: “إنتِ كويسة؟”
ماحدش في القصر كله سألني السؤال ده قبل كده.
بلعت ريقي وقلت: “أيوه يا فندم.”
لكن عينيه قالت إنه ما صدقش.
في الليل، بعد ما نومت الأطفال، دخلت أوضتهم ومعايا لبن دافي ومرهم لكدمات آدم.
ليان حضنتني بقوة لدرجة إن كتفي وجعني.
همست: “بابا شاف؟”
قلت: “مش عارفة.”
آدم مسك إيدي الصغيرة وقال: “إنتِ هتمشي؟”
حاجة جوايا اتكسرت.
قلت: “لا.”
“وعد؟”
بصيت لوشوشهم الصغيرة… وعيونهم المرهقة… وإيديهم اللي بتتشبث بأي أمان.
وهمست: “أوعدكم.”
وفي نفس اللحظة…
في مكتب بعيد داخل القصر…
كان عمر المنصوري بيتفرج على تسجيلات كاميرات نادين فاكرة إنها بايظة.
شاف العقاب.
وشاف الأوض المقفولة.
وشاف الكدمات.
وشاف خوف أولاده من مجرد رفع إيد.
ثم سمع صوتي وأنا بوعدهم إني مش هسيبهم.
ولأول مرة من سنين…
فهم أخطر راجل في البيت الحقيقة.
مراته ما دمرتش السلام بس.
دي خلت خادمة يتيمة… تبقى الأمان الوحيد اللي أولاده عرفوه.
ولما عمر قام من كرسيه…
كل الرجال اللي في المكتب فهموا حاجة واحدة.
نادين المنصوري…
لسه ما تعرفش إن نهايتها بدأت الليلة دي…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الجزء الثاني
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كان قصر المنصوري هادئًا بشكل يخوف.
النوع من الهدوء اللي يخليك تحس إن البيت نفسه بيحبس أنفاسه.
كنت قاعدة على الأرض جنب سرير آدم، ضامة البطانية على رجليه الصغيرة بعد ما نام أخيرًا من كتر العياط.
أما ليان… فكانت لسه صاحيه.
قاعده في سريرها، ضامة ركبها لصدرها، وعينيها ثابتين على الباب.
الأطفال اللي اتعودوا على الخوف ما يعرفوش يناموا بسهولة.
كل صوت بالنسبة لهم إنذار.
كل خطوة احتمال كارثة.
همست لها: “نامي يا حبيبتي.”
لكنها سألتني السؤال اللي خلاني أحس إن قلبي بيتعصر: “هو بابا زعلان مننا؟”
سكت ثواني.
كنت بكره السؤال ده. لأنهم كانوا بيسألوه كتير. وكأنهم مقتنعين إن أي حاجة وحشة بتحصل لهم لازم تكون بسببهم.
قربت منها ومسحت على شعرها. “ليه بتقولي كده؟”
بلعت ريقها. “نادين قالت إن بابا تعب بعد موت ماما بسببنا… وإن إحنا دايمًا بنفكره بالحاجة الوحشة.”
يا رب…
أطفال بعمرهم ما المفروضش يسمعوا الكلام ده.
قلت بهدوء: “أبوكِ بيحبك.”
همست بسرعة وكأنها خايفة حد يسمعها: “بس هو مش بيشوف.”
الجملة نزلت عليا كأنها س*كينة.
لأنها كانت حقيقية.
عمر المنصوري كان بيحب أولاده فعلًا. ده واضح في نظراته. في طريقته وهو بيبوس جبينهم. في الهدايا اللي بيرجع بيها من سفره.
لكن الحب لوحده ما بيحميش طفل.
الحماية محتاجة وجود. محتاجة ملاحظة. محتاجة حد يشوف.
وعمر… ماكانش شايف.
أو يمكن كان بيختار ما يشوفش.
قبل ما أرد عليها، سمعنا صوت خطوات في الممر.
ليان اتجمدت فورًا.
وآدم وهو نايم اتحرك بخضة صغيرة.
حتى وهم نايمين كانوا خايفين.
قمت بسرعة وبصيت من فتحة الباب.
كان “سامي”… واحد من رجال الأمن الداخلي في القصر.
وقف قدام الباب وقال بصوت واطي: “البيه عايزك تحت.”
قلبي نزل لرجلي.
دلوقتي؟
في الوقت ده؟
أول فكرة جت في بالي إنه عرف إني بتدخلت. إن نادين اشتكت. إنهم هيطردوني.
بصيت للأطفال.
ليان فهمت الخوف اللي في عيني فورًا. قامت من السرير بسرعة ونزلت تجري عليا. “إنتِ هتمشي؟”
آدم صحي على صوتها وبدأ يفرك عينيه. “مريم؟”
ركعت قدامهم بسرعة. “لا… بس لازم أنزل شوية.”
ليان مسكت إيدي بقوة. “لو رجعتيش؟”
الوجع اللي في صوتها كان أكبر من سنها بكتير.
حضنتها. “هرجع.”
ولأول مرة… حسيت إني بخاف فعلًا أسيبهم لوحدهم.
نزلت السلم الكبير وأنا حاسة إن رجلي تقيلة.
القصر بالليل كان مختلف.
أبرد. أغمق. وأخطر.
الأضواء الخافتة منعكسة على الرخام، وصوت كعبي الخفيف كان عامل صدى مزعج.
سامي وقف عند باب المكتب الضخم وقال: “ادخلي.”
بلعت ريقي ودخلت.
عمر المنصوري كان واقف عند الشباك. ضهره ليا. لابس قميص أسود مفتوح من فوق، وإيده ماسكة كوباية قهوة.
من غير ما يلف قال: “اقفلي الباب.”
قفلت الباب ورايا بإيد بتترعش.
ثواني عدت بصمت.
ثم لف ببطء.
يا رب…
الراجل ده لما يبص لحد تحس إنه بيقرأ كل حاجة جواه.
قال بهدوء: “نادين بتضربهم من إمتى؟”
اتجمدت.
ما توقعتش السؤال.
ولا الطريقة.
ولا إننا هنبدأ بالحقيقة مباشرة.
فتحت بقي علشان أتكلم… لكن ماطلعش صوت.
قرب خطوة.
“بصيلي وأنا بكلمك.”
رفعت عيني بصعوبة.
شاف الخوف. أكيد شافه.
قال: “أنا مش هأذيكي.”
الغريبة… إني صدقته.
بس ده ماكانش كفاية.
لأن ناس كتير بتقول كلام مطمّن قبل ما تدمر حياتك.
قلت بحذر: “أنا خدامة يا فندم… ومش من حقي—”
قاطعني بحدة مفاجئة: “من إمتى؟”
الصوت العالي خلاني أنتفض.
لكنه سكت فورًا. وكأنه اتضايق من نفسه.
حط الكوباية على المكتب. وقال أهدى: “جاوبي.”
بصيت للأرض. “من أول ما اشتغلت هنا تقريبًا.”
عض فكه بقوة.
“وأنتِ ما بلغتيش ليه؟”
ضحكة صغيرة مرة طلعت مني غصب عني.
بلغ؟ لمين؟
للست اللي بتضربهم؟
للخدم اللي بيخافوا منها؟
للراجل اللي طول الوقت غايب؟
لكن أول ما الضحكة طلعت ندمت. لأن عينيه بقت أخطر.
“في حاجة تضحك؟”
هزيت راسي بسرعة. “لا يا فندم.”
ثم همست بالحقيقة: “بس محدش كان هيصدقني.”
الصمت اللي بعد الجملة كان تقيل جدًا.
عمر لف وشه بعيد للحظة. وإيده اتمسكت بحافة المكتب بقوة.
سأل فجأة: “هي لمستك قبل كده؟”
ما رديتش.
وده كان رد كفاية.
رفع عينه ليا ببطء.
والله العظيم… عمري ما شفت الغضب بالشكل ده.
مش صريخ. مش تهديد.
حاجة أهدى… وأبشع.
قال: “وريّني كتفك.”
اتجمدت. “إيه؟”
“الصفعة.”
حاولت أقول إنها بسيطة لكنه كرر: “وريهولي.”
بإيد مرتعشة، بعدت ياقة البلوزة شوية.
الكدمة كانت بدأت تزرق.
وفجأة… الهواء في الأوضة اتغير.
عمر قرب ببطء.
مشيت خطوة لورا تلقائيًا.
وقف مكانه فورًا. كأنه لاحظ خوفي.
ثم قال بصوت منخفض جدًا: “هي عملت فيهم إيه تاني؟”
وساعتها…
ماقدرتش أكدب.
حكيت.
مش كل حاجة. لسه كنت خايفة.
لكن حكيت عن العقاب. الأكل. الخوف. الأوض المقفولة. التهديدات. الصوت الواطي. البكا الصامت.
كل كلمة كنت بقولها… ملامحه كانت بتقسى أكتر.
لحد ما قلت: “آدم بيستخبى تحت السرير لما يسمع كعبها.”
هنا… عمر قفل عينيه.
لثانية بس.
لكنها كانت ثانية رجل بينهار من جواه.
همس: “يا رب.”
ثم سألني السؤال اللي ما توقعتوش: “ليه فضلتي؟”
بصيت له بعدم فهم.
قال: “كان ممكن تمشي. كان ممكن تقولي مش مشكلتي.”
افتكرت وش آدم وهو بيسألني: “إنتِ هتمشي؟”
وقلت ببساطة: “علشان محدش كان بيحميهم.”
الصمت اللي بعد الجملة كان طويل.
عمر فضل يبصلي بطريقة غريبة… كأنه أول مرة يشوفني فعلًا.
مش خدامة.
إنسانة.
ثم سأل: “عمرك كام سنة؟”
“أربعة وعشرين.”
هز راسه ببطء. “صغيرة على اللي شوفتيه.”
الجملة وجعتني أكتر ما طمنتني.
لأنها كانت حقيقية.
فجأة… الباب اتفتح بعنف.
نادين دخلت.
لابسة روب حرير أحمر وشعرها مرتب كأنها طالعة إعلان.
لكن أول ما شافتني واقفة… عينيها ولعت.
“مريم؟”
ثم بصت لعمر بابتسامة مصطنعة. “حبيبي، الخدم قالوا إنك طلبتها. في حاجة؟”
عمر ما ردش.
فضل يبص لها بهدوء مرعب.
نادين ابتسامتها بدأت تهتز. “مالك؟”
قال: “تعالي اقفلي الباب.”
أنا حسيت بالخطر فورًا.
نادين نفسها حسّت.
لكنها ضحكت بخفة وقفلته.
ثانية واحدة بعدها…
عمر رمى ملف على المكتب بقوة.
صور مطبوعة اتناثرت.
صور من الكاميرات.
نادين وهي بتشد ليان بعنف. نادين وهي زاقة آدم. نادين وهي حابساهم في الأوضة.
لون وشها اختفى.
“عمر…”
قال بهدوء: “كملي.”
“دي مش—”
“كملي الكدب.”
صوته كان أوطى من الطبيعي. وده كان مرعب أكتر.
نادين بصتلي بكره خالص. “الخدامة دي بتحرضهم عليا! البنت دي مجنونة أصلًا والأولاد مدللين—”
عمر ضرب المكتب بإيده فجأة.
الصوت خلاني أنا نفسي أنتفض.
صرخ لأول مرة: “أولادي بيخافوا منك!”
نادين سكتت.
يمكن أول مرة تشوفه بالشكل ده.
قرب منها ببطء.
“آدم بيعتذر وهو بيرتعش من كوباية لبن.” “ليان بتغطي أخوها بإيدها كأنها أم مش طفلة.” “وأنتِ كنتِ بتعملي إيه؟”
نادين بدأت تعيط فورًا. الدموع نزلت بسرعة غريبة.
“أنا كنت بحاول أربيهم… إنت مش موجود! إنت سايبني لوحدي معاهم طول الوقت!”
“بالضرب؟”
“أنا مش أمهم الحقيقية! وهما بيكرهوني أصلًا!”
عمر بص لها للحظة طويلة.
ثم قال الجملة اللي غيرت كل حاجة: “إنتِ مش هتفضلي هنا الليلة.”
اتجمدت.
نادين شهقت. “إيه؟”
“هتمشي.”
“عمر!”
“دلوقتي.”
صوتها بقى هستيري. “علشان خدامة؟!”
هنا… عمر بصلي للحظة.
ثم قال بدون ما يحول عينه: “لا.”
وسكت ثانية.
“علشان ولادي.”
أول مرة… حد يختارهم.
أول مرة.
نادين قربت منه وهي منهارة. “إنت ما تقدرش تعمل كده!”
قال ببرود: “جربي.”
في أقل من نص ساعة… القصر كله كان صاحي.
الخدم بيجروا. الشنط بتتلم. الأمن واقف.
ونادين بتصرخ في الممرات: “دي مؤامرة! الخدامة دي لعبت بعقله!”
كنت واقفة فوق عند أوضة الأطفال، سامعة كل حاجة وقلبي بيرتعش.
ليان كانت مستخبية ورا ضهري. وآدم حضن رجلي.
وفجأة… سمعنا صوت نادين وهي بتصرخ تحت: “هترجعولي تبوسوا رجلي! فاكرين نفسكم كسبتوا؟!”
آدم بدأ يعيط بخوف.
لكن بعدها… سمعنا صوت عمر.
هادئ. وحاسم.
“خدوها بره.”
ثم… صوت الباب الرئيسي بيتقفل.
وصمت.
صمت غريب.
كأن القصر نفسه مش مصدق.
بعد دقائق… في خبط خفيف على الباب.
الأطفال اتجمدوا.
لكن الصوت جه: “ليان؟ آدم؟”
عمر.
ليان بصتلي بخوف. كأنها مش عارفة تعمل إيه.
فتحت الباب بهدوء.
عمر وقف قدامهم… ولأول مرة… شكله ماكانش مخيف.
كان مكسور.
عينيه حمرا. ووشه متعب بطريقة توجع.
ركع على ركبته قدامهم.
بس الأطفال ما جريوش عليه.
وده كان أسوأ عقاب ممكن ياخده أب.
صوته خرج مبحوح: “أنا آسف.”
ليان بدأت تعيط فورًا.
أما آدم… فسأل السؤال اللي ق*تل أي حد سمعه:
“هي مش هتزعلنا تاني؟”
عمر قفل عينيه كأنه اتضرب.
ثم فتحهم وقال: “لا.”
وساعتها فقط… آدم جري عليه.
وعمر حضنه كأنه خايف ابنه يختفي من بين إيديه.
أما ليان… ففضلت واقفة.
مترددة.
خايفة.
أنا حسيت بيها.
لأن الطفل لما ثقته تتكسر… حتى الحب بيخوفه.
عمر مد إيده ببطء. “تعالي يا ليان.”
بصتلي.
يا رب…
كانت مستنية الإذن مني أنا.
وده خلى ملامح عمر تتكسر أكتر.
هزيت راسي بلطف.
جريت عليه أخيرًا.
ولأول مرة من يوم اشتغلت في القصر… سمعت صوت ضحك طفل حقيقي.
لكن وأنا واقفة أبص لهم… ماكنتش أعرف إن الليلة دي ما كانتش النهاية.
دي كانت البداية بس.
لأن نادين وهي خارجة من القصر… ما كانتش بتبص لعمر.
كانت بتبص ليا أنا.
وبداخل العربية السودا… مسكت موبايلها واتصلت بحد.
وقالت بصوت مليان كره: “البنت دي لازم تختفي.”
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *