ادم المنصوري حكايات اسما 2
الفصل الثاني — أول مرة ينام من غير صريخ
الليلة دي… القصر كله ما نامش.
الخدم كانوا بيتكلموا بصوت واطي في المطبخ. الحراس واقفين قدام الجناح الشمالي بتوتر واضح. ومدام نوال فضلت ماشية في الطرقة طول الليل كأنها مستنية مصيبة تحصل.
أما ريم… فكانت قاعدة على الأرض جنب سرير آدم.
الساعة قربت على اتنين بعد نص الليل.
والطفل لسه صاحي.
ضامم البطانية لصدره وعينه مفتوحة على الآخر.
كل شوية يبص ناحية الباب.
كأنه مستني حد يدخل.
ريم كانت مرهقة جدًا. ضلعها بيوجعها. ورجلها اتخبطت في الرخام وقت الهجوم. لكن رغم ده… ماقدرتش تسيبه لوحده.
قالت بهدوء: “عايز أحكيلك حكاية؟”
آدم ما ردش.
بس ما قالش “لا” برضه.
فابتسمت ابتسامة خفيفة.
“كان فيه ولد صغير فاكر إنه لازم يبقى قوي طول الوقت…”
عين آدم اتحركت ناحيتها ببطء.
“وكان كل الناس فاكرة إنه وحش… بس الحقيقة إنه كان تعبان وخايف.”
الطفل بلع ريقه بصعوبة.
“وبعدين؟”
الكلمة خرجت ضعيفة جدًا.
لكن ريم قلبها فرح بطريقة غريبة.
“وبعدين قابل بنت مجنونة شوية… فضلت تقوله كل يوم إنه مش وحش.”
آدم سكت.
ثم همس: “صدقها؟”
ريم بصتله بحنان: “لسه بيتعلم.”
ولأول مرة… الطفل قرب بنفسه.
قعد جنبها على السرير ببطء.
كأنه بيختبر الأمان.
وفي اللحظة دي تحديدًا… باب الأوضة اتفتح بهدوء.
سليم دخل.
وقف مكانه أول ما شاف المشهد.
آدم… قاعد جنب حد من غير صريخ.
من غير تكسير.
من غير خوف هستيري.
كان مستحيل.
عين سليم اتحركت ناحية ريم ببطء.
وهي حسّت بالتوتر فورًا.
الراجل ده حضوره مرعب بطريقة غريبة.
حتى وهو ساكت.
قال بصوت منخفض: “هو نايمش لسه؟”
آدم فورًا اتشد.
ريم لاحظت الحركة.
لاحظت إن الطفل بيرتخي معاها… ويتوتر أول ما أبوه يظهر.
فقالت بسرعة: “كان بيحاول ينام.”
سليم قرب خطوة.
آدم رجع لورا فورًا.
الوجع ظهر في عين سليم بسرعة واختفى بسرعة أكبر.
كأن الراجل اتعود يخبي أي إحساس.
وقف بعيد. وقال بهدوء: “الدكتور قال مستحيل يتعلق بحد.”
ريم بصت لآدم الصغير اللي ماسك طرف كمها.
“يمكن لأنه محتاج حد يحسسه بالأمان مش السيطرة.”
الصمت نزل فجأة.
أي خادمة غيرها ماكنتش تجرؤ تقول الجملة دي.
لكن الغريب… إن سليم ما اتعصبش.
بالعكس.
فضل باصص لها ثواني طويلة.
ثم قال: “أنتِ بتتكلمي معايا كأني إنسان عادي.”
ريم اتوترت: “آسفة…”
“ما تعتذريش.”
قالها بهدوء غريب.
ولأول مرة… عينه القاسية خفت حدتها شوية.
ثم بص لآدم.
“تصبح على خير.”
وخرج.
لكن قبل ما الباب يقفل… آدم همس فجأة:
“بابا.”
الصمت انفجر في الأوضة.
سليم وقف مكانه.
جسمه كله اتجمد.
ببطء شديد… لف ناحية ابنه.
آدم نفسه شكله اتفاجئ إنه قالها.
لكن الكلمة خرجت فعلًا.
بعد سنتين.
عين سليم لمعت بطريقة سريعة جدًا… كأن الراجل بيحارب دموعه.
ثم قال بصوت مخنوق خافت: “وأنت بخير يا آدم.”
وخرج بسرعة.
أما ريم… فبصت للباب المقفول وحست لأول مرة إن الراجل البارد ده… مكسور أكتر من ابنه.
الأيام اللي بعد كده بدأت تغير القصر كله.
آدم بقى يستنى ريم تصحى.
يرفض ياكل إلا معاها.
ينام وهي قاعدة جنبه.
وكل يوم… كان بيتكلم كلمة جديدة.
كأن صوته بيرجع للحياة بالتدريج.
أما سليم… فبقى يراقبها بصمت.
في الأول من بعيد.
من فوق السلم.
من باب المكتب.
من كاميرات القصر أحيانًا.
كان مستغربها.
كل المربيات قبليها حاولوا يسيطروا على آدم.
هي الوحيدة اللي سمعته.
وفي يوم…
ريم كانت في المطبخ بتحاول تعمل شوربة لآدم بعدما رفض الأكل كله.
والطباخ واقف متوتر: “سليم بيه مش بيحب حد يستخدم المطبخ الرئيسي.”
“أنا بس هعمل حاجة صغيرة.”
وفجأة…
صوت رجولي بارد جه من وراها: “وسيبي الملح شوية.”
ريم شهقت والتفتت بسرعة.
سليم كان واقف عند الباب.
قميصه الأسود أكمامه متشمره. وساعته اللامعة بتلمع تحت النور.
قرب من الحلة وبص عليها: “هتبقى مالحة.”
ريم حست بالإحراج: “أنا مش شيف محترفة.”
“واضح.”
قالها ببرود.
ثم خد المعلقة من إيدها.
وداق الشوربة بنفسه.
ريم رمشت بدهشة.
“حضرتك بتطبخ؟”
“كنت.”
قالها باختصار.
ثم أضاف بعد ثواني: “مراتي كانت بتحب الطبخ.”
أول مرة يجيب سيرة مراته.
الصوت اتغير لحظة قصيرة جدًا.
وجعه ظهر… ثم اختفى تاني.
ريم قالت بهدوء: “آدم لسه فاكرها.”
سليم سكت.
ثم قال: “وأنا كمان.”
القلب عند ريم وجعها فجأة.
لأن الوحدة في صوته… كانت حقيقية جدًا.
وفجأة آدم دخل المطبخ يجري: “رييييم!”
ورمى نفسه عليها.
سليم اتجمد مكانه.
ابنه… اللي بقاله سنتين ما لمسش حد… بيحضنها دلوقتي وكأنها أمانه الوحيد.
ريم ضحكت: “حاسب يا حبيبي ضلوعي.”
آدم رفع وشه بخضة: “وجعتك؟”
“لا يا سيدي.”
سليم فضل باصص عليهم.
وحاجة غريبة بدأت تتحرك جواه.
راحة.
دفا.
وغيرة صغيرة مش مفهومة…
لما شاف ابنه متعلق بحد بالشكل ده.
ولما شاف ريم بتضحك.
الضحكة اللي خلت القصر البارد يبان حي لأول مرة من سنين.
لكن الهدوء ما استمرش طويل.
لأن في نفس الليلة…
ريم صحيت على صوت باب بيتفتح.
الساعة كانت تلاتة الفجر.
قامت مفزوعة.
بصت لسرير آدم.
فاضي.
قلبها وقع.
خرجت تجري في الطرقة.
القصر كان غرقان في الضلمة.
“آدم؟”
مفيش رد.
لكن فجأة…
سمعت ضحكة طفل بعيدة.
جاية من آخر الممر.
من ناحية الجناح الشمالي.
ريم الدم برد في عروقها.
قربت ببطء.
والباب الأسود… كان مفتوح تاني.
ومن جوه…
كانت في إضاءة خافتة طالعة.
وصوت آدم وهو بيهمس لحد: “أنا جبتها…”
يتبع
