اعلن زوجي حكايات اسما ×5
الفصل التاسع
وقفت أحدق في المرأة لعدة ثوانٍ.
كان المطر يتساقط خلفها.
وقطرات الماء تنزلق على معطفها الرمادي القديم.
لكن أكثر ما لفت انتباهي كان نظرتها.
نظرة شخص حمل سرًا ثقيلًا لسنوات طويلة.
قلت بحذر:
ــ حضرتك مين؟
تنهدت ببطء.
ثم قالت:
ــ اسمي نادية.
وسكتت لحظة قبل أن تضيف:
ــ وكنت سكرتيرة والد سامح.
شعرت بقلبي ينقبض.
اسم جديد من الماضي.
شخص آخر يظهر بعد أربعين عامًا.
ابتعدت عن الباب.
وقلت:
ــ اتفضلي.
دخلت بهدوء.
وجلست في الصالة.
ووضعت الصندوق الخشبي فوق الطاولة.
ثم ظلت تنظر إليه للحظات طويلة.
كأنها تحاول جمع شجاعتها.
وأخيرًا قالت:
ــ قبل ما أتكلم… لازم تعرفي إني غلطت.
ــ غلطت إزاي؟
أخفضت رأسها.
وقالت:
ــ لأني سكت.
ساد الصمت.
ثم فتحت الصندوق.
وفي داخله كانت عشرات الأوراق القديمة.
صور.
خطابات.
إيصالات.
وأشرطة كاسيت قديمة.
شعرت بالارتباك.
لكن نادية أخرجت صورة واحدة أولًا.
وضعتها أمامي.
وعندما نظرت إليها…
تجمدت.
كانت صورة قديمة جدًا.
يبدو أنها التُقطت قبل أكثر من أربعين عامًا.
وفيها أربعة أشخاص.
والد سامح.
نادية.
شاب صغير عرفت أنه سامح.
وشاب آخر…
عادل.
همست:
ــ كانوا قريبين للدرجة دي؟
هزت رأسها.
ــ أكتر مما تتخيلي.
ثم قالت جملة قلبت كل شيء.
ــ عادل وسامح ماكانوش مجرد معارف.
ــ كانوا زي الإخوات.
شعرت بالصدمة.
ــ إيه؟
أومأت.
ــ كبروا مع بعض تقريبًا.
اشتغلوا مع بعض.
حلموا مع بعض.
وكانوا بيثقوا في بعض ثقة عمياء.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
لم أصدق.
كل هذه السنوات كنت أظن أن عادل مجرد شخص ظهر لاحقًا في حياتي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أخرجت نادية رسالة صفراء قديمة.
وقالت:
ــ دي أصل الحكاية كلها.
بدأت أقرأ.
وكانت الرسالة بخط والد سامح.
رسالة خاصة.
وفيها تفاصيل لم يعرفها أحد.
قبل أربعين عامًا.
كانت شركة والد سامح على وشك الانهيار.
وكان يحتاج إلى شريك صغير لإنقاذها.
فأعطى عادل فرصة.
بل أكثر من فرصة.
عامله كابنه.
أدخله الشركة.
وعلمه.
وساعده.
بل ومنحه نسبة من الأرباح.
قلت بذهول:
ــ وبعد كده؟
أغمضت نادية عينيها.
ثم قالت:
ــ وبعد كده حصل الطمع.
شعرت بقشعريرة.
وأكملت:
ــ عادل وقع في ديون قمار واستثمارات خاسرة.
وكان محتاج فلوس بسرعة.
لكن والد سامح رفض يستخدم أموال الشركة.
ومن هنا بدأت المشاكل.
بدأت أفهم.
ببطء.
وبألم.
قالت:
ــ وقتها ظهر موضوعك.
ــ موضوعي أنا؟
ــ أيوة.
ابتسمت بحزن.
ــ عادل كان معجب بيكي من زمان.
حتى قبل ما سامح يعترف بحبه ليكي.
اتسعت عيناي.
ــ مستحيل.
ــ للأسف حقيقي.
ثم أخرجت دفترًا صغيرًا.
وقالت:
ــ ده كان يوميات عادل.
أمسكت الدفتر بيد مرتعشة.
وقرأت بعض الصفحات.
وفي كل صفحة تقريبًا…
كان اسمي يتكرر.
منى.
منى.
منى.
منى.
صفحات كاملة.
سنوات كاملة.
هوس حقيقي.
لكن ما صدمني أكثر…
هو السطر الأخير في إحدى الصفحات.
“إذا لم تكن لي… فلن تكون لأحد.”
أغلقت الدفتر فورًا.
شعرت بالغثيان.
أما نادية فكانت تبكي.
وقالت:
ــ يومها فهمت إنه بدأ يعمل حاجات غلط.
لكن ما توقعتش يوصل للدرجة دي.
ثم أخرجت شريط كاسيت صغيرًا.
وقالت:
ــ الشريط ده احتفظت بيه أربعين سنة.
ليه؟
لأني كنت جبانة.
كنت خايفة.
لكن دلوقتي خلاص.
ما بقاش عندي حاجة أخاف عليها.
نظرت إليها.
فقالت:
ــ فيه تسجيل.
ــ تسجيل لإيه؟
أجابت بصوت مرتجف:
ــ للمواجهة اللي حصلت بين سامح وعادل قبل اختفاء سامح.
تجمدت أنفاسي.
المواجهة نفسها؟
التي غيّرت كل شيء؟
مدت يدها بالشريط نحوي.
وقالت:
ــ فيه الحقيقة كلها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
رن هاتفي.
كان رقم هبة.
رددت بسرعة.
لكن أول ما سمعت صوتها…
شعرت بأن قلبي توقف.
كانت تبكي.
بشكل هستيري.
وتقول:
ــ ماما… تعالي بسرعة.
ــ مالك؟
ــ بابا…
انقطع صوتها بالبكاء.
ثم قالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي:
ــ بابا سلّم نفسه للشرطة.
وساب رسالة ليكي.
سقط الشريط من يدي.
ونظرت إلى نادية.
أما هي…
فهمست بهدوء شديد:
ــ يبقى أخيرًا قرر يقول الحقيقة بنفسه.
لكنني لم أكن أعلم أن الرسالة التي تركها عادل…
ستحتوي على اعتراف أخطر من كل ما اكتشفناه حتى الآن.
اعتراف قادر على تدمير صورته للأبد…
أو إنقاذ جزء صغير من روحه قبل فوات الأوان.
الفصل العاشر والأخير
لم أشعر بالطريق إلى قسم الشرطة.
كل ما أتذكره هو صوت هبة الباكي في الهاتف.
وصندوق نادية الخشبي بجواري في السيارة.
وشريط الكاسيت القديم الذي ظل ملقى فوق المقعد كأنه يحمل عمرًا كاملًا من الأسرار.
عندما وصلت…
كانت هبة وأحمد ينتظرانني.
اقتربت مني هبة فورًا.
وألقت نفسها في حضني.
ــ ماما…
ربتُّ على شعرها بصمت.
أما أحمد فكان يحمل ظرفًا أبيض.
وقال:
ــ الرسالة.
أخذته منه بيد مرتجفة.
وعلى الوجه الخارجي كانت هناك ثلاث كلمات فقط:
“إلى منى.”
دخلنا غرفة صغيرة.
جلست.
ثم فتحت الظرف.
وبدأت أقرأ.
“منى…
إذا وصلتك هذه الرسالة فمعنى ذلك أنني أخيرًا فعلت الشيء الوحيد الصحيح بعد سنوات طويلة من الأخطاء.
أنا تعبت.
من الكذب.
ومن الهروب.
ومن محاولة الدفاع عن نفسي.
الحقيقة أنني كنت جبانًا.
أكثر مما تتصورين.”
شعرت بغصة في حلقي.
وأكملت.
“نعم.
أنا أخفيت رسائل سامح.
ونعم.
أنا كذبت عليكِ.
وخنت ثقتك.
وسرقت سنوات من حياتك.
لكن هناك شيء واحد لم يعرفه أحد.”
توقفت أنفاسي.
وأكملت القراءة.
“يوم المواجهة الأخيرة بيني وبين سامح…
لم يكن غاضبًا لأنه أحبك فقط.
كان غاضبًا لأنه اكتشف أنني سرقت أموالًا من الشركة.”
رفعت رأسي ببطء.
ثم عدت للرسالة.
“هددني أنه سيخبر والده.
وأنه سيكشف كل شيء.
وخفت.
خفت أن أخسر كل شيء.
مستقبلي.
اسمي.
وحياتي.
فتشاجرنا.
وغادر وهو غاضب.”
كانت دموعي تنزل بصمت.
وأكملت.
“بعد أقل من ساعة…
وقع الحادث.”
ساد الصمت في الغرفة.
حتى أنني كنت أسمع دقات الساعة على الحائط.
ثم وصلت إلى السطر التالي.
السطر الذي غير كل شيء.
“لم أتسبب في الحادث.
لكنني كنت أول شخص وصل إليه بعد وقوعه.”
ارتجفت يدي.
وأكملت.
“كان حيًا.
وكان واعيًا.
وكان يطلب شيئًا واحدًا فقط.
أن أبلغك أنه لم يتركك بإرادته.”
أغمضت عيني.
وشعرت بدمعة ساخنة تسقط على الورقة.
أربعون عامًا.
أربعون عامًا كاملة.
وكان يحمل تلك الكلمات داخله.
وحده.
أكملت القراءة.
“لكني لم أفعل.
وقتها عرفت أنني إذا أخبرتك بالحقيقة فسأخسرك للأبد.
لذلك اخترت أسهل طريق.
وأقذر طريق.”
انفجرت هبة بالبكاء.
أما أحمد فخفض رأسه.
وأكملت أنا.
“كل ما حدث بعد ذلك…
كان نتيجة هذا القرار الواحد.
قرار الجبن.”
ثم وصلت إلى نهاية الرسالة.
“أنا لا أطلب الغفران.
ولا أستحقه.
لكنني أردت أن تموت الأكاذيب قبلي.
وأردت أن تعرفي أن حبك كان الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي.
حتى لو كنت لا أستحقه.”
كان هذا آخر سطر.
ولا شيء بعده.
أغلقت الرسالة ببطء.
وساد الصمت.
ثم تذكرت الشريط.
شريط نادية.
الشريط الذي ظل مخفيًا أربعين عامًا.
بعد ساعات عدنا جميعًا إلى المنزل.
أنا.
هبة.
أحمد.
ونادية.
وحتى مريم جاءت من الإسكندرية.
جلسنا حول جهاز تسجيل قديم استطاع أحمد أن يجده.
وأدخلنا الشريط.
ثم ضغطنا زر التشغيل.
في البداية…
لم يكن هناك سوى تشويش.
ثم ظهر صوت شابين.
صوت سامح.
وصوت عادل.
شابين في مقتبل العمر.
مليئين بالغضب والأحلام والخوف.
سمعنا سامح يقول:
ــ إنت سرقتهم يا عادل.
وجاء الرد سريعًا:
ــ ما تعرفش ظروفى.
ــ السرقة سرقة.
ثم ارتفعت الأصوات.
اتهامات.
غضب.
دموع.
وأخيرًا…
الجملة الأخيرة التي قالها سامح قبل أن يغادر التسجيل.
الجملة التي جعلتني أبكي.
قال:
ــ لو خسرت منى… هتوجعني.
لكن لو كدبت عليها… هتدمرها.
ثم انتهى التسجيل.
وبقي الصمت.
صمت طويل.
ثلاث نساء.
ورجلان من جيلين مختلفين.
كل واحد منهم دفع ثمن قرار اتخذه منذ زمن بعيد.
بعد أسبوع…
ذهبت إلى الإسكندرية.
ودخلت غرفة سامح.
كان أقوى قليلًا.
وأفضل حالًا.
جلست بجواره.
وأخبرته بكل شيء.
كل شيء.
الرسالة.
والاعتراف.
والشريط.
وعندما انتهيت…
لم يتكلم.
ظل ينظر إلى النافذة طويلًا.
ثم قال بهدوء:
ــ أخيرًا.
ــ أخيرًا عرفنا الحقيقة.
أومأت.
ثم ابتسم.
وقال:
ــ متأخرة.
ــ بس أحسن من أبدًا.
ضحكت وسط دموعي.
لأول مرة منذ زمن طويل.
وفي الأشهر التالية…
استمرت التحقيقات.
وأخذ القانون مجراه.
أما أنا…
فعدت إلى أكاديمية منى عبدالرحمن.
إلى الطلاب.
إلى الحياة.
إلى نفسي.
وفي يوم افتتاح دفعة جديدة…
وقفت على المنصة.
أمام مئات الشباب.
ونظرت إليهم.
ثم قلت:
“أكبر الأكاذيب ليست تلك التي يقولها الآخرون لنا…
بل تلك التي نسمح للخوف أن يزرعها في حياتنا.”
ساد الصمت.
ثم بدأ التصفيق.
تصفيق طويل.
دافئ.
صادق.
ابتسمت.
ونظرت إلى الصف الأول.
كانت هبة هناك.
وأحمد.
ومريم.
ونادية.
وحتى سامح حضر ذلك اليوم.
بعصاه.
وشعره الأبيض.
وابتسامته الهادئة.
لا كحب ضائع عاد متأخرًا.
بل كصديق قديم نجا أخيرًا من الماضي.
وفي تلك اللحظة…
أدركت أن الحياة لا تعوضنا دائمًا عما فقدناه.
لكنها أحيانًا تمنحنا شيئًا أهم.
الحقيقة.
والسلام.
وفرصة أن نبدأ من جديد…
حتى بعد أربعين عامًا.
تمت ❤️
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين
حكـايـات أسمـا السـيد ✨
@أبرز المعجبين
تمت
