شقيقتي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني

الجيم كله سكت.

حتى الموسيقى اللي كانت شغالة في الخلفية حسّت مريم إنها اختفت.

كانت واقفة قدام نور.

بعد أسابيع من الغضب.

والخذلان.

والوجع.

بعد أسابيع من الصور والستوريهات والقلوب الحمراء.

نور بلعت ريقها.

وقالت بصوت واطي:

“ممكن نتكلم خمس دقايق؟”

مريم ضحكت بمرارة.

“دلوقتي افتكرتي إن ليكي أخت؟”

خفضت نور عينيها.

والمرة دي فعلًا شكلها كان مكسور.

لكن مريم لم تعد تعرف إذا كان ده حقيقي أم تمثيل.

خرجوا برا الجيم.

وقفوا في شارع جانبي هادي.

أول من تكلمت كانت نور.

“أنا غلطت.”

مريم ردت فورًا:

“دي أقل جملة ممكن تتقال.”

“عارفة.”

“وبعدين؟”

رفعت نور رأسها.

وعيناها حمرا.

“أنا وأحمد انفصلنا.”

تجمدت مريم.

لكنها لم تشعر بأي انتصار.

ولا فرحة.

ولا شماتة.

فقط فراغ.

قالت ببرود:

“مبروك.”

نور بدأت تبكي.

“إنتِ مش فاهمة.”

“فهميني.”

تنهدت.

ثم قالت:

“أحمد مش الشخص اللي كنت فاكراه.”

ضحكت مريم.

ضحكة قصيرة.

“أخيرًا وصلتي للجزء ده.”

لكن نور هزت رأسها.

“لا… في حاجة أخطر.”

أخرجت من شنطتها ظرفًا بنيًا صغيرًا.

ومدته لها.

مريم لم تأخذه.

“إيه ده؟”

نور قالت:

“افتحيه.”

بعد تردد…

فتحته.

وفي الداخل كانت صور.

وصور كثيرة.

وفواتير.

وأوراق بنكية.

ورسائل مطبوعة.

بدأت مريم تتصفحها.

ثم شحب وجهها.

كان في تحويلات مالية باسمها هي.

قروض.

ديون.

بطاقات ائتمان.

مبالغ ضخمة.

كلها مأخوذة باسم مريم.

لكنها لم توقع على أي شيء منها.

رفعت رأسها بصدمة.

“إيه ده؟”

نور قالت:

“أحمد.”

سكتت مريم.

ونور أكملت:

“بعد ما سابك بدأ يعمل نفس اللي كان بيعمله من زمان قدامي.”

“يعني إيه؟”

“كان بيستغل حساباتك.”

“مستحيل.”

“مش مستحيل.”

ثم أخرجت ورقة أخرى.

“دي نسخة من توكيل قديم.”

أخذتها مريم.

وقرأتها.

وبدأ قلبها يدق بعنف.

لأن التوقيع المكتوب في آخر الورقة…

يشبه توقيعها فعلًا.

لكنها لم توقع عليه أبدًا.

فهمت فجأة.

لماذا كانت البنوك تتصل أحيانًا.

لماذا كان أحمد دائمًا يطلب منها التوقيع على أوراق بسرعة.

لماذا كان يقول:

“دي مجرد إجراءات.”

جلست على الرصيف.

لأن ساقيها لم تعودا تحملانها.

نور همست:

“أنا كنت غبية.”

ثم أضافت:

“كنت فاكرة إنه اختارني.”

رفعت رأسها.

“بس الحقيقة إنه كان بيدور على أي حد يحقق مصلحته.”

وفي تلك اللحظة…

خرج كريم من الجيم.

كان قد لاحظ أن الحديث طال.

اقترب بهدوء.

وقال:

“كل حاجة تمام؟”

نور نظرت إليه.

ثم إلى مريم.

وقالت فجأة:

“هو ده صاحب الجيم؟”

أومأت مريم.

فقالت نور:

“خلي بالك عليها.”

استغرب الاثنان.

لكن قبل أن يسألا…

أكملت نور:

“لأن أحمد مش ناوي يسيبها في حالها.”

مريم عقدت حاجبيها.

“يعني إيه؟”

نور ترددت.

ثم قالت:

“لأنه عرف.”

“عرف إيه؟”

وساد صمت ثقيل.

قبل أن تهمس نور:

“إنك كنتِ حامل.”

توقف الزمن للحظة.

حتى الهواء اختفى.

مريم شعرت أن قلبها انقبض بعنف.

“إنتِ عرفتي منين؟”

نور أغمضت عينيها.

وقالت:

“لأني لقيت التحليل قبل ما أسيب الشقة.”

دموع مريم نزلت فورًا.

رغم أنها قاومتها شهورًا.

أما نور فبكت هي الأخرى.

وقالت:

“ولما قلتله…”

رفعت مريم رأسها بسرعة.

“قلتيله؟”

نور هزت رأسها ببطء.

“أيوة.”

“وقال إيه؟”

هنا فقط…

ظهر الاشمئزاز على وجه نور.

وقالت:

“قال الحمد لله إنه ما اتولدش.”

ساد الصمت.

صمت طويل.

مرعب.

أما مريم…

فشعرت أن آخر شيء كان يربطها بأحمد…

قد مات للأبد.

يتبع… 🔥

الفصل الثالث

مريم لم تنم تلك الليلة.

ظلت مستيقظة على طرف السرير.

تنظر للسقف.

وتعيد جملة واحدة في رأسها.

“الحمد لله إنه ما اتولدش.”

كل مرة تتذكرها…

كانت تشعر وكأن سكينًا يُغرس في صدرها من جديد.

لم تكن تتألم فقط على الطفل الذي فقدته.

كانت تتألم لأنها أحبت رجلًا استطاع أن يقول هذه الجملة.

في الصباح…

ذهبت إلى الجيم كعادتها.

ارتدت ملابس العمل.

ربطت شعرها.

وأمسكت الممسحة.

كأنها تحاول أن تمسك بأي شيء طبيعي وسط الفوضى.

كريم لاحظ شحوب وجهها.

لكنه لم يسأل.

فقط وضع كوب شاي أمامها.

وقال:

“اشربي.”

نظرت إليه باستغراب.

“أنا ما طلبتش.”

ابتسم.

“عارف.”

ثم عاد إلى عمله.

ولأول مرة منذ شهور…

شعرت مريم أن هناك أشخاصًا يمكن أن يكونوا لطفاء دون مقابل.

قرب الظهر…

فُتح باب الجيم.

ودخل أحمد.

تجمدت مريم مكانها.

حتى كريم رفع رأسه.

أحمد كان مختلفًا.

ذقنه غير مرتبة.

وعيناه متعبتان.

وكأنه لم ينم منذ أيام.

لكن ذلك لم يحرك شيئًا داخلها.

لا حب.

لا حنين.

ولا حتى غضب.

فقط برود.

اقترب منها.

وقال:

“مريم… محتاج أتكلم معاكي.”

ردت دون أن تنظر إليه:

“مفيش كلام بينا.”

“خمس دقايق بس.”

“لا.”

بدأ بعض الموجودين يلتفتون نحوهما.

شعر أحمد بالإحراج.

فخفض صوته.

“أنا غلطت.”

ضحكت مريم.

لكنها لم تكن ضحكة سعيدة.

“دي تاني مرة أسمع الجملة دي الأسبوع ده.”

أحمد تنهد.

“أنا سيبت نور.”

“وأنا المفروض أعمل إيه بالمعلومة دي؟”

سكت.

لأنه لم يجد إجابة.

في الحقيقة…

أحمد كان يتوقع شيئًا آخر.

كان يتوقع أن تبكي.

أو تصرخ.

أو حتى تفرح.

لكنها كانت واقفة أمامه كأنها شخص جديد.

شخص لا يعرفه.

قال أخيرًا:

“وحشتيني.”

رفعت مريم رأسها ببطء.

ونظرت إليه لأول مرة.

ثم قالت:

“لا.”

ارتبك.

“لا إيه؟”

“أنا اللي وحشتك.”

سكت.

فأكملت:

“وحشك حد كان بيستحملك.”

“وحشك حد كان بيصلح وراك.”

“وحشك حد كان بيصدق أعذارك.”

اقترب خطوة.

لكن كريم ظهر فجأة بجانبها.

وقال بهدوء:

“لو السيدة قالت مش عايزة تتكلم… يبقى تمشي.”

نظر أحمد إلى كريم.

ثم إلى مريم.

وقال بحدة:

“وأنت مالك؟”

كريم رد ببساطة:

“مكان شغلي.”

كاد الموقف يتحول لمشكلة.

لكن مريم رفعت يدها.

وقالت:

“سيبه.”

ثم التفتت إلى أحمد.

وأضافت:

“امشي.”

ولأول مرة…

لم يحاول أن يجادل.

خرج.

لكن قبل أن يصل للباب…

استدار وقال:

“هترجعي.”

هزت مريم رأسها.

“لا.”

“أكيد.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

لكنها كانت أقوى من ألف صرخة.

وقالت:

“أنا خسرت طفل.”

“وخسرت جواز.”

“وخسرت أخت.”

ثم نظرت إليه مباشرة.

“بس أكبر مكسب في حياتي… إني خسرتك.”

خرج أحمد.

وصفق باب الجيم خلفه.

لكن بعد دقائق فقط…

رن هاتف مريم.

رقم مجهول.

ردت بتردد.

فجاءها صوت امرأة رسمية:

“الأستاذة مريم؟”

“أيوة.”

“مع حضرتك من البنك.”

شعرت بانقباض في قلبها.

“خير؟”

لكن الإجابة جعلتها تتجمد.

“في تحويل مالي كبير جدًا دخل حساب حضرتك النهارده.”

ارتبكت.

“تحويل من مين؟”

نظرت الموظفة إلى البيانات.

ثم قالت:

“من شخص اسمه…”

وتوقفت ثانية.

“…أحمد السيوفي.”

اتسعت عينا مريم.

المبلغ كان ضخمًا.

ضخمًا بشكل غير منطقي.

لكن السؤال الذي أخافها أكثر من الرقم نفسه كان:

لماذا أرسل أحمد كل أمواله فجأة؟

يتبع… 🔥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *