اهملت جوزي روماني مكرم 1
أنا أهملت جوزي فترة بسبب مشكلة حصلت بينه وبين أهلي…
وللأسف، من غير ما أفكر، وقفت في صف أهلي بالكامل.
هما كانوا مبسوطين جدًا إني “عرفت قيمتهم” زي ما كانوا بيقولوا، وأنا وقتها صدّقت إن جوزي هو الغلطان الوحيد.
يومها خرجت من بيتي وأنا متعصبة، حتى هدومي ماخدتش غير كام حاجة بسرعة، وسيبته واقف في الصالة ساكت… ساكت بطريقة خوفتني للحظة، بس كبريائي منعني أبصله تاني.
أمي أول ما دخلت قالت وهي بتحضني: — “كده الصح… الراجل لازم يعرف إن وراكي ناس.”
وأخويا ضحك: — “سيبيه يتربى يومين وهيجيلك يعتذر.”
الغريب إنهم كانوا فرحانين أكتر مني.
أما أنا… فكنت بحاول أقنع نفسي إني صح.
أول أسبوع، كنت مستنية أي رسالة منه… أي محاولة صلح… أي حاجة. لكن مفيش.
لا اتصل. لا بعت. ولا حتى سأل عليا عن طريق حد.
وده جنني أكتر.
كل شوية أمسك الموبايل وأفتحه، ألاقي الشاشة فاضية. كنت أقول لنفسي: “أكيد بيعاند.” “أكيد مستني أبادر.” “أكيد زعلان.”
بس الأيام عدت… وسكوته كان تقيل بطريقة تخوف.
في بيت أهلي، الدنيا كانت ماشية عادي جدًا. أبويا ينزل شغله. أمي تتخانق مع إخواتي. كل واحد يدخل أوضته مع مراته آخر اليوم. وأنا؟ أنا الوحيدة اللي بنام لوحدي.
أول مرة حسيت بالفراغ كانت الساعة اتنين بالليل. صحيت مفزوعة من النوم، ومديت إيدي على السرير… ملقتش حد.
ساعتها بس افتكرت إني مهما كنت زعلانة منه… كنت متعودة عليه. متعودة إنه يسألني: “نمتي؟” متعودة إنه يغطيني لو البلكونة مفتوحة. متعودة حتى على خناقنا.
لكن هناك… كنت مجرد بنت راجعة بيت أهلها.
مرة سمعت مرات أخويا الصغيرة بتهمس لجوزها في المطبخ: — “هي هتفضل قاعدة كتير؟”
سكتُّ مكاني.
وأخويا رد بصوت واطي: — “معرفش… بس واضح إن الموضوع كبير.”
الكلمة جرحتني أكتر مما توقعت.
بقيت أحس إني ضيفة تقيلة. حتى أمي، اللي كانت بتحرضني في الأول، بدأت كل شوية تقول: — “هو لسه ماجاش يصالحك؟” وكأنها مستغربة إن الموضوع طول.
في ليلة، كنت قاعدة لوحدي في البلكونة، ماسكة الموبايل وببص على صورنا. لقيت نفسي بفتح الشات بينا.
حكايات رومانى مكرم
آخر رسالة منه كانت قبل ما أمشي بساعات: “أنا مستحمل الدنيا كلها… إلا إنك تبقي ضدي.”
وقتها كنت قريت الرسالة بعصبية وقفلت الموبايل. لكن لما رجعت قريتها بعد أسبوعين… قلبي وجعني بطريقة بشعة.
فضلت أبص على صورته شوية… وبعدين كتبت: “ممكن نتكلم؟”
إيدي فضلت مرتعشة فوق زر الإرسال.
لكن قبل ما أبعت… لقيت صورة جديدة نزلها على حالته.
قلبي وقف.
كان واقف في محل دهب… وواقف جنبه بنت لابسة إسدال أسود، وشها مش واضح. والكابشن: “بعض النهايات… بدايات أهدى.”
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
اتصلت بيه فورًا.
رن مرة… اتنين… تلاتة…
وبعدين قفل.
فضلت أبعتله رسائل بجنون: “مين دي؟” “إنت بتعمل إيه؟” “رد عليا!”
ولا رد.
دخلت أوضة أمي وأنا منهارة: — “هو بيتجوز عليا!”
حكايات رومانى مكرم
أمي اتخضت: — “إيه؟!”
لكن أبويا، اللي كان ساكت طول الفترة اللي فاتت، رفع عينه من الجرنال وقال ببرود: — “ما انتي اللي سيبتي بيتك.”
الجملة نزلت على وشي زي الكف.
لأول مرة… محدش وقف في صفي.
حتى إخواتي بقوا يتجنبوا الكلام معايا في الموضوع. أما أنا، فبقيت أراقب حالته طول الوقت زي المجنونة.
وفي اليوم التاني… نزل صورة تانية.
علبة شبكة مفتوحة… وخاتم ست واضح جدًا.
المرة دي ما استحملتش.
لبست بسرعة ونزلت أجري من البيت من غير ما أقول لحد. ركبت تاكسي وروحت على شقتي.
طول الطريق قلبي كان بيدق بعنف. كنت متخيلة إني أول ما أوصل هلاقيه قاعد مع البنت دي… أو يمكن أهلها موجودين… أو يمكن فعلًا بيخطب.
#الكاتب_رومانى_مكرم
طلعت السلم وأنا حرفيًا رجلي بتترعش.
لكن أول ما وصلت للدور… اتصدمت.
باب شقتي كان مفتوح.
وفيه ضحك جاي من جوه.
دخلت الشقة بخطوات مرتعشة، وصوت الضحك كان بيعلى كل ما بقرب من الصالة. كنت متوقعة أشوف “العروسة الجديدة” أو أهلها، كنت مستعدة للانهيار أو المواجهة.. لكن المنظر اللي شفته جمدني مكاني.
جوزي كان قاعد على الكنبة، وجنبه أخته الصغيرة “نور”، وقدامهم علب بيتزا وبيبسي، وصوت التلفزيون عالي بفيلم كوميدي. أول ما شافني، الضحكة اختفت من وشه فورًا، وحلّ مكانها ملامح باردة وناشفة زي الحجر.
نور قامت بسرعة وهي مرتبكة:
— “أهلاً يا أبله.. نورتي بيتك.”
بصيت لها وبعدين بصيت له، كنت لسه بنهج من الجري والتوتر، قولت بصوت مهزوز:
— “مين اللي كانت معاك في محل الدهب؟ وإيه حكاية الشبكة اللي نزلتها؟”
قام وقف بهدوء مستفز، وحط إيده في جيبه وقال لـ أخته:
— “ادخلي يا نور أوضتك دلوقتي.”
أخته دخلت وقفلت الباب، وفضلنا إحنا الاتنين لوحدنا. السكوت كان بيخنقني، لحد ما هو قطعه وقال ببرود:
— “الشبكة دي لـ نور.. خطوبتها الخميس الجاي، وكنت بشتريلها هديتها.. والبنت اللي كانت معايا دي هي، بس كانت لابسة إسدال لأننا كنا نازلين بعد الصلاة علطول.”
حسيت براحة لوهلة، بس الراحة دي اتبخرت لما كمل كلامه:
— “بس تفتكري ده يفرق في إيه؟ إنتي نزلتي من هنا وإنتي بايعة، ووقفتي مع أهلك ضدي في موضوع هما اللي كانوا غلطانين فيه.. والنهاردة جاية تسألي على صورة، مش جاية تسألي على بيتك اللي سيبتيه.”
دموعي نزلت غصب عني وقولتله:
— “أنا غلطت.. بس كنت مستنياك تيجي تاخدني، كنت فاكرة إن كرامتي عندك أهم من كدة.”
ضحك بوجع ورد عليا:
— “كرامتك؟ وإنا كرامتي فين لما مراتي تسيبني واقف في نص الصالة وتمشي ورا كلام أهلها وهي عارفة إنهم ظالميني؟ إنتي سيبتي فراغ يا “هبة”، بس الفراغ ده أنا مليته بالهدوء.. اكتشفت إني من غير نكدك ومشاكل أهلك، بالي أرشق بكتير.”
قربت منه وحاولت أمسك إيده:
— “أنا رجعت خلاص.. مش هسيب البيت تاني.”
سحب إيده بهدوء وبص في عيني بنظرة غريبة:
— “مين قال إن الباب لسه مفتوح؟ الشنطة اللي إنتي لميتي فيها هدومك وانتي ماشية، لسه مكانها.. والنهاردة إنتي جاية “ضيفة” لحد ما نشوف الحكاية دي هتخلص على إيه.. لأن الثقة اللي اتكسرت، مبيصلحهاش مجرد رجوع.”
سابني ودخل البلكونة، وقفت في نص الصالة اللي كانت من كام أسبوع مملكتي، ودلوقتي حاسة إني غريبة فيها. بصيت على الشقة، كانت نظيفة ومرتبة، وكأنه فعلًا بدأ يتعود على غيابي.
دخلت المطبخ عشان أعمله القهوة اللي بيحبها، لقيت ورقة متعلقة على الثلاجة بخط إيده: “قائمة مشتريات الخطوبة”. مكنش فيها اسمي في أي بند.. مكنش فيه أي إشارة إن ليا مكان في ترتيبات الأيام الجاية.
فجأة جالي تليفون من أمي، رديت وأنا بحاول أخبي صوتي المبحوح:
— “أيوة يا ماما.”
أمي بصوت حاد:
— “إنتي روحتي له؟ إنتي كدة بتصغرينا يا بنتي.. ارجعي فورًا وخليه هو اللي يجي يجر شكلك من هنا.”
بصيت لجوزي اللي كان واقف في البلكونة مدي ظهره للدنيا كلها، وبصيت للموبايل في إيدي، ولقيت نفسي قدام خيار أصعب من خيار يوم ما مشيت.
في اللحظة دي، خرج هو من البلكونة وبصلي وقال:
— “تليفون مامتك ده، هو اللي هيحدد إنتي داخلة الشقة دي بشنطتك، ولا خارجة منها بكرامتك اللي باقية.. اختاري صح المرة دي يا “هبة”، لأن دي آخر فرصة.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
