اهانه حكـايـات أسمـا ×3

البيت كله سكت.

 

حتى أبويا.

 

أخويا راح فتح الباب.

 

وبعد لحظات دخل والد خطيبي.

 

الراجل اللي طول عمره معروف بهدوئه واحترامه.

 

دخل وسلم على الموجودين واحد واحد.

 

ثم قال بهدوء:

 

“مساء الخير.”

 

محدش رد غير بكلمات مقتضبة.

 

التوتر كان مالي المكان.

 

قعد على أقرب كرسي.

 

وبص لأبويا مباشرة.

 

وقال:

 

“أنا جاي أتكلم كرجل لرجل.”

 

أبويا عقد دراعيه وقال:

 

“اتفضل.”

 

سكت والد خطيبي ثواني.

 

ثم قال:

 

“أنا مش جاي أضغط عليك.”

 

“ولا جاي أخاصمك.”

 

“ولا جاي أقولك بنتك غلطانة أو صح.”

 

الجميع كان منصت.

 

أما أنا فكنت واقفة عند باب الصالون وقلبي بيدق بعنف.

 

أكمل الرجل:

 

“بس أنا جاي أسألك سؤال واحد.”

 

أبويا لم يرد.

 

فقال:

 

“لو بنتك كانت ناوية تعمل حاجة غلط…”

 

“كانت هتقولك بنفسها إنها في الشقة؟”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل جدًا.

 

لأول مرة منذ أيام…

 

لم يجد أبي ردًا سريعًا.

 

والد خطيبي أكمل بهدوء:

 

“البنت ردت عليك فورًا.”

 

“وقالتلك مكانها.”

 

“ولو كانت خايفة أو مخبية حاجة كانت كذبت.”

 

أمي بدأت تبكي بصمت.

 

وأخويا هز رأسه موافقًا.

 

أما أبي…

 

فظل ساكتًا.

 

لأول مرة.

 

ثم قال بصوت أخف من المعتاد:

 

“الناس.”

 

نظر الجميع إليه.

 

قال:

 

“إنت مش فاهم.”

 

“الناس هتقول إيه؟”

 

هنا تنهد والد خطيبي.

 

وقال جملة غيرت اتجاه الحديث كله:

 

“الناس اتكلمت يوم كتب الكتاب.”

 

“واتكلمت يوم الخطوبة.”

 

“وهتتكلم يوم الفرح.”

 

“وهتتكلم حتى بعد ما نموت.”

 

“لكن بنتك هي اللي هتعيش عمرها كله بالقرار اللي هتاخده النهارده.”

 

الصمت رجع من جديد.

 

لكن هذه المرة كان مختلفًا.

 

كأن الكلمات أصابت مكانًا حساسًا داخل أبي.

 

مرت دقائق طويلة.

 

ثم نهض والد خطيبي.

 

وقال:

 

“أنا قلت اللي عندي.”

 

“والقرار قرارك.”

 

واتجه نحو الباب.

 

وقبل أن يخرج…

 

التفت نحوي.

 

وقال:

 

“ارفعي راسك يا بنتي.”

 

ثم غادر.

 

في تلك الليلة…

 

لم ينم أحد في البيت.

 

وأنا أيضًا لم أنم.

 

كنت أبكي كلما تذكرت ما حدث أمام العمارة.

 

وكلما تذكرت نظرات الناس.

 

وكلما تخيلت أن فرحي قد يضيع.

 

لكن المفاجأة جاءت صباح اليوم التالي.

 

عندما استيقظت على صوت أبي يناديني.

 

بصوته العادي.

 

لأول مرة منذ أسبوع.

 

خرجت من غرفتي مترددة.

 

وجدته جالسًا في الصالة.

 

أمامي مباشرة.

 

وأشار إلى الكرسي المقابل.

 

جلست.

 

وقلبي يكاد يخرج من صدري.

 

نظر إليّ طويلًا.

 

ثم قال:

 

“إنتي زعلانة مني؟”

 

في اللحظة دي…

 

لم أتمالك نفسي.

 

وانفجرت بالبكاء.

 

بكاء الأيام كلها.

 

وبكاء الإهانة.

 

وبكاء الخوف.

 

وبكاء الفرح الذي كنت أراه ينهار أمام عيني.

 

ظل أبي صامتًا وهو يسمعني.

 

حتى انتهيت.

 

ثم قال بصوت مكسور لم أسمعه منه من قبل:

 

“أنا خوفت عليكي.”

 

رفعت رأسي نحوه.

 

فأكمل:

 

“بس يمكن خوفي خلاني أوجعك أكتر من اللازم.”

 

كانت هذه أول مرة يعترف فيها بشيء منذ بداية الأزمة.

 

وأول مرة أشعر أن الجدار الذي بيننا بدأ يتصدع.

 

لكنني لم أكن أعلم…

 

أن المفاجأة الأكبر ما زالت تنتظرنا قبل موعد الفرح بيومين فقط.

بعد حديث أبي معي في ذلك الصباح…

 

شعرت لأول مرة أن هناك أملًا.

 

ليس لأن المشكلة انتهت.

 

ولكن لأنني رأيت الندم في عينيه.

 

ورأيت الرجل الذي رباني وعرفته طوال عمري يعود تدريجيًا من خلف الغضب.

 

مرت الساعات التالية بهدوء نسبي.

 

لكن التوتر كان ما زال موجودًا.

 

كلما رن الهاتف…

 

كنا نتوقع مشكلة جديدة.

 

وكلما طرق أحد الباب…

 

كنا نخشى أن تكون إشاعة أخرى وصلت إلى شخص جديد.

 

بقي يومان فقط على الفرح.

 

والقائمة الطويلة من التجهيزات كانت ما تزال تنتظرنا.

 

الفستان.

 

المصور.

 

القاعة.

 

الموسيقى.

 

الهدايا.

 

كل شيء كان جاهزًا تقريبًا.

 

إلا قلوبنا.

 

وفي مساء ذلك اليوم…

 

وصلت الضربة الجديدة.

 

كنت أجلس مع أمي نراجع بعض الأشياء الخاصة بالفرح عندما دخل أخي مسرعًا.

 

كان وجهه متوترًا.

 

قال:

 

“في مشكلة.”

 

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

 

سألته:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

قال:

 

“في حد نشر كلام عنك على فيسبوك.”

 

تجمدت مكاني.

 

أعطاني الهاتف.

 

وكانت هناك منشورات في إحدى الجروبات المحلية.

 

شخص مجهول كتب قصة كاملة.

 

قصة مليئة بالأكاذيب.

 

وقال إن العروس تم ضبطها مع خطيبها داخل الشقة قبل الفرح.

 

وأن أهلها ألغوا الزواج.

 

وأن هناك فضيحة كبيرة يحاول الجميع إخفاءها.

 

المئات كانوا يعلقون.

 

بعضهم يصدق.

 

وبعضهم يضيف تفاصيل من خياله.

 

وبعضهم يهاجم دون أن يعرف الحقيقة.

 

شعرت أن الهواء اختفى من حولي.

 

أمي بدأت تبكي.

 

وأخي أمسك الهاتف بغضب.

 

أما أبي…

 

فكان يقرأ بصمت.

 

صمت مخيف.

 

ثم فجأة أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة.

 

وقال:

 

“كفاية.”

 

نظرنا إليه جميعًا.

 

فأكمل:

 

“طول الأسبوع ده كنت خايف من كلام الناس.”

 

“أهو الناس اتكلمت.”

 

“وهتفضل تتكلم.”

 

ثم نظر إليّ مباشرة.

 

وقال:

 

“بس أنا مش هضيع مستقبل بنتي عشان ناس فاضية.”

 

لم أصدق ما سمعته.

 

سألته بصوت مرتجف:

 

“يعني إيه؟”

 

قال:

 

“يعني الفرح هيتم.”

 

انفجرت أمي في البكاء.

 

وأخي ابتسم لأول مرة منذ أيام.

 

أما أنا…

 

فلم أستطع الكلام أصلًا.

 

بعد دقائق…

 

رفع أبي هاتفه.

 

واتصل بخطيبي بنفسه.

 

كنا جميعًا نسمع صوت الرنين.

 

ثم جاء صوت خطيبي من الطرف الآخر.

 

هادئًا كعادته.

 

قال أبي:

 

“السلام عليكم.”

 

ساد الصمت لثوانٍ.

 

ثم جاء الرد:

 

“وعليكم السلام يا عمي.”

 

تنهد أبي.

 

وقال:

 

“أنا غلطت.”

 

حتى أنا لم أصدق أنني سمعت هذه الجملة.

 

أبي لم يكن من النوع الذي يعتذر بسهولة.

 

لكن تلك الليلة فعلها.

 

قال:

 

“غلطت في طريقة تصرفي.”

 

“وزعلتك.”

 

“وزعلت بنتي.”

 

“ولو تقبل… أنا عايز أكمل الجوازة.”

 

سمعت شهقة أمي.

 

ورأيت الدموع في عيني أخي.

 

أما خطيبي…

 

فقال بهدوء:

 

“حضرتك مقام والدي.”

 

“ومفيش بينا زعل.”

 

في تلك اللحظة شعرت أن جبلًا كاملًا أزيح عن صدري.

 

لكن القدر كان يخبئ لنا لحظة لم نتوقعها.

 

لأن يوم الفرح نفسه…

 

وأمام كل المدعوين…

 

كان أبي على وشك أن يفعل شيئًا جعل القاعة كلها تبكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *