عشاء الكرامه ! اسما السيد 1

في عيد الأم، خرجت أنا ومراتي نتعشى مع ابني ومراته في مطعم وفجأة سمعت مرات ابني بتقول للجرسون بكل برود: قسم الحساب… كل واحد هيحاسب لحاله
قالتها من غير ما توطي صوتها… من غير كسوف… ومن غير حتى ما تبص للست اللي كانت بتهينها….زوجتي
مراتي اللي عشت معاها ٤٧ سنة.
الست اللي إيديها كانت بتترعش طول العشا… والطبق برد قدامها لأن الوجع كان مانعها تاكل… والكوتش بتاعها تحت الترابيزة كان بيغمّق بالدم بسبب الجرح اللي في رجلها واللي رجع ينزف تاني…
ابني “كريم” كان قاعد جنب مراته “ريهام”… وهز راسه بالموافقة.
في اللحظة دي فهمت أخيرًا إن الولد اللي شلته زمان في حضني وهو سخن وبيعيط… الولد اللي فضلت ماسك إيده في ممر المستشفى وهو عنده ست سنين… كبر وبقى راجل يقدر يشوف أمه بتتهان قدامه… ويقتنع إنها ما تستاهلش حتى تمن طبق شوربة…أنا ما صرختش.
ما رميتش الكوباية.
ما شتمتش مراته… وما ترجيتوش يفتكر مين اللي رباه.
أنا بس وقفت بهدوء… وحطيت إيدي على الملف القديم اللي كنت حاضنه جنب صدري طول الليلة… وقلت الجملة الوحيدة اللي خلت وش كريم يصفر.
لكن علشان تفهم ليه الجملة دي كسرته… لازم تعرف ليه أنا كنت دافع حساب العشا من قبل حتى ما نوصل المطعم.
كان يوم ١٢ مايو ٢٠٢٤… في القاهرة الجديدة… والجو لسه محتفظ بحرارة النهار رغم إن الشمس قربت تغيب.
الساعة كانت تلاتة العصر لما أنا ونادية وقفنا بعربيتي الهيونداي القديمة موديل ٢٠٠٩ قدام مطعم سمك فخم في التجمع الخامس.
العربية طلعت الصوت المعدني المعتاد وهي بتقف… الصوت اللي كنت بتجاهله بقالي شهور علشان ماعنديش فلوس أصلحه.
نادية كانت قاعدة جنبي لابسة فستان أزرق فاتح.
الفستان كان قديم… اشتريناه من محل هدوم مستعملة من سنين… لكنها كَوَته الصبح بعناية كأنها رايحة مناسبة مقدسة.
إيديها كانت بتترعش وهي بتسوي القماش على رجليها.
السكر خد القوة من صوابعها… وتعب الكلى سرق لون وشها… والجرح اللي في رجلها بقاله شهور مش راضي يخف، خصوصًا وإحنا بقينا نختار بين الإنسولين والإيجار وفاتورة الكهربا والأكل.
بصت للمطعم من وراء الإزاز وقالت بهدوء: “إنت متأكد إن لازم نخرج النهارده؟”
مسكت إيدها وضغطت عليها بحنان. “ده عيد الأم… وإنتِ تستاهلي ليلة حلوة.”ما جادلتنيش.
وده كان طبع نادية طول عمرها.
ست عندها ٦٩ سنة… وعاشت معايا ٤٧ سنة جواز… ولسه بتحاول ما تبقاش حمل على حد.
ما اشتكتش وأنا بشتغل شيفتين في المطافي زمان.
ما اشتكتش لما المرض خلص تحويشة عمرنا.
وما اشتكتش حتى لما قلتلها إننا مش قادرين نجيب كل علاجها.
كانت بس بتصبر نفسها… وتسمي ده “توفير”.
ساعدتها تنزل من العربية… وكانت متكئة عليّا أكتر من المعتاد.
لمحت بقعة الدم الخفيفة تحت الشراب… لكن ولا أنا ولا هي اتكلمنا.
المطعم لسه ما فتحش… لكن أنا كنت متفق مع المدير قبلها.
المدير، “عماد”، قابلنا على الباب.
راجل في الخمسينات… عنده نظرة هادية وطيبة… من نوع الناس اللي بتحس بوجعك قبل ما تنطق.
“أستاذ عبد الحميد؟” قال وهو بيمد إيده.
سلمت عليه… وبعدها طلعت ظرف من الجاكت.
جواه كان فيه ٣٠ ألف جنيه كاش.
آخر فلوس معانا.
إيجار الشقة بتاع الشهر… وإحنا أصلًا متأخرين شهرين.
قلتله بصوت واطي: “محتاج منك خدمة… النهارده ابني ومراته عازمينا على العشا… ولما الحساب ييجي، عايزك تقولهم إنه مدفوع.”
بص للظرف باستغراب. “مدفوع؟”
هززت راسي. “أيوه… الفلوس دي كل اللي معايا. لو الحساب زاد قولهم إنه مدفوع برضه… أرجوك.”
سكت شوية… وبص لنادية بفستانها البسيط… وبعدين للعربية القديمة اللي واقفة بره.
رجع عينه عليا وقال: “ليه؟”
بلعت ريقي وقلت: “علشان عارف إن ابني مش هيدفع حساب أمه… وأنا مش هسمح إنها تتهان الليلة دي.”
فضل ساكت لحظة… بعدها حط الظرف في جيبه بهدوء.
وقال: “اعتبر الموضوع خلص… ولو الحساب زاد، الباقي عليا.”
حسيت حلقي بيضيق.
“شكرًا.”
بعدها بص لنادية بابتسامة دافية وقال:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين

في اللحظة دي… نادية ابتسمت له ابتسامة صغيرة متعبة، كأنها بتحاول تخبي وجع أكبر من جسمها كله.
قالها عماد بهدوء: “كل سنة وحضرتك طيبة يا أمي.”
نادية اتكسفت بسرعة، وقالت: “وأنت طيب يا ابني.”
لكن وأنا واقف جنبها… حسيت بغصة ضخمة في صدري.
لأن الغريب اللي واقف قدامي عامل مراتي بكرامة أكتر من ابنها.
دخلنا المطعم قبل الزحمة. المكان كان شيك بشكل يخلّي الواحد يحس إنه مش شبهه.
نجف كبير نازل من السقف… ريحة سمك وجمبري متبهر بطريقة تفتح النفس… ومزيكا هادية طالعة من السماعات.
قعدنا على ترابيزة جنب الإزاز. ومن بعيد كنت شايف القاهرة الجديدة بنورها… عربيات فخمة… ناس لابسة شيك… حياة مختلفة عن حياتنا تمامًا.
نادية كانت بتحاول تظبط نفسها وتقعد مستقيمة رغم الألم. كل شوية تبصلي وتسأل: “إنت متأكد إن الحساب مش هيكون غالي؟”
وأنا كل مرة أضحك وأقول: “سيبيها على الله.”
بعد نص ساعة تقريبًا… دخل كريم ومراته.
كريم كان لابس بدلة غالية عمره ما كان يقدر يجيبها أيام ما كان عايش معانا. وساعته كانت تقريبًا تمن علاج نادية سنة كاملة.
أما ريهام… فكانت داخلة كأن المطعم بتاع أبوها.
شنطة ماركة على دراعها… برفانها ملي المكان… وما بصتش حتى على أم كريم وهي داخلة.
بس قالت بسرعة وهي بتقعد: “معلش اتأخرنا علشان كان عندي ميك أب.”
نادية ابتسمت بحب تلقائي وقالت: “ولا يهمك يا حبيبتي.”
الحب عند الأمهات غريب… حتى لما بيتوجع… بيفضل يطلع حنان.
كريم حضني بسرعة باردة. حضن واجب. مش حضن ابن مشتاق.
وقال: “عاملين إيه؟”
قلت: “الحمد لله.”
وبعدها قعد ماسك موبايله أغلب الوقت.
الجرسون جه ياخد الطلبات. ريهام طلبت أغلى حاجة تقريبًا في المنيو من غير حتى ما تبص للسعر.
أما نادية… ففضلت تقلب المنيو بخوف.
وشوفتها مرة تبص للأرقام بسرعة وتقفل المنيو.
فقلت: “اطلبي اللي نفسك فيه.”
قالت بهدوء: “أنا مش جعانة أوي.”
لكن أنا كنت عارف إنها جعانة.
بس عارف برضه إنها خايفة.
خايفة نرجع البيت ومايبقاش معانا فلوس دوا.
في نص العشا… الجرح اللي في رجلها بدأ ينزف أكتر.
شفت الدم وهو يغمق الشراب الأبيض تحت الترابيزة.
قربت منها وهمست: “نقوم نمشي؟”
هزت راسها بسرعة: “لا… خلينا قاعدين شوية علشان كريم.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
علشان كريم نفسه ماكنش واخد باله أصلًا.
كان بيضحك مع مراته… بيتكلم عن العربية الجديدة اللي بيفكر يشتريها… وعن السفرية اللي ناويين يعملوها الصيف.
ولا مرة بص لأمه.
ولا مرة سألها: “إنتِ تعبانة؟”
وفي لحظة… الجرسون جه بالحساب.
حطه بهدوء على الترابيزة.
أنا بصيت لنادية. هي بصتلي بخوف.
لكن قبل ما أتحرك… سمعت ريهام بتقول بمنتهى البرود:
“قسم الحساب… كل واحد يدفع لنفسه.”
قالتها وهي بتشرب العصير عادي جدًا.
كأنها بتطلب زيادة ملح.
الصمت نزل على الترابيزة مرة واحدة.
حتى الجرسون اتوتر.
بصيت لكريم.
كنت مستني منه يضحك ويقول: “إيه الهزار السخيف ده؟”
لكنه هز راسه بالموافقة وقال: “أصل الدنيا بقت صعبة يا بابا… وكل واحد يشيل نفسه.”
بابا.
قالها وهو بيكسر قلب أمه.
بصيت لنادية.
وشها كان جامد بشكل يخوف. الست اللي طول عمرها بتحاول ماتحرجش حد… كانت بتحاول دلوقتي ماتعيطش قدام الناس.
حطت إيديها المرتعشة على شنطتها القديمة… وبدأت تدور على محفظتها.
المحفظة اللي أنا عارف إن جواها مفيش غير ١٢٠ جنيه.
في اللحظة دي… حسيت إن قلبي خلاص تعب.
مش من الإهانة…
من الخيبة.
خيبة إنك تربي بني آدم من دمك… وفي الآخر يبقى غريب.
وقفت بهدوء.
الكل بصلي.
حتى ريهام رفعت حاجبها بضيق كأنها مستغربة إني اتضايقت.
حطيت إيدي على الملف القديم اللي كنت حاضنه طول الوقت.
الملف البني اللي كريم حتى ما سألش نفسه أنا ماسكه ليه.
وبعدين قلت بهدوء شديد:
“متقلقش يا كريم… الحساب مدفوع من قبل ما نيجي.”
الجرسون بصلي بسرعة. وعماد اللي كان واقف بعيد هز راسه بتأكيد.
لكن قبل ما كريم يستوعب… فتحت الملف.
وسحبت منه عقد.
وحطيته قدامه.
كريم اتجمد.
قال: “إيه ده؟”
بصيت في عينه لأول مرة من أول الليلة وقلت:
“ده عقد بيع الشقة.”
وشه اصفرّ.
ريهام اتكلمت بسرعة: “شقة إيه؟”
قلت بهدوء: “الشقة اللي كنتوا فاكرين إنها هتفضل باسم كريم بعد ما أموت.”
الصمت بقى تقيل بشكل مرعب.
حتى صوت المزيكا اختفى من وداني.
كريم قام واقف فجأة: “إنت بعت الشقة؟!”
هززت راسي.
“أيوه.”
قال بعصبية: “إزاي تعمل كده من غير ما تقولي؟!”
ضحكت لأول مرة… ضحكة كلها وجع.
“أقولك؟ ليه؟ علشان تيجي تسأل على أمك؟ علشان تفتكر إن عندك أهل؟”
وشه احمرّ.
أما ريهام… فكانت مصدومة أكتر من أي حد.
قلت وأنا ببص لنادية: “الشقة اتباعت علشان نعرف نعالج أمك.”
نادية بصتلي بصدمة: “عبد الحميد…”
لكن أنا كملت.
“الكلى بتاعتها بتتعب… والعملية لازم تتعمل بسرعة… وأنا اخترت أبيع آخر حاجة نملكها بدل ما أشوفها بتموت بالبطّيء.”
كريم بلع ريقه وقال: “ليه ما قلتليش؟”
سأل السؤال متأخر جدًا.
بصيتله وقلت: “كنت هتفرق؟”
ما ردش.
لأننا إحنا الاتنين عرفنا الإجابة.
لا… ماكنتش هتفرق.
ريهام حاولت تتكلم: “إحنا… إحنا ماكنّاش نعرف.”
بصيتلها لأول مرة بحدة: “بس كنتوا تعرفوا إن أمه مريضة… ومع ذلك طلبتي منها تدفع حساب أكلتها.”
وشها نزل في الأرض.
أما كريم… فكان واقف كأنه اتخبط في حيطة.
قلت بهدوء: “عارف أكتر حاجة كسرتني النهارده إيه؟”
سكت شوية.
“إن الغريب اللي على باب المطعم خاف على كرامة أمك أكتر منك.”
الدموع لمعت في عين كريم.
لكن نادية بسرعة قالت: “خلاص يا عبد الحميد…”
كعادتها… حتى وهي مكسورة بتحاول تلم الدنيا.
لكن المرة دي… أنا ماقدرتش أسكت.
قلت: “أمك كانت بتختار بين دوا السكر والأكل… وإنت كنت بتتكلم عن عربية جديدة.”
كريم نزل بعينه للأرض.
ولأول مرة من سنين… شكله رجع طفل صغير.
طفل تايه.
قال بصوت مبحوح: “أنا… أنا ماكنتش أعرف إن الحالة وصلت لكده.”
قلت: “لأنك ما سألتش.”
الجملة نزلت عليه كأنها صفعة.
وفجأة… نادية مسكت صدري بخوف وقالت: “عبد الحميد… كفاية.”
وبعدين بصت لكريم بعين مليانة دموع وقالت: “إحنا ما جبناكوش الدنيا علشان تصرف علينا يا حبيبي… إحنا بس كنا محتاجين تحس بينا.”
الجملة دي كسرت اللي باقي فيه.
كريم غمض عينه… وبعدين فجأة نزل على ركبته جنب أمه.
ومسك إيدها.
وبكى.
بكى لأول مرة من يوم ما كان طفل.
قال بصوت متقطع: “حقكوا عليا… والله حقكوا عليا.”
نادية بدأت تعيط هي كمان.
أما أنا… ففضلت واقف أبصلهم وأنا حاسس إن قلبي بينزف وبيخف في نفس الوقت.
ريهام كانت ساكتة تمامًا. ملامحها اتغيرت.
يمكن لأول مرة تشوف إن الفقر مش عيب… وإن الكرامة أغلى من أي ماركة في الدنيا.
عماد قرب بهدوء وقتها… وحط علبة صغيرة على الترابيزة.
وقال: “دي هدية المطعم لست الكل في عيد الأم.”
فتحتها نادية بإيد مرتعشة.
كان جواها قطعة تورتة صغيرة مكتوب عليها بالكريمة:
“لأجمل أم حقيقية.”
وفي اللحظة دي… نادية انهارت من العياط.
مش علشان التورتة…
لكن علشان حد أخيرًا شاف تعبها.
وبصراحة؟ أنا كمان كنت هموت من العياط.
لكن حاولت أتماسك.
علشان الست اللي عاشت معايا ٤٧ سنة… تستحق آخر ما تبقى مني من قوة.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *