ليلة زفافي حكايات اسما@4

الفصل السابع

 

لم يستطع كريم أن يبعد عينيه عن الصورة.

 

وقف أمام الحائط دقائق طويلة.

 

كأن عقله يرفض تصديق ما يراه.

 

الصورة حديثة.

 

واضحة.

 

لا يمكن تزويرها بسهولة.

 

والرجل الذي يفترض أن شهادات الوفاة أكدت موته منذ عشرين عامًا…

 

كان يقف فيها مبتسمًا.

 

بشعر أبيض خفيف.

 

وبدلة زرقاء داكنة.

 

ويمسك بيده عصًا أنيقة.

 

كأنه لم يختفِ يومًا.

 

وكأنه لم يمت أصلًا.

 

اقترب كريم أكثر.

 

ثم لاحظ شيئًا آخر.

 

في زاوية الصورة.

 

كان هناك تاريخ.

 

قبل ثمانية أشهر فقط.

 

شعر بدوار خفيف.

 

ثمانية أشهر.

 

يعني أن الرجل كان حيًا طوال تلك السنوات.

 

بينما الجميع يعتقد العكس.

 

وبينما كان هو يعيش حياته كلها فوق أكذوبة ضخمة.

 

—

 

في صباح اليوم التالي.

 

كنت في طريقي إلى الإسكندرية.

 

السماء كانت ملبدة بالغيوم.

 

والبحر يبدو رماديًا وباردًا.

 

طوال الطريق كنت أعيد سماع كلمات الرجل العجوز.

 

“ستجدينه هناك.”

 

لم يقل اسم الفندق.

 

ولا العنوان.

 

ولا أي تفاصيل.

 

ومع ذلك…

 

وصلني ظرف قبل الفجر.

 

داخله عنوان واحد فقط.

 

وقلم أحمر رسم دائرة حوله.

 

وصلت إلى المكان بعد الظهر.

 

وكان عبارة عن فيلا قديمة تطل على البحر مباشرة.

 

محاطة بأشجار عالية.

 

وبوابة حديدية سوداء.

 

بمجرد أن توقفت السيارة…

 

فُتح الباب.

 

كأنهم كانوا ينتظرونني.

 

—

 

في الوقت نفسه…

 

كان كريم يراجع الملفات الموجودة داخل الغرفة السرية.

 

مئات المستندات.

 

عشرات العقود.

 

وسنوات من الأسرار.

 

حتى عثر على ملف مختلف.

 

أسود اللون.

 

مكتوب عليه بخط واضح:

 

“مشروع الوريث.”

 

تجمدت يده.

 

ثم فتحه.

 

وبدأ يقرأ.

 

ومع كل صفحة…

 

كانت الصدمة تكبر.

 

لأن الملف لم يكن عن شركات.

 

ولا أموال.

 

ولا استثمارات.

 

كان عنه هو.

 

عن كريم.

 

منذ طفولته.

 

منذ يوم ولادته.

 

—

 

جلس على الأرض دون أن يشعر.

 

وقلب الصفحة التالية.

 

وجد صورًا له وهو طفل.

 

صورًا مدرسية.

 

صورًا من الجامعة.

 

تقارير.

 

ملاحظات.

 

مراقبة مستمرة.

 

كأن أحدهم كان يتابعه طوال حياته.

 

همس لنفسه:

 

“إيه ده؟”

 

ثم قرأ السطر الأول.

 

“المرشح رقم واحد.”

 

شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

 

وأكمل.

 

“تمت متابعة تطوره بنجاح.”

 

“الذكاء مناسب.”

 

“الشخصية قابلة للتوجيه.”

 

“العلاقة المستقبلية مع عائلة عبد الرحمن ضرورية.”

 

اختفى الهواء من رئتيه.

 

لأنه بدأ يفهم.

 

ببطء.

 

وبرعب.

 

أنه لم يقع في حياة سارة بالصدفة.

 

—

 

أما أنا…

 

فدخلت الفيلا القديمة.

 

وقادني أحد الحراس إلى غرفة واسعة.

 

في نهايتها جلس رجل مسن.

 

ظهره نحو النافذة.

 

والبحر خلفه.

 

حين التفت نحوي…

 

توقفت قدماي.

 

لأنني رأيت وجهًا أعرفه.

 

وجهًا رأيته عشرات المرات في الصور القديمة.

 

لكنني لم أتوقع رؤيته حيًا.

 

رفع الرجل رأسه.

 

ونظر إلي بهدوء.

 

ثم قال:

 

“كبرتِ يا سارة.”

 

شعرت بأن قلبي يدق بعنف.

 

همست:

 

“حضرتك…”

 

ابتسم.

 

وأكمل:

 

“نعم.”

 

“أنا فؤاد السيوفي.”

 

الاسم ضربني كالصاعقة.

 

فؤاد السيوفي.

 

الشريك الميت.

 

الشبح.

 

الرجل الذي كانت كل الملفات تشير إلى وفاته.

 

والذي بنيت إمبراطوريات كاملة على قصة موته.

 

كان يجلس أمامي الآن.

 

حيًا.

 

وحقيقيًا.

 

—

 

جلسنا لساعات.

 

وأنا أستمع.

 

وكل دقيقة كانت تدمر حقيقة أخرى كنت أؤمن بها.

 

أخبرني أن الشركاء الأربعة لم ينفصلوا بسبب المال فقط.

 

بل بسبب اكتشاف شيء أخطر.

 

شيء جعل أحدهم يقرر التخلص من الباقين.

 

السيطرة الكاملة.

 

الثروة الكاملة.

 

النفوذ الكامل.

 

ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي.

 

“الحرب الحقيقية بدأت قبل ولادتك.”

 

رفعت رأسي نحوه.

 

فأكمل:

 

“وقبل ولادة كريم أيضًا.”

 

—

 

في القاهرة…

 

كان كريم قد وصل إلى آخر صفحات ملف “مشروع الوريث”.

 

وهناك وجد الحقيقة.

 

الحقيقة التي قلبت حياته بالكامل.

 

لأن المشروع لم يكن يهدف لبناء شركة.

 

ولا لتوريث ثروة.

 

بل لاختيار شخص محدد.

 

شخص يمكن استخدامه لاحقًا للسيطرة على كل أصول الشركاء.

 

شخص يحمل الاسم المناسب.

 

والخلفية المناسبة.

 

ويمكن توجيهه نحو الهدف المطلوب.

 

وفي آخر الصفحة…

 

وجد جملة واحدة.

 

جملة جعلته يسقط الملف من يده.

 

“تم اختيار كريم الشاذلي بنجاح.”

 

—

 

شعر ببرودة قاتلة.

 

وأكمل القراءة.

 

“المرحلة الأخيرة تبدأ عند ارتباطه بوريثة عبد الرحمن.”

 

اتسعت عيناه.

 

ثم قرأ الاسم التالي.

 

سارة عبد الرحمن.

 

كانت مكتوبة بوضوح.

 

داخل الخطة.

 

قبل سنوات طويلة من لقائهما.

 

قبل أول نظرة.

 

قبل أول كلمة.

 

قبل أول موعد.

 

قبل الحب.

 

وقبل الزواج.

 

كل شيء كان موجودًا في الملفات.

 

وكأنه مخطط مسبقًا.

 

—

 

في الإسكندرية…

 

أنهى فؤاد السيوفي حديثه.

 

ثم نهض ببطء.

 

واتجه إلى خزانة صغيرة.

 

وأخرج منها ملفًا قديمًا.

 

أعطاني إياه.

 

وقال:

 

“دي النسخة الأصلية.”

 

أخذته بيد مرتجفة.

 

وسألته:

 

“نسخة إيه؟”

 

نظر في عيني مباشرة.

 

ثم قال:

 

“الخطة اللي بدأت من خمسة وعشرين سنة.”

 

“الخطة اللي جمعتك بكريم.”

 

شعرت بأنفاسي تتوقف.

 

لكن فؤاد لم ينتهِ بعد.

 

بل اقترب أكثر.

 

وقال بصوت منخفض:

 

“وما زلتِ لا تعرفين اسم الشخص اللي حرك كل الخيوط.”

 

سألته:

 

“مين؟”

 

نظر إلى البحر خلفي.

 

ثم عاد بعينيه نحوي.

 

وقال الاسم.

 

اسمًا واحدًا فقط.

 

الاسم الذي جعلني أقف من مكاني مصدومة.

 

لأن صاحبه لم يكن غريبًا.

 

ولم يكن بعيدًا.

 

بل كان شخصًا أثق به منذ سنوات.

 

شخصًا يدخل مكتبي كل يوم تقريبًا.

 

وشخصًا لم يخطر ببالي للحظة أنه قد يكون العقل المدبر لكل ما حدث.

 

وفي تلك اللحظة…

 

فهمت أخيرًا لماذا بدأت كل الكوارث تتحرك مع ليلة زفافي.

 

ولماذا كان هناك من يريد تحطيم كريم.

 

ولماذا كان هناك من يريد إبعادي عن الحقيقة.

 

لكن الأخطر من كل ذلك…

 

أن هذا الشخص كان يعلم الآن أنني اكتشفت سره.

 

وكان يتحرك بالفعل.

 

للوصول إلي قبل أن أعود إلى القاهرة.

 

الفصل الثامن

 

خرجت من الفيلا وأنا أشعر أن العالم لم يعد كما كان.

 

الهواء المالح القادم من البحر كان باردًا.

 

لكن البرودة الحقيقية كانت داخلي.

 

الاسم الذي نطقه فؤاد السيوفي ما زال يتردد في رأسي.

 

مرة.

 

ثم مرة أخرى.

 

ثم عشرات المرات.

 

لأن العقل يرفض أحيانًا تصديق الحقيقة حتى عندما يسمعها بوضوح.

 

الشخص الذي يقف خلف كل شيء…

 

لم يكن عدوًا قديمًا.

 

ولم يكن رجل أعمال منافسًا.

 

ولم يكن سياسيًا نافذًا.

 

بل كان أقرب من ذلك بكثير.

 

كان الدكتور نبيل منصور.

 

الرئيس التنفيذي للمجموعة.

 

الرجل الذي عمل مع والدي أكثر من عشرين عامًا.

 

الرجل الذي كنت أعتبره فردًا من العائلة.

 

والرجل نفسه الذي وقف بجواري يوم جنازة والدي.

 

وأمسك بيدي عندما انهرت.

 

وقال لي وقتها:

 

“أنا هفضل أحميكي طول عمري.”

 

الآن فقط فهمت معنى الجملة.

 

لم يكن يحميني.

 

بل كان يحرس الإمبراطورية حتى تظل تحت سيطرته.

 

—

 

في القاهرة…

 

كان كريم يقرأ الملف للمرة الثالثة.

 

باحثًا عن أي دليل يثبت أن ما يراه غير حقيقي.

 

لكن كل شيء كان مترابطًا بشكل مخيف.

 

صور.

 

تقارير.

 

مراسلات.

 

اجتماعات.

 

توصيات.

 

كلها تشير إلى شيء واحد.

 

أنه لم يكن مجرد وريث لعائلة الشاذلي.

 

بل كان جزءًا من مشروع طويل المدى.

 

مشروع تم تصميمه قبل أن يصبح رجلًا.

 

وقبل أن يعرف حتى من هي سارة عبد الرحمن.

 

أغلق الملف بعنف.

 

ثم وقف.

 

شعر لأول مرة أن حياته بالكامل لم تكن ملكه.

 

وأن شخصًا آخر كان يكتب فصولها من بعيد.

 

—

 

وصلت إلى القاهرة قبل منتصف الليل.

 

لكنني لم أذهب إلى المنزل.

 

ولا إلى القصر.

 

ولا حتى إلى مكتبي.

 

ذهبت مباشرة إلى المقر الرئيسي للمجموعة.

 

البرج الزجاجي الضخم الذي يحمل اسم عائلتي.

 

دخلت من الباب الخلفي.

 

وصعدت إلى الطابق الأخير.

 

في صمت.

 

لم أخبر أحدًا بعودتي.

 

ولا أخبرت أحدًا بما عرفته.

 

لأنني كنت أريد التأكد بنفسي.

 

—

 

عند الثانية عشرة وخمس دقائق.

 

دخلت مكتب نبيل منصور.

 

باستخدام بطاقة الدخول الخاصة برئيس مجلس الإدارة.

 

كان المكتب فارغًا.

 

لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهي فورًا.

 

الخزنة.

 

كانت مفتوحة قليلًا.

 

كأن صاحبها خرج على عجلة.

 

اقتربت منها.

 

وفتحتها بالكامل.

 

ثم بدأت أخرج الملفات الموجودة داخلها.

 

ملف.

 

ثم آخر.

 

ثم ثالث.

 

حتى وصلت إلى مجلد أسود سميك.

 

مكتوب عليه:

 

“المرحلة النهائية.”

 

شعرت بنبضات قلبي تتسارع.

 

وفتحته.

 

—

 

في اللحظة نفسها تقريبًا…

 

كان نبيل منصور يجلس داخل سيارة سوداء تسير بسرعة على الطريق الدائري.

 

أحد رجاله أنهى مكالمة هاتفية.

 

ثم التفت إليه.

 

وقال:

 

“هي رجعت القاهرة.”

 

ساد الصمت.

 

ثم ابتسم نبيل ابتسامة باردة.

 

وقال:

 

“كنت عارف.”

 

سأله الرجل:

 

“نعمل إيه؟”

 

نظر عبر النافذة.

 

وأجاب:

 

“خلاص.”

 

“مفيش داعي للاختباء.”

 

—

 

عدت إلى الملف.

 

وبدأت أقرأ.

 

ومع كل صفحة…

 

كانت الحقيقة تصبح أكثر بشاعة.

 

نبيل لم يكن مجرد شريك خائن.

 

بل كان العقل الذي بنى كل شيء.

 

هو من تسبب في انهيار الشراكة القديمة.

 

وهو من نشر قصة وفاة فؤاد السيوفي.

 

وهو من لعب بالجميع.

 

والأخطر…

 

أنه كان يخطط للاستيلاء على المجموعة بالكامل.

 

من خلالي.

 

ومن خلال كريم.

 

—

 

وصلت إلى الصفحة الأخيرة.

 

وهناك وجدت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

 

خطة مفصلة.

 

تحمل عنوانًا واحدًا.

 

“بعد الزواج.”

 

كانت تتحدث عن زواجي أنا وكريم.

 

وكأنه جزء من صفقة.

 

وليس علاقة إنسانية.

 

وأسفل الخطة مباشرة كانت هناك جملة مكتوبة بخط نبيل نفسه:

 

“عند اكتمال الدمج تنتقل السيطرة النهائية.”

 

جلست ببطء على الكرسي.

 

وأدركت أخيرًا حجم الكارثة.

 

لقد استُخدم كريم.

 

واستُخدمت أنا.

 

وكان الهدف هو الإمبراطورية كلها.

 

—

 

وفجأة…

 

سمعت صوت تصفيق هادئ خلفي.

 

تجمدت.

 

ثم استدرت ببطء.

 

وكان نبيل منصور يقف عند باب المكتب.

 

بكل هدوء.

 

وبكل ثقة.

 

وكأنه لم يعد يهتم بإخفاء شيء.

 

قال مبتسمًا:

 

“أخيرًا وصلتي للحقيقة.”

 

وقفت فورًا.

 

وأغلقت الملف.

 

لكن ذلك لم يزعجه.

 

بل تقدم إلى الداخل.

 

وجلس على المقعد المقابل لي.

 

وقال:

 

“بصراحة.”

 

“أنا توقعت إنك تكتشفي الموضوع بدري عن كده.”

 

شعرت بالغضب يشتعل داخلي.

 

وسألته:

 

“ليه؟”

 

ابتسم.

 

ثم قال:

 

“لأن الناس الذكية عادةً بتلاحظ الخيوط أسرع.”

 

—

 

لثوانٍ طويلة…

 

لم يتكلم أي منا.

 

ثم قلت:

 

“إنت دمرت حياة ناس كتير.”

 

هز كتفيه بلا مبالاة.

 

“دي طريقة الأعمال.”

 

“دي جريمة.”

 

فضحك.

 

ضحكة باردة.

 

مخيفة.

 

وقال:

 

“التاريخ كله اتبنى على الجرائم يا سارة.”

 

—

 

ثم انحنى للأمام.

 

ونظر مباشرة في عيني.

 

وقال الجملة التي غيرت كل شيء:

 

“بس في حاجة لسه متعرفيهاش.”

 

شعرت بالتوتر.

 

“إيه هي؟”

 

ابتسم.

 

وقال:

 

“كريم مش مجرد جزء من الخطة.”

 

تجمدت مكاني.

 

وأكمل:

 

“كريم هو السبب الأساسي للخطة.”

 

اختفى الهواء من رئتي.

 

لأنني كنت أعلم أن ما سيقوله بعد ذلك…

 

سيكون أخطر من كل ما سمعته حتى الآن.

 

لكن قبل أن ينطق بالكلمة التالية…

 

انفتح باب المكتب بعنف.

 

ودخل شخص لم أكن أتوقع رؤيته.

 

شخص كان من المفترض أن يكون في مكان آخر تمامًا.

 

كان كريم.

 

وفي يده الملف الأسود.

 

وعيناه تمتلئان بالغضب.

 

وقال بصوت هز الغرفة كلها:

 

“كمّل كلامك يا نبيل.”

 

“وقول لها الحقيقة كلها.”

 

في تلك اللحظة…

 

أدركت أن المواجهة التي انتظرها الجميع منذ خمسة وعشرين عامًا…

 

قد بدأت أخيرًا.

 

وأن أحدنا سيخرج منها منتصرًا.

 

لكن شخصًا آخر…

 

سيسقط إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *