تحدي الكرامه حكـايـات أسمـا ×6

الفصل العاشر

 

“مستحيل.”

 

كانت تلك أول كلمة خرجت من فمي.

 

نظرت إلى الوجوه المحيطة بي.

 

سيف.

 

فارس.

 

المحامي.

 

حتى نادية.

 

الجميع كان ينظر إليّ.

 

كأنني أصبحت فجأة شخصًا آخر.

 

قلت بغضب:

 

“ده كلام فارغ.”

 

لكن خالد ضحك عبر الهاتف.

 

“يا ريت يكون فارغ.”

 

ثم أضاف:

 

“اسألي نادية.”

 

استدرت نحوها فورًا.

 

كانت تبكي بصمت.

 

لا تنكر.

 

لا تعترض.

 

فقط تبكي.

 

وهنا بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي.

 

قلت ببطء:

 

“أنا عايزة الحقيقة.”

 

رفعت نادية رأسها.

 

وكان وجهها منهارًا بالكامل.

 

وقالت:

 

“أنا ما كنتش عايزة تعرفي بالطريقة دي.”

 

تجمدت مكاني.

 

لأن هذه لم تكن إجابة شخص يسمع إشاعة.

 

بل إجابة شخص يعرف.

 

شخص عاش الحقيقة سنوات طويلة.

 

همست:

 

“إيه اللي تعرفيه؟”

 

أغلقت عينيها للحظة.

 

ثم قالت:

 

“أنتِ ما كنتيش بنت العيلة اللي اتربيتي فيها.”

 

شعرت كأن الأرض اختفت تحت قدمي.

 

ضحكت بذهول.

 

“إيه؟”

 

“الحقيقة إنك اتبنيتي.”

 

ارتفع صوتي فورًا.

 

“مستحيل.”

 

لكنها أكملت.

 

“الناس اللي ربوكي كانوا بيحبوكي بصدق.”

 

“اسكتي.”

 

“لكنهم ما كانوش والديك البيولوجيين.”

 

“اسكتي!”

 

كانت أنفاسي تتسارع.

 

وعقلي يرفض التصديق.

 

أنا؟

 

متبناة؟

 

بعد كل هذه السنوات؟

 

بعد كل الذكريات؟

 

بعد كل شيء؟

 

قالت نادية بصوت مرتجف:

 

“أمك الحقيقية كانت بنت محمود المنصوري.”

 

شعرت بدوار حاد.

 

وأمسكت حافة المكتب حتى لا أسقط.

 

أما سيف…

 

فكان يحدق بي بصدمة.

 

وكأن الكارثة تضاعفت.

 

قالت نادية:

 

“اسمها مريم.”

 

كان الاسم غريبًا عليّ.

 

لكنها أكملت:

 

“مريم كانت بنت محمود من زواج قديم وسري.”

 

“وبعدين؟”

 

خرج السؤال بصعوبة من فمي.

 

أخفضت نادية رأسها.

 

“العيلة رفضتها.”

 

شعرت بالغثيان.

 

لكنها أكملت.

 

“ولما حملت بيكي من راجل بسيط…”

 

صمتت.

 

ثم قالت:

 

“طردوها.”

 

ساد الصمت.

 

أما دموعي…

 

فبدأت تنزل دون أن أشعر.

 

قالت نادية:

 

“عاشت لوحدها سنين.”

 

“فين كانت؟”

 

همست بها.

 

ارتجف صوت نادية.

 

“ماتت بعد ولادتك بشهور.”

 

أغمضت عيني.

 

لم أستطع التنفس.

 

لم أستطع التفكير.

 

كل ما عرفته عن نفسي…

 

بدأ ينهار.

 

قال فارس بهدوء:

 

“إزاي وصلتي للعيلة اللي ربتها؟”

 

تنهدت نادية.

 

ثم قالت:

 

“محمود المنصوري عرف قبل ما يموت.”

 

“وعمل إيه؟”

 

“حاول يجيبك.”

 

ثم انكسر صوتها.

 

“لكن الوقت كان فات.”

 

نظر إليها سيف.

 

“يعني جدي كان عارف بوجودها؟”

 

أومأت.

 

“أيوة.”

 

“وليه ما قالش؟”

 

ضحكت بمرارة.

 

“لأننا منعناه.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضافت:

 

“كلنا.”

 

شعر الجميع بثقل الاعتراف.

 

سنوات من الأكاذيب.

 

وسنوات من الأسرار.

 

وسنوات من الظلم.

 

ثم قال المحامي فجأة:

 

“فيه حاجة مهمة.”

 

نظرنا إليه.

 

فتح ملفًا جديدًا.

 

وقال:

 

“فيه خطاب بخط يد محمود.”

 

شحب وجه نادية.

 

أما المحامي فأكمل:

 

“الخطاب كان مرفق مع الوصية.”

 

ثم بدأ يقرأ.

 

“إلى حفيدتي التي لم أقابلها يومًا…”

 

توقفت أنفاسي.

 

“…إذا وصلتك هذه الرسالة، فأنا أعتذر.”

 

ساد الصمت.

 

“…أعتذر لأنني كنت أضعف مما يجب.”

 

بدأت دموعي تنهمر.

 

“…وأعتذر لأنني لم أحمِ أمك كما كان يجب أن أفعل.”

 

اختنق صوت المحامي للحظة.

 

ثم تابع.

 

“…لكن إن وصلتِ إلى هذه الكلمات، فاعلمي أنني لم أنسكِ يومًا.”

 

لم يعد أحد في الغرفة يتكلم.

 

حتى نادية كانت تبكي.

 

ثم جاءت آخر جملة في الرسالة.

 

الجملة التي جعلت المحامي يتوقف.

 

وينظر إليّ مباشرة.

 

قال:

 

“وأترك لكِ ما لم أستطع أن أتركه لابنتي.”

 

رفع رأسه.

 

وأضاف:

 

“كل ما أملك.”

 

ساد صمت مطبق.

 

أما سيف…

 

فأغلق عينيه.

 

وفارس أطلق زفرة طويلة.

 

أما أنا…

 

فلم أفكر في المال.

 

ولا في الإمبراطورية.

 

ولا في الأسهم.

 

كل ما كنت أفكر فيه…

 

أن أمي ماتت وحدها.

 

وأن جدًا لم أعرفه…

 

ظل يبحث عني حتى آخر يوم في حياته.

 

لكن قبل أن يستوعب أحد حجم ما حدث…

 

انفتح باب المكتب بعنف.

 

ودخل أحد أفراد الأمن وهو يلهث.

 

صرخ:

 

“لازم تنزلوا حالًا!”

 

التفت الجميع إليه.

 

قال سيف:

 

“في إيه؟”

 

أجاب الرجل بوجه شاحب:

 

“خالد المنصوري رجع.”

 

تجمدت الأنفاس.

 

“إزاي؟”

 

قال الحارس:

 

“مش لوحده.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أضاف الجملة التي جعلت الجميع يندفع نحو النافذة:

 

“معاه قوات تنفيذ قضائي وأوامر جديدة…”

 

نظر إلينا بذهول.

 

“…وبيطالب بإخلاء القصر فورًا باسم المالك الجديد.”

الفصل الحادي عشر

 

“المالك الجديد؟!”

 

كان سيف أول من صرخ.

 

أما الحارس فهز رأسه بعصبية.

 

“أيوة يا فندم.”

 

لم ينتظر أحد أكثر من ذلك.

 

واندفعنا جميعًا نحو الشرفة الرئيسية المطلة على مدخل القصر.

 

وفي الأسفل…

 

كانت عشرات السيارات قد توقفت أمام البوابة.

 

رجال أمن.

 

محامون.

 

موظفون رسميون.

 

ووسطهم وقف خالد المنصوري.

 

هادئًا.

 

واثقًا.

 

كأنه يملك المكان بالفعل.

 

نظرت نادية إليه من الأعلى.

 

وكان وجهها شاحبًا.

 

همست:

 

“وصلنا للنهاية.”

 

لكن فارس لم يبدُ خائفًا.

 

بل ظل يراقب المشهد بصمت.

 

قال سيف:

 

“إزاي عمل كده؟”

 

أجاب المحامي:

 

“واضح إنه اشترى ديون المجموعة قبل إعلان الإفلاس.”

 

اتسعت أعين سيف.

 

“يعني إيه؟”

 

قال المحامي:

 

“يعني لو الديون أكبر من الأصول…”

 

ثم صمت.

 

“…يقدر يستحوذ على كل حاجة.”

 

شعر الجميع بالصدمة.

 

لكن فارس ظل هادئًا.

 

هادئًا بصورة غريبة.

 

لاحظت ذلك.

 

فسألته:

 

“إنت مش متفاجئ؟”

 

نظر إليّ.

 

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

“لأن خالد متأخر.”

 

قطبت حاجبي.

 

“إيه؟”

 

لكنه لم يجب.

 

في تلك اللحظة…

 

فُتحت أبواب القصر.

 

ودخل خالد.

 

هذه المرة دون أي تردد.

 

كان يمشي بثقة كاملة.

 

وخلفه مجموعة من المحامين.

 

توقف في منتصف القاعة الرئيسية.

 

ثم رفع رأسه نحونا.

 

وقال:

 

“مساء الخير.”

 

نزل سيف السلالم بسرعة.

 

حتى أصبح أمامه مباشرة.

 

وقال بغضب:

 

“إنت فقدت عقلك.”

 

ضحك خالد.

 

“بالعكس.”

 

ثم رفع ملفًا في يده.

 

“أنا معايا أحكام قانونية.”

 

خطف سيف الملف.

 

وبدأ يقرأ.

 

وكلما قرأ أكثر…

 

ازداد شحوبًا.

 

لأن الأوراق حقيقية.

 

مختومة.

 

وموقعة.

 

وقانونية بالكامل.

 

قال خالد:

 

“انتهى زمن المنصوري.”

 

ثم نظر إلى نادية.

 

“وأخيرًا جاء وقت الحساب.”

 

لكن نادية لم ترد.

 

بل ظلت تنظر إليه بحزن غريب.

 

وكأنها تنظر إلى طفل ضاع منها منذ سنوات.

 

فزاد غضبه.

 

وقال:

 

“بلاش النظرة دي.”

 

صمتت.

 

“متعمليش نفسك ضحية.”

 

ما زالت صامتة.

 

“أنا عشت عمري كله محروم من اسمي.”

 

هنا فقط تكلم فارس.

 

وقال بهدوء:

 

“وأنا كمان.”

 

التفت خالد إليه.

 

وتبادلا النظرات لأول مرة.

 

كانت بينهما أشياء كثيرة مشتركة.

 

أكثر مما يريد أي منهما الاعتراف به.

 

كلاهما عاش خارج العائلة.

 

كلاهما حُرم من حقه.

 

كلاهما حمل غضبًا طويلًا.

 

لكن الفرق كان واضحًا.

 

فارس بنى نفسه.

 

أما خالد…

 

فبنى نفسه فوق أنقاض الآخرين.

 

قال خالد:

 

“متقارنش نفسك بيا.”

 

رد فارس:

 

“أنا مش محتاج.”

 

ساد الصمت.

 

ثم اقترب فارس خطوة.

 

وقال:

 

“بس عندي سؤال.”

 

“إيه هو؟”

 

“بعد ما تاخد القصر.”

 

صمت.

 

“وبعد ما تاخد الشركة.”

 

صمت آخر.

 

“هتحس بإيه؟”

 

لم يرد خالد.

 

لأن السؤال أصابه في مكان لم يتوقعه.

 

أكمل فارس:

 

“هترجعلك طفولتك؟”

 

صمت.

 

“هترجعلك سنينك؟”

 

صمت.

 

“هتخليك سعيد؟”

 

لأول مرة…

 

اختفت الثقة من عيني خالد.

 

ولو لثانية واحدة فقط.

 

لكنها كانت كافية.

 

في تلك اللحظة…

 

دخل أحد المحامين مسرعًا.

 

وكان يحمل هاتفًا.

 

اقترب من خالد.

 

وهمس في أذنه.

 

فتغير وجهه فورًا.

 

قال خالد:

 

“إيه؟”

 

كرر المحامي المعلومة.

 

فتراجع خالد خطوة.

 

ثم أخرى.

 

قال بغضب:

 

“مستحيل.”

 

أما فارس…

 

فابتسم أخيرًا.

 

ابتسامة انتصار هادئة.

 

سأل سيف:

 

“في إيه؟”

 

رد فارس:

 

“أنا قولتلك إنه متأخر.”

 

نظر الجميع إليه.

 

فأخرج من جيبه ملفًا صغيرًا.

 

ووضعه فوق الطاولة.

 

ثم قال:

 

“قبل ما خالد يشتري ديون المجموعة…”

 

فتح الملف.

 

“…أنا اشتريتها.”

 

ساد الصمت.

 

ثم اتسعت أعين الجميع.

 

حتى خالد نفسه.

 

قال بذهول:

 

“إنت؟”

 

أومأ فارس.

 

“من سبعة شهور.”

 

شعر خالد بأن الأرض تهتز تحت قدميه.

 

أما فارس فأكمل:

 

“كل خطوة كنت بتعملها…”

 

وأشار إلى الأوراق.

 

“…كنت عارفها قبل ما تحصل.”

 

اقترب المحامي بسرعة من الملف.

 

وبدأ يراجعه.

 

ثم رفع رأسه بذهول.

 

وقال:

 

“ده صحيح.”

 

شهق سيف.

 

أما نادية…

 

فبدأت تبكي مرة أخرى.

 

لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف.

 

بل دموع راحة.

 

لأن الحرب التي ظنت أنها ستدمر كل شيء…

 

بدأت تقترب من نهايتها.

 

لكن بينما كان الجميع منشغلين بالصدمة…

 

صدر صوت صغير من خلفنا.

 

التفتنا جميعًا.

 

كان ياسين.

 

واقفًا بجوار الباب.

 

ينظر إلى الكبار بحيرة.

 

ثم قال بصوته الطفولي البريء:

 

“هو إحنا بقينا عيلة ولا لسه؟”

 

ساد صمت طويل.

 

طويل جدًا.

 

ولأول مرة منذ بداية هذه الفوضى كلها…

 

لم يهتم أحد بالمال.

 

ولا بالشركة.

 

ولا بالقصر.

 

لأن سؤال طفل صغير…

 

كان أهم من كل الإمبراطوريات.

 

أما الإجابة…

 

فلم تكن سهلة على أي منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *