ليلة زفافي-2
بعد شهر كامل من اللي حصل في الفرح… كنت لسه بصحى أحيانًا مفزوعة على صوت شهقة الناس وهي بتتفرج عليا وأنا بقع في البسين.
الغريب إن اللحظة نفسها ما بقيتش أكتر حاجة بتوجعني.
اللي كان بيوجع فعلًا… إني اكتشفت إن الإنسان ممكن يعيش جنبك شهور وهو لابس وش كامل غير حقيقته.
وإن الحب أحيانًا بيخلينا نتغاضى عن إشارات واضحة جدًا.
رجعت أقعد فترة في بيت أهلي.
أمي كانت بتحاول تعاملني كأني لسه طفلة صغيرة اتكسرت لعبتها المفضلة.
كل شوية تدخل أوضتي بعصير أو أكل أو حتى بحجة إنها “بتشوف الستارة محتاجة تتظبط”.
لكن الحقيقة إنها كانت خايفة تسيبني لوحدي مع أفكاري.
أما أبويا…
فاتغير جدًا بعد اللي حصل.
بقى هادي زيادة.
سرحان طول الوقت.
وفي مرة دخل أوضتي بالليل، افتكرته جاي يطمني كعادته.
لكن لقيته بيقول فجأة: — سامحيني.
رفعت عيني باستغراب: — على إيه يا بابا؟
قعد على طرف الكرسي وقال بصوت مكسور لأول مرة أسمعه بالشكل ده: — أنا اللي دخلته حياتك… وأنا اللي وثقت فيه.
قربت منه بسرعة ومسكت إيده: — لا يا بابا… الغلط مش غلطك.
هز راسه ببطء: — الأب المفروض يعرف.
الكلمة وجعتني.
لأن أبويا طول عمره شايل مسؤولية الدنيا كلها فوق كتفه… ولما حاجة بتنكسر، أول شخص بيلومه هو نفسه.
حضنته لأول مرة من سنين طويلة.
وحسيت قد إيه الراجل القوي اللي كنت شايفاه جبل… تعب فجأة.
لكن رغم كل الدعم اللي حواليا…
كان فيه حاجة ناقصة.
إحساس غريب إن القصة لسه مخلصتش.
لأن كريم اختفى تمامًا بعد الفرح.
لا حاول يكلمني.
لا بعت رسالة اعتذار.
ولا حتى شتيمة.
اختفى كأنه اتبخر.
وده كان مقلقني أكتر من أي مواجهة.
وفي ليلة متأخرة…
كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوة لما موبايلي رن.
رقم غريب.
ترددت شوية… ثم رديت.
الصوت اللي جه من الناحية التانية خلاني أوقف نفسي بالعافية.
— ندى… لازم تسمعيني.
كريم.
قفلت الخط فورًا.
لكن بعدها بثانية وصلت رسالة.
“فيه حاجة لازم تعرفيها… وأنا مش بهزر.”
طنشت.
لكن بعدها صورة وصلت.
ولما فتحتها…
الدم اتجمد في عروقي.
كانت صورة لأبويا.
واقف قدام شركته.
واضح إن الصورة متصورة من بعيد… ومن غير ما يعرف.
بعدها رسالة تانية: “لو عايزة تحميه… قابليني.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
عقلي كان بيصرخ: “لا تروحي.”
لكن خوفي على أبويا كان أكبر.
تاني يوم…
روحت الكافيه اللي بعت عنوانه.
دخلت وأنا متوترة.
ولقيته قاعد في الركن البعيد.
أول ما شوفته… اتصدمت.
كريم اللي كان دايمًا مهندم واثق من نفسه… شكله بقى مرعب.
دقنه طويلة.
عينه غائرة.
وعصبي بشكل واضح.
أول ما قعدت قال بسرعة: — قبل ما تمشي… اسمعيني دقيقة بس.
قلت بحدة: — لو قربت من أبويا تاني هبلغ عنك.
ضحك ضحكة غريبة وقال: — أنا مش عايز أؤذيه.
بصيتله باحتقار: — والصورة دي كانت إيه؟
سكت لحظة.
ثم قال: — كنت بحذرك.
اتعصبت: — من إيه؟!
بص حواليه بتوتر… ثم قرب وقال بصوت منخفض: — في ناس بتراقبني من يوم الفرح.
ضحكت بسخرية: — يا سلام… عامل نفسك ضحية دلوقتي؟
ضرب بإيده على الترابيزة فجأة: — اسمعيني!
الناس بصتلنا.
فوطى صوته بسرعة وقال: — أنا كنت مديون.
الجملة نزلت عليا كالصاعقة.
كمل: — ديون قمار.
اتجمدت مكاني.
أكمل وهو بيحك شعره بعصبية: — كنت داخل في مصايب كبيرة… وناس خطيرة جدًا كانت عايزة فلوسها.
بدأت أفهم.
ببطء.
الجوازة.
أملاك أبويا.
التمثيل كله.
همست: — علشان كده اتجوزتني.
ماقدرش يبصلي.
وده كان اعتراف كفاية.
حسيت بغثيان.
كأني بكتشف خيانة جديدة أعمق من الأولى.
قال بسرعة: — بس والله كنت ناوي أتغير بعد الجواز.
ضحكت بمرارة: — يا سلام… بعد ما تسرقنا يعني؟
رفع عينه ليا أخيرًا وقال: — ندى… الناس دي مش هتسيبني.
سكت شوية… ثم أكمل: — ولما عرفوا إن الجوازة باظت… افتكروا إن أبوكي السبب.
برد جرى في جسمي.
قلت ببطء: — تقصد إيه؟
قال: — حد منهم لمحلي إنهم ممكن يضغطوا عليا عن طريقكم.
اتنفست بسرعة وأنا بحاول أستوعب.
ثم قلت: — وإنت متوقع إني أصدقك بعد كل اللي عملته؟
طلع موبايله بسرعة.
وراهني رسائل.
أرقام مجهولة.
تهديدات واضحة.
“الدور جاي على عيلتك.”
“الفلوس يا كريم… أو هنخليك تندم.”
إيدي بدأت ترتعش رغمًا عني.
لأني حسيت إن الموضوع حقيقي.
كريم بصلي بنظرة أول مرة أشوفها فيه.
خوف.
حقيقي.
قال: — أنا استاهل كل حاجة حصلتلي… بس أبوكي مالوش ذنب.
سكت لحظة.
ثم قال: — لازم تبلغوا الشرطة.
رجعت لورا وأنا مش قادرة أحدد شعوري.
كره؟
شفقة؟
رعب؟
يمكن كلهم.
قلت ببرود: — ولو دي لعبة جديدة؟
هز راسه: — لو كنت بلعب… ماكنتش جيتلك بالشكل ده.
وفجأة…
حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
واحد ضخم دخل الكافيه.
عينه فضلت ثابتة على كريم.
وكريم اترعب حرفيًا أول ما شافه.
همس: — امشي دلوقتي.
اتسمرت مكاني.
الرجل بدأ يقرب.
كريم وقف بسرعة وقال بعصبية: — امشي يا ندى!
لكن قبل ما أتحرك…
الراجل قال بصوت بارد: — القعدة الحلوة دي ناقصها حساب قديم يا كريم.
الكافيه كله سكت.
كريم كان وشه شاحب بشكل مرعب.
أما أنا…
فأدركت إن اللي كنت فاكراه نهاية قصتي معاه… كان مجرد بداية لكابوس أكبر بكتير.
تمت

