حامل حكـايـات روماني×2
الجزء الثالث:
نظر الطبيب إلى محمود ثم إلى الحاجة فاطمة التي كانت تفرك يديها بقلق وغل، وهز رأسه بملامح يملؤها الغموض وهو يقلب الأوراق بين يديه، ثم قال بهدوء:
— “مين فيكم يقرب للحالة ندى؟”
محمود تقدم خطوة وحنجرته جافة:
— “أنا سلفها يا دكتور، وأمي دي تبقى حماتها.. جوزها مسافر برة مصر بقاله خمس شهور، وعايزين نعرف الحقيقة بنعم أو لا.. ندى حامل فعلاً؟”
خرجت ندى في تلك اللحظة من غرفة الفحص، وجهها كان كالأموات، تقف على قدمين مرتعشتين وتسند يدها على الحائط وهي تنتظر كلمة الطبيب التي ستحكم بالإعدام على رقبتها أو تغسل شرفها أمام عائلتها.
الطبيب نظر إلى محمود بجدية وقال:
— “التحليل الرقمي اللي عملتوه برة في المعمل الخاص كان بيقول إن في حمل، لكن الأشعة التلفزيونية والتحليل الدقيق اللي عملناه هنا دلوقتي بيقولوا كلام تاني خالص.. الست ندى مش حامل.”
وقعت الكلمة على آذانهم كالقنبلة. ندى أطلقت صرخة مكتومة وسقطت على ركبتيها تبكي بحرقة وتكتم وجهها بكفيها وهي تردد: “الحمد لله.. يا رب أنت الحق.. الحمد لله”. أما الحاجة فاطمة فضيقت عينيها بصدمة وقالت بعدم تصديق:
— “يعني إيه مش حامل يا دكتور؟ أمال التحليل الأولاني ده إيه؟ والبطن اللي الهانم كانت بتقول إنها حاسة بحركة فيها واللوعة اللي بتجيلها كل شوية؟”
الطبيب تنهد بأسف وأشار لهم بالدخول إلى مكتبه:
— “تعالوا معايا جوة عشان تفهموا الموضوع علمياً، لأن الست دي مظلومة ولازم تفهموا حالتها كويس.”
دخل محمود وهو يشعر بجزء من الحمل ينزاح عن صدره، ودخلت وراءه والدته التي كانت لا تزال تشك في الأمر، بينما ساعدت إحدى الممرضات ندى على النهوض وأجلستها على مقعد داخل العيادة.
جلس الطبيب خلف مكتبه وقال موجهاً حديثه لمحمود والحاجة فاطمة:
— “الموضوع ببساطة إن ندى بتعاني من حاجة طبية معروفة اسمها ‘الحمل الكاذب’ أو (Pseudocyesis). ده اضطراب نفسي وجسدي بيحصل للستات اللي بيبقى عندهم رغبة شديدة جداً في الخلفية، أو ضغط نفسي وعصبي كبير بسبب تأخر الإنجاب أو السفر المفاجئ للزوج.”
محمود قطب جبينه:
— “يعني إيه حمل كاذب يا دكتور؟ والتحليل اللي كان إيجابي؟”
الطبيب شرح بهدوء:
— “الحالة النفسية بتأثر على الغدة النخامية في المخ، فتبدأ تفرز هرمونات بتشبه هرمونات الحمل بالظبط. الجسم بيصدق الخدعة دي، فتبدأ الدورة الشهرية تنقطع، والبطن تنتفخ نتيجة الغازات وارتخاء العضلات، وحتى الست بتحس بأعراض الوحم والغثيان. ولأن الهرمونات دي بتكون عالية في الجسم، لو عملت تحليل حمل عادي في معمل مش دقيق أو شريط من الصيدلية، ممكن جداً النتيجة تطلع إيجابي مغلوط بسبب تشابه الهرمونات.”
نظرت الحاجة فاطمة إلى الطبيب بذهول ولجم لسانها، بينما التفت محمود إلى ندى التي كانت تجلس والدموع تنهمر من عينيها بهدوء، وشعر بوخز الضمير يجتاح قلبه بعد أن ضربها وأهانها وتسبب في جرح جبهتها.
تابع الطبيب كلامه بلهجة عتاب:
— “المدام ندى عانت من ضغط نفسي رهيب في فترة غياب جوزها، وواضح إن الشكوك والضغط اللي حواليها زودوا الحالة عندها. الأشعة أثبتت إن الرحم فاضي تماماً ومفيش أي أثر لجنين، والتحليل الرقمي الدقيق أكد إن الهرمونات دي مش هرمونات حمل طبيعي. يعني باختصار.. الست دي شريفة، ومظلومة، ومحتاجة علاج نفسي ورعاية، مش ضرب وإهانات.”
وقف محمود من مكانه وعلامات الخجل تكسو وجهه، واقترب من ندى ونزل لمستواها وقال بنبرة مليئة بالندم:
— “حقك عليا يا ندى.. أنا أسف، الغضب أعمى عيني والورقة الأولانية لغيت عقلي. سامحيني يا مرات أخويا.”
ندى لم ترد، بل اكتفت بنظرة عتاب كسيرة، ثم التفتت إلى حماتها “الحاجة فاطمة” التي كانت تجلس على الكرسي مذهولة، وعينها زاغد في الأرض بعد أن تبين كذب ظنونها السيئة. وقفت ندى بضعف وقالت بصوت متحشرج:
— “شرفي اللي كنتي هتدبحيني بسببه يا حماتي.. ربنا نصرني فيه. أنا من النجمة هاخد هدمتي وأروح بيت أبويا، ومش هقعد في البيت ده تاني لحد ما كريم يرجع ويشوف بنفسه اللي عملتوه فيا.”
خرجت ندى من العيادة متوجهة إلى خارج المستشفى، واندفع محمود وراءها ليحاول تهدئتها، بينما بقيت الحاجة فاطمة في مكتب الطبيب، تضرب كفاً بكف، ليست فقط بسبب شعورها بالذنب، بل لأنها أدركت أن ابنها كريم لو علم بما حدث لزوجته في غيابه، فلن يغفر لها أبداً.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما هم في ممر المستشفى، اهتز هاتف محمود في جيبه.. أخرجه بسرعة ليجد اسم المتصل: “أخويا كريم”.
تحبس الأنفاس، ونظر محمود إلى الهاتف المرتعش في يده، ثم نظر إلى ندى التي كانت تبتعد عنه، وتملكه رعب شديد من الرد.. فكيف سيخبر أخاه بما حدث في الساعات القليلة الماضية؟
الجزء الرابع (قبل الأخير):
تصلب محمود في مكانه، وشاشه الهاتف تضيء باسم “كريم” وتصدر رنيناً كان في أذن محمود أشبه بإنذار حريق. نظر إلى ندى التي توقفت عن السير والتفتت تنظر إليه بعينين مغرورقتين بالدموع، وجاءت الحاجة فاطمة من خلفهما وهي تلهث، وعيناها مثبتتان على الهاتف برعب لم تعشه من قبل.
صاحت الحاجة فاطمة بصوت خفيض ومرتجف:
— “متردش يا محمود! اقفل التليفون دلوقتي لحد ما نشوف هنقوله إيه.. أخوك لو عرف باللي حصل هتحصل جناية!”
ندى تقدمت خطوتين، ورغم ضعفها وجرح جبهتها، إلا أن نبرتها كانت قوية وصامدة:
— “لا.. هيرد يا حماتي. سيبيه يرد ويقوله إن مراته الشريفة كانت هتتدبح من كام ساعة بسبب شك عبيط. سيبيه يعرف إن أمه وأخوه م صانوش غيبته!”
انقطع الرنين لثوانٍ، ثم عاد الهاتف ليعلن عن مكالمة أخرى من كريم. أخذ محمود نفساً عميقاً، وضغط على زر الرد ووضع الهاتف على أذنه وهو يحاول تجميع شتات صوته:
— “أيوة.. أيوة يا كريم، يا مرحب يا أخويا.. عامل إيه؟”
جاء صوت كريم عبر الهاتف متعباً ومشوشاً بسبب شبكة الجبال، لكن النبرة كانت مليئة بلهفة غريبة:
— “أيوة يا محمود، سامعني يا أخويا؟ الشبكة قطعت معايا بقالها يومين ولسه واصلة حالا.. أنا قلبي مقبوض يا محمود، في إيه عندكم في البيت؟ أنا اتصلت بأمي تليفونها غير متاح، واتصلت بندى تليفونها مقفول.. طمني، ندى فيها حاجة؟”
بلع محمود ريقه وصوته تحشرج في حلقه، ونظر إلى والدته التي كانت ترجوه بعينيها أن يصمت، ونظر إلى ندى التي كانت تنتظر خلفه بكسرة نفس. قال محمود متمتماً:
— “الكل بخير يا أخويا.. مفيش حاجة، إحنا.. إحنا بس في مشوار برة البيت.”
كريم لم يقتنع بنبرة شقيقه، فصاح بنبرة حادة ملؤها القلق:
— “محمود! متخبيش عليا.. صوتك مش عاجبني، وأمي مال تليفونها؟ ندى جرى لها حاجة؟ أنتوا فين؟”
في تلك اللحظة، لم تتحمل ندى، فاقتربت من محمود وسحبت الهاتف من يده بقوة، ووضعته على أذنها وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:
— “أنا أهو يا كريم.. أنا سامعاك يا حبيبي.”
كريم عندما سمع صوت بكائها انتفض عبر الهاتف:
— “ندى! مالك يا روح قلبي؟ بتبكي ليه؟ في إيه؟ أمي عملت فيكي حاجة تاني؟”
ندى نظرت إلى حماتها التي انحنت تقريباً وهي تقبل يد ندى بالمنظر لتستعطفها ألا تتكلم، ونظرت لمحمود الذي نكس رأسه في الأرض خجلاً. تذكرت ندى كيف رميت على الأرض، وكيف اتهمت في عرضها، لكنها في نفس الوقت تذكرت حب كريم لها وحالته المغتربة في الجبال، وخافت أن يصيبه مكروه أو يسقط من طوله هناك إن علم بالفجيعة. تراجعت خطوة وقالت وهي تكتم غصتها:
— “مفيش يا كريم.. أنا بس تعبانة شوية، إحنا في المستشفى بنعمل تحاليل وكشف.. أنا مغمى عليا من الصبح وأمك ومحمود جابوني هنا وجريوا بيا.”
كريم تنهد براحة دبت في أوصاله لكن قلقه لم ينتهِ:
— “تعبانة مالك يا ندى؟ الدكتور قال لكم إيه؟”
نظرت ندى للطبيب الذي خرج من مكتبه يتابع الموقف، ثم قالت وعيناها مثبتتان في عين حماتها:
— “الدكتور بيقول إني كنت بمر بحالة نفسية صعبة بسبب غيابك، وجسمي وهيألي إني حامل من كتر شوقي للخلف.. حمل كاذب يا كريم. بس الحمد لله، أمك ومحمود وقفوا معايا ومسابونيش، والدكتور طمننا كلنا.”
أغلقت ندى الهاتف بعد أن طمأنت زوجها ووعدته أن تتحدث معه ليلاً فور عودتها للمنزل. التفتت ووجدت الحاجة فاطمة تبكي بندم شديد، واقتربت منها وحضنت يدها وهي تقول:
— “سامحيني يا بنتي.. أنا غما على عيني الشيطان، حقك على راسي.. أنا أسفة يا ندى.”
ندى سحبت يدها بهدوء وجفاء:
— “أنا داريت عليكي وعلي ابنك عشان خاطر كريم ميموتش بغربته يا حماتي، مش عشان مسمحاكي. أنا هروح معاكم البيت دلوقتي ألم هدمتي، ورجلي مش هتعتب البيت ده ولا هتشوفوا وشي إلا لما كريم يرجع بسلامته وهو اللي يرجعني بيده.”
تحركت ندى نحو باب الخروج بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس، يتبعها محمود ووالدته مطأطئي الرؤوس من خزي الموقف وعظمة براءتها، دون أن يدروا أن هناك مفاجأة أخرى كانت بانتظارهم فور وصولهم إلى عتبة المنزل.. مفاجأة ستغير مسار الأمور تماماً قبل النهاية.
الجزء الخامس والأخير والحكمة:
وصلت السيارة إلى باب منزل العائلة، ونزلت ندى وعيناها مثبتتان على الأرض، لا ترى أمامها سوى اللحظة التي تلم فيها شتات ملابسها وتغادر هذا المكان الذي كاد أن يبتلع شرفها. صعدت السلم وخلفها الحاجة فاطمة ومحمود، والسكوت يلفهم كالكفن.
بمجرد أن فتح محمود باب الشقة، تراجع خطوة إلى الوراء وصاح بذهول:
— “كريم!!”
انتفضت ندى من مكانها ورفعت عينيها لتجد زوجها كريم واقفاً في الصالة، وبجواره حقيبة سفره! كان وجهه شاحباً من التعب، وعيناه مجهدتين من السفر المفاجئ. التفتت الحاجة فاطمة لولدها بزهول وقالت:
— “كريم يا ابني! أنت جيت إزاي؟ ده أنت لسه مكلم القفل من ساعة وكنت في الجبل!”
كريم اقترب من ندى، وعيناه وقعتا فوراً على جرح جبهتها الصغير وعلى عينيها المنتفختين من البكاء. نظر إلى أخيه وأمه بنظرة حاسمة ملؤها الذكاء وقال بصوت هادئ ومخيف:
— “أنا نزلت إجازة مفاجئة من يومين يا أمي، ووصلت مصر الصبح.. وتليفوني اللي كلمتكم منه ده كان تليفون زميلي في المحطة هنا في القطر.. أنا كنت مراقب كل حاجة من بعيد.”
ساد الصمت كالصاعقة، وتابع كريم وهو يمسك يد ندى ويمسح على جرحها:
— “أنا جيت البيت هنا الصبح ولقيتكم مش هنا، ولقيت في باسكيت الزبالة شريط تحليل الحمل اللي ندى عملته.. ولقيت المعمل اللي ندى راحتله ورا البيت. رحت للمعمل بنفسي قبل ما أكلمكم، وصاحب المعمل راجل معرفة، ووراني النتيجة وعرفت اللخبطة والهرمونات.. وجيت هنا وقعدت مستنيكم وأنا غليان، وكلمتكم في التليفون وأنا قاعد في صالتكم عشان أشوف ندى هتقول إيه.. وأشوف أنتوا هتعملوا إيه!”
التفت كريم إلى أمه وأخيه وعيناه تشتعلان:
— “ندى اللي كنتوا هتطيروا رقبتها، دارت عليكم واستحملت ضربكم وإهانتكم عشان خايفة على قلبي في الغربة! ندى صانت غيبتي وأنا مش موجود، وأنتوا اللي من دمي ولحمي كنتوا هتدبحوها من غير ما تفكروا ولا تتبينوا!”
سقطت الحاجة فاطمة على الكرسي وهي تبكي بحرقة:
— “سامحني يا ابني.. الشيطان عمى قلوبنا والورقة لغت عقولنا.”
ومحمود تقدم ونكس رأسه: “أنا غلطت يا أخويا.. والدم فار في عروقي وعمى عيني، واهو حقها عليا وأنا مستعد للحق.”
كريم أخذ حقيبة سفر ندى وبيدها الأخرى احتضن كتفها وقال بقوة:
— “الحق إن مراتي الشريفة مش هتقعد هنا دقيقة واحدة.. إحنا خارجين على بيتنا التاني اللي جهزته في المحافظة، والبيت ده مش عتباه تاني إلا لما نفوسكم تصفى وتعرفوا قيمتها وتيجوا تعتذروا لها في بيتها.”
خرج كريم بندى وهي مرفوعة الرأس، دموعها تسيل لكنها دموع النصر والراحة، تاركين خلفهم داراً تعلمت درساً لن تنساه طوال العمر.
### الحكمة من القصة:
> **”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”**
>
تنتهي القصة بدرس قاصم في الحياة؛ **الشك المقترن بالتسرع هو أسرع مقصلة لخراب البيوت وهتك الأعراض.**
1. **التبيّن قبل التخوين:** العلم والطب يثبتان كل يوم أن الظواهر قد تخدع، وأن الأوراق العادية قد تخطئ، لكن الأخلاق والمواقف لا تخطئ أبداً. لو استمعت الحماة أو الأخ لصوت العقل والتبيّن قبل الاندفاع، لوفّروا على أنفسهم خزي الموقف وندم العمر.
2. **معدن الأصالة في الغياب:** الزوجة الأصيلة (ندى) ثبتت على طهرها، ولم يمنعها ظلمهم من حماية قلب زوجها في غربته، فكانت المكافأة الإلهية أن ظهرت براءتها على يد زوجها نفسه، ليظل الشرف تاجاً لا يمسه سوء الظن.
