سر العائلة المفقود حكـايـات أسمـا ×1

اختبأت في غرفة النوم الخطأ داخل جناح أخطر رجل أعمال في البلاد … ثم اكتشف أنني السر الذي دفنته عائلته منذ عشرين عامًا.
ــ أنا سألت عن الساعة؟
أخرج حازم هاتفه من جيبه وابتعد بصمت.
قادني سليم الحديدي إلى مكتب واسع في الطابق الأرضي من القصر. المكان كله كان مغطى بالأخشاب الداكنة والجلد الأسود، ورفوف كتب ضخمة تمتد حتى السقف، ومدفأة مشتعلة رغم دفء ليلة أبريل القاهرية. وعلى الطاولة الجانبية كانت توجد زجاجة كريستال فاخرة، وبجانبها رقعة شطرنج ما تزال لعبتها قائمة.
كل شيء في الغرفة كان يقول شيئًا واحدًا:
سلطة… وصبر… ومال قديم لا يحتاج لإثبات نفسه.
قال بصوته العميق:
ــ اقعدي.
جلست أمام مكتبه لأن قدميّ بدأتا ترتجفان فعلًا.
سكب سليم كوبًا من الماء ووضعه أمامي.
لا خمر.
لا تهديد.
فقط… ماء.
وذلك اللطف البسيط كاد يحطم ما تبقى مني.
أمسكت الكوب بكلتا يديّ وشربت بسرعة حتى اختنقت.
راقبني بصمت دون أن يعلّق.
بعد دقائق، دخلت امرأة في الستين من عمرها تحمل حقيبة طبية سوداء. كان شعرها الرمادي مرفوعًا بعناية، وعلى وجهها ملامح امرأة رأت من المصائب ما يكفي لتتوقف عن الدهشة.
نظرت إليّ وقالت:
ــ واضح إن الليلة طويلة.
قال سليم ببرود:
ــ عالجيها.
رمقته بنظرة حادة وردت:
ــ أنا مش واحدة من رجالتك يا سليم. هفحصها الأول وبعدين أقرر.
ثم التفتت نحوي.
ــ اسمك؟
ــ يارا الشاذلي.
ــ دكتورة منى فؤاد… وريني ذراعك.
بدأت تنظف الجرح بينما وقف سليم قرب المدفأة، صامتًا وثابتًا كأنه تمثال رخامي. كان الجرح سطحيًا لكنه مؤلم، مجرد قطع طويل سببه سلك حديدي عند سور المخزن.
لفّت الضمادة حول ذراعي ثم فحصت عينيّ وسألتني إن كنت تعرضت للضرب أو أشعر بالدوار.
ــ إحنا في يوم إيه؟
همست:
ــ الثلاثاء.
ابتسمت بخفة:
ــ رسميًا بقى الأربعاء… بس قريب كفاية.
أعطتني مسكنين ثم قالت لسليم:
ــ البنت محتاجة راحة، أكل، هدوم نظيفة… ومن غير أي تحقيق لمدة ساعة على الأقل.
ارتفع حاجبه بهدوء.
أغلقت الدكتورة منى حقيبتها بقوة وقالت:
ــ بصلي النظرة دي تاني وأنا هحكي لكل القاهرة إنك كنت بتعيط لما شلتلك الرصاصة من كتفك سنة ٢٠١٤.
كتم حازم ضحكة قرب الباب.
ولأول مرة، خفّ التوتر في الغرفة قليلًا.
نظرت إليّ الدكتورة منى بعطف متعب وقالت:
ــ البيت ده خطر يا بنتي… لكن الليلة دي يمكن يكون أأمن من الشارع.
كانت تلك أول جملة صادقة ومريحة أسمعها منذ ساعات.
بعد مغادرتها، أمر سليم بإحضار الطعام. وبعد دقائق وصلت صينية عليها شوربة ساخنة وخبز وتفاح وشاي بالعسل. لم أدرك كم كنت جائعة حتى بدأت الأكل فعلًا. كانت يداي ما تزالان ترتجفان، لكن الدفء بدأ يعود ببطء إلى جسدي.
جلس سليم مقابلي وقال:
ــ دلوقتي… احكيلي كل حاجة من البداية.
وفعلت.
أخبرته أنني أغلقت محل الورود متأخرة لأن عروسًا غيّرت ديكور الفرح للمرة الثالثة. وأخبرته أنني اتصلت بالمورد في مدينة نصر أرجوه أن ينتظر عشر دقائق إضافية لأنني كنت بحاجة لزهور التوليب البيضاء قبل الصباح.
وحكيت له كيف أخذت الطريق الخلفي بجوار المخزن لأنني مررت منه عشرات المرات من قبل.
ثم أخبرته عن الباب المفتوح… والشجار… وصوت الرصاصة… والرجل الذي سقط… والدم… والرجل المسلح الذي التفت نحوي.
وعندما وصفت وشم الأفعى على يده، تصلب فك سليم فجأة.
قال بصوت منخفض:
ــ ده فريد الروسي… كلب رفعت فولاذ.
همست:
ــ أنت تعرفه؟
ــ أعرف كل شخص خطير كفاية إنه يدخل حساباتي.
ــ إذًا تعرف مين اللي قتله؟
استند إلى الكرسي وقال:
ــ هنا المشكلة.
ــ كان واحد من رجالتك؟
ــ لا.
كان المفترض أن أشعر بالراحة… لكن خوفي ازداد أكثر.
قلت بتوتر:
ــ طب ليه الموضوع مهم؟
نظر إليّ مباشرة وقال:
ــ لأن المخزن اللي شفتي فيه جريمة القتل تابع لشركة من شركاتي.
تجمدت مكاني.
ــ لكنك قلت إن الناس دي تبع رفعت فولاذ.
ــ الرجل المسلح يتبع فولاذ… لكن الأرض أرضي. وده معناه واحد من ثلاثة احتمالات.
رفع إصبعًا واحدًا.
ــ يا إما فولاذ بيستفزني.
ــ يا إما حد استخدم مخزني من غير إذني.
ــ يا إما حد عايز جثة تتلاقي في ممتلكاتي علشان يلبسني جريمة قتل أنا ما أمرتش بيها.
سألته بصوت مرتجف:
ــ وأي احتمال فيهم الصح؟
استقرت عيناه عليّ للحظات طويلة.
ثم قال بهدوء مرعب:
ــ ده يعتمد على الشخص اللي مات.
تذكرت صوت سقوط الرجل فوق الأرض الخرسانية، وذلك الصوت الرطب المرعب الذي لن أنساه أبدًا، فضممت ذراعي حول نفسي وهمست:

كان صوت أنفاسي هو الشيء الوحيد الذي أسمعه داخل المكتب الثقيل.
حتى النار المشتعلة في المدفأة بدت وكأنها تخاف أن تصدر صوتًا أمام سليم الحديدي.
أما هو… فكان يراقبني بنفس النظرة الثابتة التي تجعل أي شخص يشعر وكأنه تحت التحقيق حتى لو لم يتكلم.
ضممت ذراعي أكثر حول نفسي وأنا أحاول نسيان ذلك الصوت…
صوت الجثة وهي ترتطم بالأرض الخرسانية داخل المخزن.
قال سليم أخيرًا:
ــ الشخص اللي مات اسمه نادر السيوفي.
هز الاسم شيئًا داخلي بطريقة غريبة.
ليس لأنني أعرفه…
بل لأن الاسم بدا مألوفًا بشكل مؤلم.
كأنني سمعته قديمًا جدًا… في حلم… أو في طفولة بعيدة.
لاحظ سليم ارتباكي.
ــ تعرفيه؟
هززت رأسي بسرعة.
ــ لا… أبدًا.
لكن ملامحه لم ترتخِ.
وقف من مكانه واتجه نحو رف الكتب خلفه، ثم أخرج ملفًا بنيًا قديمًا ووضعه أمامي على المكتب.
كان عليه غبار خفيف.
كأن أحدًا لم يفتحه منذ سنوات.
قال:
ــ افتحيه.
ترددت للحظة قبل أن أمد يدي.
في الداخل كانت توجد صور قديمة… أوراق… وتقارير صحفية باهتة.
ثم رأيتها.
صورة لعائلة تقف أمام فيلا ضخمة.
رجل أنيق يرتدي بدلة رمادية.
امرأة جميلة بفستان أبيض.
وطفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة تحمل دمية أرنب وردية.
توقفت أنفاسي.
لأن الطفلة…
كانت أنا.
شعرت بالأرض تهتز تحت قدمي.
حدقت بالصورة مرة… واثنتين… وعشر مرات.
نفس العينين.
نفس الشامة الصغيرة قرب الحاجب.
حتى الدمية…
همست بصوت مخنوق:
ــ إيه ده…؟
قال سليم بهدوء مرعب:
ــ اسمك الحقيقي مش يارا الشاذلي.
رفعت رأسي نحوه ببطء.
ــ إنت بتقول إيه؟
ــ اسمك الحقيقي يارا الحديدي.
تجمد كل شيء داخلي.
لا.
لا يمكن.
ضحكت فجأة بعصبية.
ضحكة مرتجفة تشبه البكاء.
ــ أنت مجنون.
لم يرد.
فقط دفع الملف نحوي أكثر.
كانت هناك شهادة ميلاد قديمة.
الاسم: يارا سليم الحديدي.
تاريخ الميلاد: ٢٠٠١.
الأب: سليم الحديدي.
اختفى الهواء من الغرفة.
شعرت أن صدري ينهار بالكامل.
ــ لا…
خرجت الكلمة ضعيفة جدًا.
ــ مستحيل…
قال سليم بصوت منخفض:
ــ اختفيتي من عشرين سنة.
تراجعت للخلف فوق الكرسي.
رأسي بدأ يدور بعنف.
ــ أنا… أنا يتيمة.
ــ لا.
ــ أمي ماتت وأنا صغيرة.
ــ اللي ربتك اسمها نوال الشاذلي… وكانت المربية الخاصة بيكي.
رفعت عيني إليه بصدمة.
لأول مرة منذ دخلت هذا القصر…
رأيت شيئًا يشبه الألم في عينيه.
قال:
ــ خطفتك وهربت.
انفجر رأسي بالكامل.
ــ كدب!
وقف حازم قرب الباب فورًا عندما ارتفع صوتي.
أما سليم فلم يتحرك.
ــ نوال اشتغلت عندنا خمس سنين. وبعد وفاة مراتي… اختفيتي في نفس الليلة.
ارتجفت يداي فوق الملف.
مراتي.
إذًا…
والدتي؟
بلعت ريقي بصعوبة.
ــ أمي… ماتت؟
أغمض عينيه للحظة قصيرة.
ــ اتحرقت عربيتها على طريق الإسماعيلية.
اختنقت أنفاسي.
كل حياتي…
كل شيء عرفته…
كان كذبة؟
همست:
ــ ونوال قالتلي إننا هربنا من ناس كانوا عايزين يقتلونا…
رد ببرود:
ــ لأنها كانت عارفة إنك لو عرفتي الحقيقة هترجعيلي.
ارتفع غضبي فجأة وسط الرعب.
وقفت من مكاني بعنف.
ــ وأنت عايزني أصدقك ليه؟!
ــ لأن عندي دليل.
فتح درج مكتبه وأخرج صندوقًا صغيرًا أسود.
ثم وضعه أمامي ببطء.
فتحت الصندوق…
وشهقت.
داخله كانت توجد سلسلة فضية صغيرة.
سلسلة أعرفها جيدًا.
كنت أرتديها وأنا طفلة.
يوجد عليها حرف Y صغير.
لطالما سألت نوال عنها.
وكانت دائمًا تبكي وتقول:
“دي الحاجة الوحيدة اللي كانت معاكي.”
أمسكت السلسلة بأصابع مرتجفة.
ثم انتبهت لشيء آخر.
هناك نقش صغير جدًا خلف الحرف.
قرأته بصعوبة.
“يارا… قلب بابا.”
انكسرت أنفاسي تمامًا.
سقطت فوق الكرسي وأنا أحاول ألا أبكي.
لكن الدموع نزلت رغمًا عني.
عشرين سنة.
عشرين سنة وأنا أعيش حياة ليست حياتي.
عشرين سنة وأنا أظن نفسي فتاة عادية تعمل في محل ورد صغير بحي شعبي…
بينما الحقيقة…
أنني ابنة أخطر رجل أعمال في مصر.
جلس سليم أمامي ببطء.
ولأول مرة…
لم يكن يبدو كرجل خطير.
بل كرجل متعب جدًا.
قال بصوت منخفض:
ــ دورت عليكي في كل مكان.
رفعت رأسي نحوه والدموع تملأ وجهي.
ــ ليه؟
ظهرت قسوة غريبة في عينيه.
ــ لأنك آخر حاجة فاضلالي من أمك.
ساد الصمت للحظات طويلة.
ثم سألته السؤال الذي كان يحرق رأسي:
ــ طب… نادر السيوفي مات ليه؟
تغيرت ملامحه فورًا.
عاد الرجل البارد مرة أخرى.
ــ لأنه كان يعرف مين خطفك.
تجمدت مكاني.
ــ إيه؟
ــ نادر كان محاسب قديم عند رفعت فولاذ… ومن أسبوعين بدأ يبيع معلومات.
اقترب حازم وقال:
ــ قبل ما يموت بساعات بعت رسالة مجهولة فيها اسمك.
ارتجف قلبي بعنف.
ــ اسمي؟
أومأ سليم.
ــ قال إن يارا الحديدي عايشة… وإن رفعت فولاذ عارف مكانها من سنين.
شهقت بصدمة.
ــ يعني إيه؟
قال سليم:
ــ يعني غالبًا اختفاؤك ماكانش مجرد خطف.
شعرت بالبرد يلتهم جسدي بالكامل.
ــ تقصد إن رفعت فولاذ…
ــ كان له علاقة باللي حصل من البداية.
تذكرت فجأة أشياء صغيرة من طفولتي.
رجال يراقبون البيت.
نوال وهي تغلق الستائر بخوف.
انتقالنا المستمر من حي لحي.
أسماء مزيفة.
مدارس مختلفة.
كنت أظنها حياة عادية.
لكنها لم تكن كذلك أبدًا.
سألته بصوت مرتجف:
ــ وإذا كان رفعت يعرف مكاني… ليه سابني عايشة؟
صمت سليم للحظة.
ثم قال:
ــ يمكن لأنه كان مستني الوقت المناسب يستخدمك فيه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
رن هاتف حازم بعنف.
رد بسرعة… ثم تغير وجهه بالكامل.
ــ سليم باشا…
رفع سليم عينيه نحوه.
قال حازم ببطء:
ــ البوابة الخارجية اتضرب عليها نار.
تجمد الهواء داخل الغرفة.
ثم أكمل:
ــ وفي رسالة وصلتلنا.
ــ من مين؟
نظر حازم نحوي مباشرة.
ثم قال:
ــ رفعت فولاذ.
صمت ثقيل سقط فوق المكان.
فتح حازم الرسالة على الهاتف ومده لسليم.
قرأها للحظة…
ثم تحولت عيناه إلى جليد حقيقي.
سألته بخوف:
ــ مكتوب فيها إيه؟
رفع نظره نحوي أخيرًا.
وقال بهدوء أخطر من الصراخ:
ــ بيقول… “البنت رجعت لصاحبها أخيرًا… بس المرة دي أنا اللي هاخدها بنفسي.”
الكتابة
اختبأت في غرفة النوم الخطأ داخل جناح أخطر رجل أعمال في البلاد… ثم اكتشف إن البنت اللي أنقذها هي ابنته المختفية من عشرين سنة 💔🔥
ولما الحقيقة ظهرت… وصلت رسالة من عدوه القديم: “المرة دي أنا اللي هاخدها بنفسي.” 😨
تفتكروا رفعت فولاذ عايز يارا ليه؟ 👀
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *