اصفاد حديد حكـايـات أسمـا ×3
الفصل التالي: السر الذي لم يعرفه ياسين
مرت عدة أشهر بعد ذلك اليوم.
عادت الحياة إلى هدوئها المعتاد.
المدرسة.
العمل.
زيارات كريم.
مشاكسات ياسين التي لا تنتهي.
وأصبحت أميرة تعتقد أن الماضي انتهى أخيرًا.
لكن الماضي أحيانًا لا يرحل.
بل ينتظر اللحظة المناسبة ليطرق الباب مرة أخرى.
في مساء شتوي بارد، كانت أميرة ترتب بعض الصناديق القديمة في غرفة التخزين الصغيرة داخل المنزل.
صناديق لم تفتحها منذ سنوات.
ملابس قديمة.
صور عائلية.
دفاتر مدرسية.
وأشياء حاولت نسيانها.
فتحت أحد الصناديق.
وتجمدت.
في الداخل كان هناك كيس أدلة شفاف.
الكيس الذي احتفظت به النيابة بعد القض*ية.
وفي داخله…
خاتم الزواج.
الخاتم نفسه.
ذلك الخاتم الذي استخدمته للحفر على أرضية القفص.
شعرت بقشعريرة تمر في جسدها.
لمسته بأطراف أصابعها.
فرأت آثار الخدوش الصغيرة التي صنعتها الماسة فوق المعدن.
وعادت إليها الذكريات دفعة واحدة.
الظلام.
الألم.
الخوف.
صوت المطر.
صوت القفل.
وصوتها وهي تهمس:
“أخبروا كريم.”
أغلقت عينيها بسرعة.
لكنها سمعت صوتًا خلفها.
“ماما؟”
التفتت مذعورة.
كان ياسين واقفًا عند الباب.
ينظر إلى الخاتم.
ثم إليها.
ثم إلى الخاتم مرة أخرى.
قال:
“ده خاتم جوازك؟”
ابتلعت ريقها.
“أيوه.”
اقترب أكثر.
“ليه بتعيطي؟”
لم تكن قد شعرت بالدموع.
لكنها كانت بالفعل تنزل.
جلس ياسين بجوارها.
كان في السابعة الآن.
كبير بما يكفي ليلاحظ الحزن.
وصغيرًا بما يكفي ليخاف منه.
أمسك يدها.
“حد زعلك؟”
ابتسمت رغم دموعها.
“لا يا حبيبي.”
سكت لحظة.
ثم سأل السؤال الذي كانت تخشاه منذ سنوات:
“بابا فين؟”
تجمد قلبها.
لأنها كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي.
لكنها لم تعرف أبدًا ماذا ستقول.
في السنوات الماضية كانت تؤجل الإجابة.
مرة تقول إنه بعيد.
ومرة تقول إنه غير موجود.
ومرة تغير الموضوع.
لكن الطفل يكبر.
والأسئلة تكبر معه.
نظر إليها بعينيه الواسعتين.
ينتظر.
ولا يعرف أن الإجابة قد تغير أشياء كثيرة.
أخذت نفسًا طويلًا.
وقالت برفق:
“باباك عمل حاجات غلط جدًا.”
سكت ياسين.
“معاك؟”
هزت رأسها.
“ومع ناس تانيين.”
“وضربك؟”
تفاجأت.
“مين قالك؟”
خفض رأسه.
“سمعت ولد في المدرسة بيقول إن الراجل اللي بيتسجن بيبقى شرير.”
شعرت أميرة بوخزة في قلبها.
اقتربت منه.
وضمته.
“اسمعني كويس.”
“آه.”
“الإنسان ممكن يعمل حاجات وحشة.”
“آه.”
“لكن ده مش معناه إن ابنه وحش.”
رفع رأسه بسرعة.
“يعني أنا مش زيه؟”
احتضنته بقوة أكبر.
“إنت أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها.”
بدأت دموعه تنزل.
فمسحتها.
ثم قالت:
“وأهم حاجة تعرفها إن الإنسان بيتحاسب على أفعاله هو.”
هز رأسه.
ثم دفن وجهه في كتفها.
وظلت تضمه طويلًا.
في تلك الليلة لم ينم بسهولة.
ولا هي.
وبعد يومين فقط…
جاء اتصال غير متوقع.
من كريم.
لكن صوته كان مختلفًا.
جادًا.
وحادًا.
“أميرة.”
شعرت بالقلق فورًا.
“خير؟”
قال:
“عايزك تهدي أعصابك الأول.”
تسارعت ضربات قلبها.
“في إيه؟”
سكت ثانية.
ثم قال:
“طارق مات.”
ساد الصمت.
صمت طويل جدًا.
حتى أنها ظنت أن الخط انقطع.
“أميرة؟”
لم ترد.
كانت تحدق أمامها فقط.
طارق مات.
الرجل الذي كان يومًا مصدر كل خوفها.
الرجل الذي ملأ حياتها كوابيس.
الرجل الذي ظنت أنها ستظل تخاف اسمه إلى الأبد.
مات.
انتهى.
اختفى.
قال كريم بهدوء:
“أزمة قلبية.”
جلست على أقرب كرسي.
لم تبكِ.
لم تفرح.
لم تشعر بالانتصار.
بل شعرت بشيء غريب جدًا.
كأن بابًا ظل مفتوحًا داخلها سنوات طويلة…
وأغلق فجأة.
سألها كريم:
“إنتِ كويسة؟”
همست:
“مش عارفة.”
في يوم الجنازة لم تذهب.
لم تشأ ذلك.
لكنها وقفت في شرفتها مساءً.
تنظر إلى السماء.
وتفكر.
لم تكن تفكر في الرجل الذي مات.
بل في المرأة التي كانتها يومًا.
المرأة المحبوسة داخل القفص.
المرأة التي كانت تتمنى فقط أن تنجو.
لو رأت نفسها الآن…
ماذا كانت ستقول؟
ربما كانت ستبكي من الراحة.
وربما كانت لن تصدق أصلًا أنها ستصل إلى هنا.
قطع أفكارها صوت ياسين.
“ماما.”
التفتت.
“نعم؟”
قال:
“أنا رسمت حاجة.”
أعطاها ورقة.
نظرت إليها.
وكانت الصدمة.
رسم بيتًا صغيرًا.
وشجرة.
وشمسًا كبيرة.
وأربعة أشخاص يقفون معًا.
هي.
وياسين.
وكريم.
وسليم.
وفوقهم كتب بخطه الطفولي:
“عيلتي.”
ارتجفت شفتا أميرة.
ثم ابتسمت.
لأنها فهمت شيئًا مهمًا جدًا.
العائلة ليست دائمًا من يشاركك الدم.
بل من يقف بجوارك عندما ينهار العالم.
ضمت ياسين إلى صدرها.
وقالت:
“أجمل رسمة شوفتها في حياتي.”
ولم تكن تكذب.
لأن تلك الرسمة الصغيرة…
كانت الدليل الحقيقي على أن الظلام انتهى أخيرًا.
لكن أميرة لم تكن تعرف أن الأيام القادمة تخبئ مفاجأة أخرى.
مفاجأة ستجعل اسم طارق المنصوري يعود للحياة مرة أخيرة…
بطريقة لم يتوقعها أحد.
يتبع…
الفصل الأخير: الحقيقة التي غيّرت كل شيء
مر أسبوعان على وفاة طارق المنصوري.
وبدأت الحياة تعود إلى هدوئها المعتاد.
لكن في صباح يوم خريفي هادئ، توقفت سيارة سوداء أمام منزل أميرة.
ترجل منها رجل خمسيني أنيق يحمل حقيبة جلدية.
طرق الباب.
وعندما فتحت أميرة، قدم نفسه:
“أنا المستشار سامح فوزي… محامي تركة طارق المنصوري.”
شعرت أميرة بانقباض في صدرها.
لم تكن تريد سماع الاسم مرة أخرى.
قالت ببرود:
“لو الموضوع يخص أموال أو ميراث فأنا مش مهتمة.”
هز الرجل رأسه.
“للأسف الموضوع أكبر من كده.”
جلسوا في غرفة المعيشة.
وكان كريم موجودًا.
وسليم أيضًا بالصدفة، بعدما جاء لزيارة ياسين.
فتح المحامي حقيبته.
وأخرج ملفًا سميكًا.
ثم قال:
“قبل وفاة طارق بثلاثة أشهر كتب اعترافًا قانونيًا موثقًا.”
تبادل الجميع النظرات.
وأكمل:
“اعترف فيه بكل الجرائم التي ارتكبها ضدك.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“لكن ده مش السبب الحقيقي لزيارتي.”
أخرج ظرفًا آخر.
أكثر سماكة.
وقال:
“بعد التحقيق في ممتلكاته اكتشفنا حاجة غريبة.”
فتح الملف.
ثم دفع عدة أوراق نحو أميرة.
نظرت إليها.
وتجمدت.
كانت عقود ملكية.
أراضٍ.
شقق.
حسابات استثمارية.
لكن المفاجأة كانت في الاسم.
اسم المالك.
لم يكن طارق.
بل…
ياسين طارق المنصوري.
شهقت أميرة.
أما كريم فاختطف الأوراق بسرعة.
“إيه ده؟”
قال المحامي:
“منذ ولادة ياسين كان طارق ينقل جزءًا من أصوله باسمه.”
نظر إليه كريم بعدم تصديق.
“ليه؟”
تنهد الرجل.
“ماحدش يعرف.”
لكن داخل الملف كانت هناك رسالة أخيرة.
موجهة إلى ياسين.
قال المحامي:
“دي تُسلَّم له عند بلوغه السن القانونية… لكن يحق لوالدته الاطلاع عليها.”
فتحت أميرة الرسالة بيد مرتجفة.
وبدأت تقرأ.
“إلى ابني ياسين…
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فمعناه أنني لم أعد موجودًا.
لن أطلب منك أن تحبني.
ولا أن تسامحني.
أنا لا أستحق ذلك.
الحقيقة أنني قضيت سنوات أكره نفسي أكثر مما كرهني أي شخص.
كل مرة كنت أراك فيها كنت أرى ما كان يمكن أن أكونه لو لم أسمح للشر أن يسيطر علي.
كنت جبانًا.
ولهذا حاربت أمك بدل أن أحارب نفسي.
لا يوجد عذر.
ولا يوجد تفسير.
أنا فقط أريدك أن تعرف شيئًا واحدًا.
أمك أقوى إنسان عرفته في حياتي.
إذا أصبحت يومًا نصف الإنسان الذي أصبحت هي عليه… فستكون أفضل مني ألف مرة.
أبوك.”
انتهت الرسالة.
وسقطت دمعة واحدة من عين أميرة.
ليس حزنًا عليه.
بل حزنًا على كل ما ضاع.
كل ما كان يمكن أن يكون مختلفًا.
طوى كريم الرسالة بعصبية.
“متأخر.”
قالها بحدة.
لكن سليم رد بهدوء:
“أيوه… متأخر.”
ثم نظر إلى أميرة.
“بس ده ما يغيرش اللي حصل.”
هزت رأسها.
“ولا هيغير.”
مرت السنوات بعد ذلك.
وكبر ياسين.
وأصبح شابًا ذكيًا ومجتهدًا.
درس القانون.
لأن قصة حياته جعلته يؤمن أن العدالة ليست مجرد كلمة.
وفي يوم تخرجه من الجامعة، وقف على المنصة يتسلم شهادته.
وكانت أميرة في الصف الأول.
تبكي من الفخر.
وكريم بجوارها.
أما الحاجة أم حسن فقد حضرت رغم تقدم سنها.
وأصرت أن تجلس ساعتين كاملتين فقط لترى “ابن أميرة” كما كانت تسميه.
وعندما انتهى الحفل اقترب ياسين منهم.
ثم احتضن أمه.
وقال:
“كل اللي وصلت له ده بسببك.”
ابتسمت.
“لا.”
“أيوه.”
هزت رأسها.
“أنا ساعدتك تمشي.”
ثم وضعت يدها على قلبه.
“لكن الطريق مشيته إنت.”
في تلك الليلة اجتمعوا جميعًا في المنزل.
وكانت الحديقة مضاءة بالأنوار الصغيرة.
والضحكات تملأ المكان.
وفجأة وقف ياسين.
وقال:
“عندي إعلان.”
نظر الجميع إليه.
ابتسم.
ثم أمسك بيد فتاة شابة كانت تقف بخجل بجواره.
وقال:
“دي مريم.”
ضحكت أميرة.
“إحنا عارفين إنها مريم.”
احمر وجهه.
ثم قال:
“وأنا طلبت إيدها.”
انفجرت الحديقة بالتصفيق والضحك.
أما كريم فهتف:
“يا نهار أبيض… لسه فاكر نفسي شايلك رضيع.”
ضحك الجميع.
وفي وسط الضحكات نظرت أميرة إلى السماء.
كان الليل هادئًا.
جميلًا.
ومليئًا بالنجوم.
وتذكرت تلك الليلة البعيدة.
ليلة القفص.
ليلة الألم.
ليلة المطر.
ليلة اعتقدت أنها النهاية.
ثم نظرت حولها.
إلى ابنها.
إلى عائلتها.
إلى أصدقائها.
إلى الحياة التي بنتها من الصفر.
وفهمت أخيرًا أن تلك الليلة لم تكن النهاية أبدًا.
كانت البداية.
بعد عامين…
وقف ياسين أمام غرفة الولادة في أحد المستشفيات.
يدور في الممر بتوتر شديد.
حتى خرج الطبيب مبتسمًا.
“مبروك.”
تجمد مكانه.
“ولد؟”
ضحك الطبيب.
“بنت.”
ركض إلى الداخل.
وكانت مريم تحمل طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية وردية.
رفعها بين ذراعيه.
وابتسم.
ثم سألته أميرة التي دخلت خلفه:
“هتسموها إيه؟”
نظر إليها.
ثم إلى الطفلة.
وقال:
“أميرة.”
تجمدت أميرة.
امتلأت عيناها بالدموع.
أما ياسين فابتسم.
“عشان كل ما أنادي عليها أفتكر أقوى إنسانة عرفتها.”
لم تستطع الكلام.
فقط احتضنته.
وفي تلك اللحظة…
بين ضحكات العائلة.
وصوت الطفلة الصغيرة.
ونور الصباح المتسلل من النافذة…
اكتملت الدائرة أخيرًا.
المرأة التي خرجت يومًا من قفص وهي تظن أن حياتها انتهت…
أصبحت جدة تحمل حفيدتها بين ذراعيها.
ولم يبقَ من الظلام سوى ذكرى بعيدة.
أما النور…
فبقي.
النهاية.
