قبر ابي حكـايـات أسمـا ×3
الفصل السادس
لثوانٍ طويلة لم أستطع الكلام.
كل ما استطعت فعله هو التحديق في الهاتف.
صوت أبي.
الصوت نفسه الذي سمعته طوال حياتي.
الصوت الذي ودعته فوق قبر قبل ساعات فقط.
شعرت بأن عينَيّ تمتلئان بالدموع دون إرادة.
“بابا؟”
ساد الصمت للحظة.
ثم جاء صوته مجددًا.
هادئًا.
دافئًا.
كما عرفته دائمًا.
“أنا آسف يا كريم.”
أغمضت عيني.
“إنت فين؟”
أجاب:
“قريب.”
“قريب جدًا.”
ثم أضاف:
“اسمع كلام مراد.”
“ومتروحش البيت قبل ما أوصلك.”
لكن القدر كان أسرع من الجميع.
في اللحظة نفسها…
سمعنا صوت اصطدام عنيف.
ثم انقلبت إحدى السيارات المطاردة أمامنا.
لتسد الطريق بالكامل.
صرخ السائق.
وضغط على الفرامل.
وانحرفت السيارة بعنف.
ودارت نصف دورة قبل أن تتوقف.
فتح مراد الباب فورًا.
وقال:
“انزل!”
قفزنا إلى الخارج.
وفي اللحظة التالية بدأت الرصاصات ترتطم بالأرض حولنا.
ركضنا بين مخازن مهجورة.
وساحات ترابية.
حتى وصلنا إلى مبنى قديم نصف متهدم.
دخلناه.
وأغلق مراد الباب الحديدي خلفنا.
كانت أنفاسنا متسارعة.
لكن المطاردين لم يتوقفوا.
كانوا يقتربون.
—
في الطابق الثاني من المبنى…
جلسنا خلف جدار خرساني متهالك.
وأخرج مراد خريطة قديمة.
ثم نظر إلي.
وقال:
“لازم تعرف الحقيقة كلها دلوقتي.”
هززت رأسي.
فأكمل:
“أبوك محمود ما زيفش موته عشان يهرب.”
“زيفه عشان يجبرهم يظهروا.”
نظرت إليه بعدم فهم.
قال:
“طول عشرين سنة كانوا مستخبيين.”
“لكن أول ما صدقوا إن محمود مات…”
“بدأوا يتحركوا.”
“وبكده كشفوا نفسهم.”
بدأت أفهم.
الخطة كلها كانت فخًا.
جنازة.
نعش فارغ.
رسائل.
مطاردات.
كل شيء صُمم لإخراج أعدائهم من الظل.
لكن سؤالًا واحدًا بقي.
“مين هم؟”
ساد الصمت.
ثم أجاب مراد:
“مش شخص واحد.”
“ولا اتنين.”
“منظمة كاملة.”
“رجال أعمال.”
“مسؤولون.”
“وشخصيات كبيرة.”
“كلهم مربوطين بالملف.”
—
بعد أقل من ساعة…
وصلت رسالة إلى هاتف مراد.
قرأها بسرعة.
ثم نهض.
وقال:
“يلا.”
“فين؟”
ابتسم لأول مرة.
“هتشوف أبوك.”
—
وصلنا إلى مزرعة قديمة خارج القاهرة.
مكان معزول.
محاط بأشجار كثيفة.
وحراسة في كل اتجاه.
بمجرد أن توقفت السيارة…
نزل رجل من المنزل الرئيسي.
شعرت بأن قلبي يتوقف.
كان محمود.
أبي.
حيًا.
حقيقيًا.
يقف أمامي.
ركضت نحوه دون تفكير.
واحتضنته بقوة.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعرت أنني طفل من جديد.
أغمض أبي عينيه.
وقال بصوت مبحوح:
“سامحني.”
لم أستطع الرد.
كل ما استطعت فعله هو التمسك به.
كأنني أخشى أن يختفي مرة أخرى.
—
في تلك الليلة…
جلسنا معًا.
وحكى لي كل شيء.
كيف عرف أن المنظمة اقتربت من معرفة مكان الملف.
وكيف قرر تنفيذ الخطة الأخيرة.
وكيف دفع لحفار القبور قبل سنوات طويلة تحسبًا لهذا اليوم.
ثم سألته:
“والساعة؟”
نظر إلي مباشرة.
وقال:
“لسه معاك؟”
أومأت.
“في البيت.”
ابتسم.
“يبقى كل حاجة لسه ممكن تتصلح.”
—
لكن بينما كنا نتحدث…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
“لقونا.”
اختفت الابتسامة من وجه أبي.
ونهض فورًا.
“متأكد؟”
“أيوة.”
“العربيات في الطريق.”
ساد الصمت.
ثم نظر أبي إلي.
وقال:
“واضح إن النهاية وصلت أسرع مما توقعت.”
—
قبل الفجر بقليل…
تحولت المزرعة إلى حصن.
رجال ينتشرون في كل مكان.
بوابات مغلقة.
وأجهزة اتصال لا تتوقف.
لكن المفاجأة جاءت من مكان لم يتوقعه أحد.
رن هاتفي.
رقم والدتي.
أجبت فورًا.
جاءني صوتها باكيًا.
“كريم…”
“ماما؟”
“متروحوش للبيت.”
تجمدت.
“ليه؟”
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء.
“سلمى اختفت.”
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
“إيه؟”
“خرجت من البيت من ساعات.”
“ومرجعتش.”
ارتجفت يدي.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها.
قالت أمي:
“وسابت رسالة.”
“رسالة مكتوب فيها…”
توقفت تبكي.
صرخت:
“مكتوب فيها إيه؟”
ثم قالت:
“لو عايزين تشوفوها تاني…”
“هاتوا الساعة.”
ساد الصمت.
ونظرت إلى أبي.
وهو ينظر إلي.
لأننا فهمنا في اللحظة نفسها.
الأمر لم يعد يتعلق بالملف فقط.
ولا بالأدلة.
ولا بالمطاردة.
لقد أخذوا سلمى.
والآن…
بدأت المعركة الأخيرة فعلًا.الفصل السابع والأخير
لم أنم تلك الليلة.
لم ينم أحد.
كانت صورة سلمى لا تفارق ذهني.
ضحكتها.
صوتها.
وجهها وهي تقف بجوار طفلينا في المقابر قبل ساعات فقط.
والآن…
اختفت.
بسبب حرب بدأت قبل أن أعرف بوجودها.
جلس أبي محمود أمام النافذة يراقب الظلام.
بينما كان مراد يراجع خرائط وأوراقًا قديمة.
وأخيرًا قال أبي:
“لازم نرجع البيت.”
أومأت دون تردد.
لأنني كنت سأفعل ذلك مهما قال.
—
مع أول خيوط الفجر…
تحركنا.
سيارتان فقط.
وبأقل عدد ممكن من الرجال.
كان الطريق إلى المنزل يبدو مختلفًا.
كأنني أراه لأول مرة.
كل شارع.
كل بناية.
كل إشارة مرور.
أصبحت تحمل معنى جديدًا.
وصلنا أخيرًا.
وكان كل شيء هادئًا بصورة مريبة.
الباب مغلق.
السيارة في مكانها.
ولا أثر لأي اقتحام.
لكن بمجرد أن دخلت…
شعرت أن هناك شيئًا خطأ.
البيت مرتب أكثر من اللازم.
هادئ أكثر من اللازم.
كأن أحدًا مر من هنا وحرص على ألا يترك أثرًا.
صعدت إلى غرفتي مباشرة.
واتجهت إلى الدرج القديم.
فتحت الدرج.
وأخرجت العلبة المخملية الصغيرة.
كانت الساعة ما تزال هناك.
ساعة فضية قديمة.
أعطاني إياها أبي يوم عيد ميلادي العاشر.
احتفظت بها سنوات.
لكنني لم أرتدها منذ وقت طويل.
أمسكتها بيدي.
وتذكرت كلمات الرسالة.
“الأدلة مخبأة داخل الساعة.”
نظرت إليها باستغراب.
بدت عادية تمامًا.
لكن أبي أخذها مني.
وقلبها بين أصابعه.
ثم ضغط نقطة صغيرة قرب السوار.
صدر صوت خافت.
وانفتح جزء مخفي داخل الهيكل.
شعرت بصدمة.
لأنني لم أكن أعرف بوجوده أصلًا.
ومن الداخل…
خرجت شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.
أصغر من ظفر الإصبع.
نظر إليها أبي طويلًا.
ثم قال:
“عشرين سنة.”
“عشرين سنة وهي هنا.”
—
بعد أقل من ساعة…
وصلنا إلى مزرعة مهجورة خارج القاهرة.
المكان الذي أرسلوا إحداثياته مقابل إطلاق سلمى.
كان واضحًا أنه فخ.
لكن لم يعد لدينا خيار.
دخلنا المبنى الرئيسي.
وكان الظلام يملأ المكان.
ثم سمعنا صوت تصفيق بطيء.
هادئ.
ساخر.
خرج رجل من الظلال.
في أواخر الستينيات.
أنيق.
هادئ.
وكأنه صاحب المكان.
نظر إليّ.
ثم إلى أبي.
وابتسم.
وقال:
“أخيرًا.”
تجمد أبي.
أما مراد فشحب وجهه.
همست:
“مين ده؟”
أجاب أبي بصوت منخفض:
“فؤاد رشدي.”
الاسم وحده كان كافيًا.
الرجل الذي ظهر اسمه في عشرات الشركات.
وعشرات الصفقات.
دون أن يربطه أحد بأي ج*ريمة.
لكنه كان الرأس الحقيقية لكل شيء.
—
ابتسم فؤاد.
وقال:
“اتأخرتوا.”
رفع أبي الشريحة.
“سلمى فين؟”
ضحك الرجل.
“لسه بتحب تعمل اتفاقات.”
ثم أشار بيده.
فخرجت سلمى من غرفة جانبية.
مقيدة اليدين.
لكنها بخير.
بمجرد أن رأتني بكت.
وشعرت أن حملًا هائلًا انزاح عن صدري.
لكن فؤاد رفع يده.
فتوقف الجميع.
“الشريحة.”
قالها بهدوء.
نظر أبي إلي.
ثم إلى مراد.
ثم سلمني الشريحة.
فهمت ما يريده.
كان القرار عندي.
—
نظرت إلى فؤاد.
ثم إلى سلمى.
ثم إلى أبي.
وفجأة…
تذكرت شيئًا.
طوال هذه السنوات.
لم يكن أبي يهرب.
ولم يكن يخاف.
كان ينتظر.
ينتظر اللحظة المناسبة.
ابتسمت.
ثم رفعت الشريحة.
وقلت:
“متأكد إنك محتاجها؟”
عقد حاجبيه.
“طبعًا.”
أخرجت هاتفي.
وضغطت زرًا واحدًا.
فتغير وجهه فجأة.
قال:
“إيه اللي عملته؟”
أجبته:
“اللي كان لازم يتعمل.”
—
قبل وصولنا إلى المزرعة بساعة كاملة…
كان أبي قد سلّم نسخة من محتوى الشريحة إلى جهات التحقيق.
ونسخة أخرى إلى عدة صحفيين.
ونسخة ثالثة إلى محامين خارج مصر.
كانت الحقيقة قد خرجت بالفعل.
ولم تعد الشريحة الأصلية مهمة.
أدرك فؤاد ذلك.
ورأيت الذعر الحقيقي يظهر لأول مرة في عينيه.
ثم بدأت الهواتف ترن.
هاتفه.
وهواتف رجاله.
واحدًا تلو الآخر.
وأصبح كل شيء ينهار.
الشركات.
الحسابات.
الأسماء السرية.
التحويلات.
كل شيء.
خرج إلى النور دفعة واحدة.
—
حاول بعض رجاله الهرب.
لكن الشرطة كانت قد وصلت.
من كل الاتجاهات.
وأُغلقت الطرق.
وانتهت اللعبة أخيرًا.
نظر فؤاد إلى أبي.
ثم قال بمرارة:
“ضيعت عمرك كله عشان الملف ده.”
ابتسم أبي بهدوء.
وأجاب:
“لا.”
“ضيعت عمري عشان ابني يعيش من غير خوف.”
ولأول مرة…
لم يجد فؤاد ردًا.
—
بعد ستة أشهر…
عاد كل شيء إلى مكانه.
تقريبًا.
تم القبض على عشرات المتورطين.
وسقطت أسماء لم يكن أحد يتخيل سقوطها.
واستعادت عائلتنا حياتها تدريجيًا.
أما أبي…
فلم يعد يختبئ.
لأول مرة منذ عشرين عامًا.
كان يسير في الشارع باسمه الحقيقي.
ورأسه مرفوع.
وفي مساء هادئ…
اجتمعنا جميعًا في حديقة المنزل.
أمي.
سلمى.
طفلانا.
مراد.
وأبي.
ضحك الأطفال وهم يركضون بين الأشجار.
ونظرت إلى الرجل الذي ظننت أنني دفنته.
ثم قلت مبتسمًا:
“بصراحة…”
“كانت أغرب جنازة حضرتها في حياتي.”
انفجر الجميع بالضحك.
حتى أبي.
ثم نظر إلي.
وقال:
“الحمد لله إنها كانت الأخيرة.”
رفعت بصري إلى السماء.
وشعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل.
الراحة.
لأن الحقيقة مهما تأخرت…
تجد طريقها دائمًا إلى النور.
ولأن مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا حمل الرقم 17…
كان كافيًا ليكشف سرًا دُفن عشرين عامًا.
ويعيد عائلة كاملة إلى الحياة.
تمت النهاية.