تحدي الكرامه حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السادس
تحول مكتب نادية المنصوري إلى غرفة تحقيق.
لم يعد أحد يفكر في الزفاف.
ولا في الضيوف.
ولا حتى في الصحفيين الذين بدأوا يتجمعون خارج بوابات القصر.
الجميع كان ينظر إلى نادية.
ونادية فقط.
أما هي فكانت جالسة في مكانها كتمثال من حجر.
وجهها شاحب.
وعيناها ثابتتان على الفراغ.
قال سيف ببطء:
“عايز أفهم.”
لم تجب.
“المحامي بيتكلم عن مئات الملايين.”
صمت.
“مين الشخص ده؟”
ما زالت صامتة.
ضرب بيده فوق المكتب بعنف.
حتى ارتجفت الأكواب الزجاجية.
“مين؟!”
لكن الإجابة جاءت من شخص آخر.
المحامي.
قال عبر الهاتف:
“التحويلات كلها كانت تخرج من شركات تابعة للمجموعة على دفعات صغيرة.”
أخذ نفسًا عميقًا.
“علشان محدش يلاحظ.”
نظر سيف إليه بصدمة.
“قد إيه المبلغ؟”
رد المحامي:
“آخر مراجعة وصلت لـ 487 مليون جنيه.”
ساد الصمت.
حتى أنا شعرت بالذهول.
رقم مرعب.
قال سيف:
“ودي راحت لمين؟”
فتح المحامي ملفًا جديدًا.
ثم قال:
“الحسابات كلها كانت باسم شركة خارجية.”
“اسمها إيه؟”
أجاب:
“شركة النور للاستثمار.”
قطب سيف حاجبيه.
“أول مرة أسمع عنها.”
لكن نادية أغلقت عينيها.
وهنا فهم الجميع أنها تعرف الاسم جيدًا.
قال المحامي:
“المشكلة إن الشركة دي وهمية.”
اختفى اللون من وجه سيف.
“إزاي؟”
“مفيش نشاط تجاري حقيقي.”
“يعني غسيل أموال؟”
صمت المحامي.
وكان ذلك كافيًا.
في تلك اللحظة…
رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل رئيس هيئة الرقابة المالية.
شحب وجهه فورًا.
وأجاب بسرعة.
استمع لدقائق.
ثم أغلق الخط ببطء.
وسقط على الكرسي.
سألته:
“في إيه؟”
رفع رأسه نحوي.
وقال:
“فيه تحقيق رسمي اتفتح.”
ثم نظر إلى والدته.
“والاسم الرئيسي فيه هو نادية المنصوري.”
ساد الصمت.
أما نادية…
فأخذت نفسًا طويلًا.
ثم قالت أخيرًا:
“كنت بحاول أحمي حد.”
نظر إليها الجميع.
“مين؟”
هنا فقط…
بدأت الدموع تنزل من عينيها.
ولأول مرة منذ عرفتها…
بدت عجوزًا.
متعبة.
مكسورة.
قالت بصوت مرتجف:
“ابني.”
تجمد سيف.
“أنا ابنك.”
هزت رأسها ببطء.
“لا.”
ساد صمت مرعب.
أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قال سيف:
“إيه معنى لا؟”
رفعت رأسها.
ونظرت إليه.
ثم قالت الجملة التي فجرت كل شيء:
“عندك أخ.”
لم يتحرك أحد.
لم يتنفس أحد.
حتى الأطفال في الغرفة المجاورة توقف صوتهم.
قال سيف ببطء:
“إيه؟”
أغلقت عينيها.
“قبل جوازي من أبوك بسنين.”
بدأ صوتها يختنق.
“كنت بحب راجل تاني.”
تجمد الجميع.
“ولما سيبته…”
انهمرت دموعها.
“اكتشفت إني حامل.”
اتسعت عينا سيف.
بينما واصلت:
“جديك كانوا رافضين العلاقة.”
“فأجبروني أتجوز أبوك.”
لم يكن أحد يتوقع ما يسمعه.
قالت:
“بعد الولادة أخدوا الطفل مني.”
شهقت.
ثم أكملت.
“واتربى بعيد.”
نظر إليها سيف بذهول.
“وأنتِ فضلتي تعرفيه؟”
أومأت برأسها.
“طول عمري.”
“وكل الفلوس دي؟”
انهارت باكية.
“كنت بصرف عليه.”
صرخ سيف:
“بنص مليار جنيه؟!”
لكن الصدمة لم تنته.
لأن المحامي قال فجأة:
“فيه حاجة أغرب.”
التفت الجميع نحوه.
فتح ملفًا جديدًا.
ثم قال:
“الشخص ده مش محتاج الفلوس أصلًا.”
قطبت حاجبي.
“يعني إيه؟”
رد:
“الرجل ده ملياردير.”
ساد الصمت.
أما نادية فرفعت رأسها فجأة.
قال المحامي:
“ثروته الحالية أكبر من ثروة المنصوري نفسها.”
شهق سيف.
“إزاي؟”
رد المحامي:
“لأن الفلوس اللي كانت بتتحول له اتحولت لاستثمارات.”
ثم فتح صفحة أخرى.
وقال:
“والمفاجأة إنه اشترى خلال السنتين اللي فاتوا نسبة ضخمة من أسهم شركات المنصوري.”
تجمد سيف.
وأنا أيضًا.
لأن المعنى أصبح واضحًا.
همس سيف:
“مستحيل…”
أومأ المحامي.
“بالعكس.”
ثم أضاف:
“هو دلوقتي أكبر مساهم فردي في المجموعة.”
سقط الصمت على الغرفة.
أما نادية…
فبدأت ترتجف بعنف.
لأنها فهمت ما لم يفهمه الآخرون بعد.
قال سيف:
“هو فين؟”
فتح المحامي آخر صفحة.
ثم رفع رأسه.
وقال:
“هيوصل القصر خلال عشر دقائق.”
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة إلى هاتف الأمن الرئيسي.
قرأها الرجل.
ثم نظر إلينا بذهول.
وقال:
“الموكب وصل البوابة.”
اقترب من النافذة.
وأزاح الستارة.
نظر الجميع إلى الخارج.
وكان ما رأوه كافيًا ليجعل الدم يتجمد في العروق.
عشر سيارات سوداء فاخرة.
وحراسة خاصة.
وموكب لم يُشاهد مثله في القصر منذ سنوات.
أما نادية…
فأجهشت بالبكاء.
لأنها عرفت أن ابنها الأول عاد أخيرًا.
لكن ليس كابن ضائع.
بل كرجل يملك القوة الكافية لإسقاط عائلة المنصوري بأكملها.
وكان يحمل في قلبه غضبًا عمره أربعون عامًا.
الفصل السابع
توقف الزمن داخل القصر.
لم يعد أحد يفكر في الزفاف.
ولا في العروس التي أغلقت على نفسها إحدى الغرف.
ولا في الصحفيين الذين احتشدوا خلف البوابات الحديدية.
كل الأنظار اتجهت نحو النافذة.
نحو الموكب الأسود الذي دخل ببطء عبر الممر الرخامي الطويل.
كانت السيارات الفاخرة تتحرك في صف منتظم.
خلفها سيارات حراسة.
وأمامها دراجات أمنية.
مشهد بدا أقرب إلى وصول رئيس دولة.
وقف سيف بجوار النافذة.
بينما كانت نادية ترتجف على كرسيها.
همست:
“بعد كل السنين دي…”
ثم أجهشت بالبكاء.
أما أنا فكنت أراقب بصمت.
وأطفالي الثلاثة التفوا حولي.
لا يفهمون تمامًا ما يحدث.
لكنهم يشعرون بثقل اللحظة.
توقفت السيارة الرئيسية أمام القصر.
ثم نزل أحد الحراس.
وتوجه إلى الباب الخلفي.
فتحه باحترام.
وببطء…
خرج الرجل.
ساد صمت مطبق.
كان طويل القامة.
في أوائل الأربعينيات.
يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
وشعره الأسود تتخلله خصلات فضية خفيفة.
أما عيناه…
فكانتا نسخة مطابقة لعيني نادية.
شهقت الأخيرة.
وضعت يدها فوق فمها.
وهمست:
“فارس…”
كان الاسم يخرج من أعماق قلبها.
لكن الرجل لم يسمعها.
أو ربما سمعها واختار تجاهلها.
رفع رأسه نحو القصر.
ثم بدأ بالصعود.
خطوة.
ثم أخرى.
حتى وصل إلى المدخل الرئيسي.
فتح الخدم الأبواب الضخمة.
ودخل.
في تلك اللحظة…
وقف عشرات الضيوف جانبًا تلقائيًا.
كما لو أن قوة غير مرئية تدفعهم للابتعاد.
لم يكن الخوف.
بل الهيبة.
هيبة رجل يعرف الجميع اسمه.
بينما هو لا يعرف معظمهم.
وصل إلى باب المكتب.
وتوقف.
نظر إلى الحارس.
ففتح الباب.
ثم دخل.
ساد الصمت.
نظر أولًا إلى نادية.
ثم إلى سيف.
ثم إليّ.
ثم إلى الأطفال.
واستقرت عيناه على ياسين وآدم وعمر.
ابتسامة صغيرة مرت على وجهه.
لأول مرة.
وقال:
“واضح إن الحفلة كانت ممتعة من غيري.”
لم يرد أحد.
أما نادية…
فنهضت ببطء.
كانت الدموع تغرق وجهها.
اقتربت خطوة.
“فارس…”
لكن الرجل رفع يده.
فتوقفت في مكانها.
قال بهدوء:
“لو سمحتي.”
اختنق صوتها.
“أنا أمك.”
نظر إليها للحظات طويلة.
ثم ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة فرح.
بل ابتسامة رجل سمع الجملة متأخرة جدًا.
قال:
“افتكرتي دلوقتي؟”
انهارت تمامًا.
أما سيف…
فكان يحاول استيعاب الأمر كله.
نظر إلى الرجل.
ثم قال:
“إنت أخويا؟”
استدار فارس نحوه.
وتأمله بصمت.
ثم قال:
“على الورق؟ أيوة.”
شعر سيف بوخزة حادة في صدره.
لكنه لم يغضب.
لأنه أدرك أن هذا الرجل عاش عمرًا كاملًا دون عائلة.
اقترب سيف خطوة.
ومد يده.
تردد فارس للحظة.
ثم صافحه.
كانت مصافحة قصيرة.
لكنها حملت عشرات السنين من الأسئلة.
قال سيف:
“أنا مكنتش أعرف.”
أومأ فارس.
“عارف.”
“ولو كنت أعرف…”
قاطعه فارس.
“الماضي خلص.”
ثم التفت نحو نادية.
“لكن فيه حسابات لسه مخلصتش.”
عاد الرعب إلى عينيها.
وقالت:
“أنا كنت بحاول أحميك.”
ضحك فارس.
ضحكة قصيرة باردة.
“بنص مليار جنيه؟”
صمتت.
“ولا كنتِ بتحاولي تشتري سكوتي؟”
اختفى اللون من وجهها.
لأنه أصاب الحقيقة مباشرة.
جلس فارس على أحد المقاعد.
ثم وضع ملفًا فوق الطاولة.
قال:
“أنا مش جيت عشان الفلوس.”
نظر الجميع إليه.
فأكمل:
“ولا عشان الأسهم.”
“أمال ليه؟”
سأله سيف.
فتح فارس الملف.
وأخرج صورة قديمة.
وضعها فوق المكتب.
اقتربنا جميعًا.
كانت صورة لرجل مسن.
شاحب الوجه.
يجلس على سرير مستشفى.
أما المفاجأة…
فكانت أن الرجل يشبه فارس بشكل مخيف.
قال فارس بصوت هادئ:
“ده أبويا.”
نظرت نادية إلى الصورة.
وبدأت تبكي.
همس فارس:
“الرجل اللي حبتيه.”
أغلقت عينيها.
“فارس…”
لكنه أكمل.
“مات من شهرين.”
ساد الصمت.
وأضاف:
“ومات وهو مستنيكي.”
انهارت نادية فوق الكرسي.
وبكت كما لم تبكِ في حياتها.
لكن فارس لم يتوقف.
قال:
“كل سنة كنتِ تبعتي فلوس.”
“أنا كنت خايفة.”
“وكل سنة كان بيقول حاجة واحدة.”
رفع الصورة أمامها.
ثم قال:
“قولولها إني مش عايز فلوس.”
وسقطت دمعة من عين فارس.
لأول مرة.
“أنا كنت عايز أشوفها بس.”
لم تستطع نادية الرد.
لأن الحقيقة كانت أقسى من أي عقاب.
الرجل الذي أحبته طوال عمرها…
مات قبل أن تراه.
ومات وهو يظن أنها تخلت عنه.
وبينما كان الصمت يخنق الغرفة…
رن هاتف فارس.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغيرت ملامحه فجأة.
وقف بسرعة.
قال:
“مستحيل.”
نظر إليه سيف.
“في إيه؟”
رفع فارس رأسه ببطء.
وكانت الصدمة واضحة في عينيه.
ثم قال:
“في حد بيحاول يسحب كل أموال المجموعة من الحسابات الرئيسية دلوقتي.”
تجمد الجميع.
أما المحامي…
فأمسك الهاتف بسرعة.
وبعد ثوانٍ من المراجعة…
شحب وجهه.
وقال:
“يا نهار أبيض…”
نظر إليه سيف.
“اتكلم.”
ابتلع ريقه.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء من جديد:
“اللي بيحاول يسرق المجموعة… واحد من أفراد العيلة.”
وانتهى الاجتماع على صدمة جديدة.
لأن الخائن الحقيقي…
لم يكن فارس.
ولم يكن سيف.
ولم يكن حتى نادية.
بل شخصًا آخر ظل مختبئًا وسط العائلة طوال الوقت.
يتيع
