امي الغاليه حكـايـات أسمـا
إعملي صوت الكلبة يا فلاحة! ولو عجبني الأداء يمكن أرمي لكِ حتة عضم.”
كانت تلك الجملة أول ما سمعته وأنا أركض نحو باب شقتي في التجمع الخامس.
وعندما وصلت إلى الممر…
رأيت أمي راكعة على الأرض.
وحول رقبتها سلسلة كلب.
بينما كانت حماتي تضحك وكأنها تشاهد أفضل عرض ترفيهي في حياتها.
اسمي مريم عبد الرحمن.
أبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا.
وأشغل منصب المديرة القانونية في واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري بالقاهرة.
أما زوجي كريم الشاذلي فكان مهندسًا معماريًا ومديرًا للتصميم بإحدى الشركات الكبرى
كنا متزوجين منذ ثلاث سنوات.
وأمام الجميع كنا نبدو زوجين مثاليين.
لكن أحدًا لم يكن يعرف الحقيقة.
لم يكن أحد يعلم أن الشقة التي نعيش فيها ملكي أنا.
وأن استثماراتي تكفيني لأعيش مرتاحة بقية عمري.
وأنني أخفيت حجم ثروتي الحقيقية منذ بداية زواجنا لأعرف إن كانت عائلة كريم تحبني لشخصي…
أم لما يمكن أن تحصل عليه مني.
وللأسف…
كانت الإجابة مؤلمة جدًا.
حماتي، نجوى الشاذلي، كانت تتفاخر دائمًا بأنها تنتمي إلى “عائلة عريقة من القاهرة”
رغم أن منزلها القديم في مصر الجديدة كان غارقًا في الديون ويكاد ينهار.
ومنذ أن عرفت أنني ولدت في قرية صغيرة بمحافظة الفيوم…
لم تتوقف عن معاملتي وكأنني خادمة.
كان كريم يعطي راتبه لوالدته بالكامل.
أما مصاريف البيت…
والكهرباء…
والصيانة…
وحتى ولائم العائلة والتجمعات الأسبوعية…
فكانت كلها تُدفع من حسابي الشخصي.
وقبل ستة أشهر انتقلت حماتي للعيش معنا بحجة أنها مريضة وتحتاج للرعاية.
لكن الحقيقة أنها كانت أقوى من الجميع.
تقضي يومها في تفتيش الأدراج.
وسؤال الخدم.
والبحث عن أي مستندات أو عقود.
وتلمّح باستمرار إلى أن الشقة يجب أن تُسجل باسم ابنها.
في ذلك الصباح…
وصلت أمي فاطمة دون موعد مسبق.
كانت قد سافرت ساعات طويلة من الفيوم.
تحمل سلة كبيرة مليئة بالبيض البلدي.
والجبن القريش.
والخبز الفلاحي الساخن.
وبرطمان من السمن البلدي صنعته خصيصًا لي.
كنت وقتها في اجتماع مهم عبر الإنترنت.
أما كريم فكان خارج المنزل يلعب البادل مع أصدقائه
لكن كاميرا الباب سجلت كل شيء.
فتحت نجوى الباب.نظرت إلى أمي من رأسها حتى قدميها.
ثم عقدت أنفها باحتقار.وقالت..
“إيه القرف ده؟ جاية بالسوق كله معاكي؟ إحنا ما بناكلش أكل الأرياف ده.”
ابتسمت أمي بخجل.
وقالت إنها أحضرت الطعام بمحبة لابنتها.
لكن نجوى ركّلت السلة بقدمها.
فتحطم البيض.وانسكب السمن.وتناثر الخبز على الأرض أمام المصعد.
ثم قالت باحتقار:
“بنتك عايشة على فلوس ابني… وجاية دلوقتي تاخدي نصيبك؟”
انحنت أمي تجمع ما تبقى.لكن نجوى أمسكت سلسلة الكلب.ولفتها حول رقبتها.ثم جذبتها بقوة.في تلك اللحظة…فقدت السيطرة على نفسي.دفعت حماتي بعيدًا.
وساعدت أمي على الوقوف.
ثم صفعت نجوى صفعة جعلتها تتراجع للخلف.
وأخذت السلسلة ووضعتها حول رقبتها هي دون أن أشدها.
وقلت لها بصوت بارد:
“لو لمستي أمي مرة تانية… هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه مني.
وفي نفس اللحظة…وصل كريم.لم يسأل ماذا حدث.
لم ينظر إلى آثار السلسلة على رقبة أمي.ولا إلى الطعام الملقى على الأرض.كل ما رآه هو أمه وهي تبكي.
وفجأة…صفعني بقوة على وجهي.ثم صرخ:
“انزلي على ركبتك واعتذري لأمي حالًا!”
حاولت أمي أن تركع حتى تمنع المشكلة من التصاعد.
لكنني أمسكتها قبل أن تلمس الأرض.
ونظرت إليها قائلة:
أن ما سيحدث بعد ذلك سيقلب حياتهما رأسًا على عقب.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبينابتسمت لأمي رغم الدموع التي كانت تملأ عينيها.
ثم التفتُّ إلى كريم ونجوى.
وقلت بهدوء مرعب:
“من اللحظة دي… انتهى كل شيء.”
ضحك كريم بسخرية.
وقال:
“إيه؟ هتمشي من البيت؟”
نظرت إليه للحظات طويلة.
ثم قلت:
“لا يا كريم… أنت اللي هتمشي.”
اقترب مني بغضب.
“إنتِ اتجننتي؟ الشقة دي بيتي.”
هنا لأول مرة…
ابتسمت.
ابتسامة لم تعجبه أبدًا.
فتحت هاتفي.
وضغطت على زر واحد.
وبعد أقل من دقيقة…
صعد رجل أمن المبنى ومعه مدير العقار.
نظر مدير العقار إلى كريم وقال بأدب:
“مساء الخير يا فندم.”
ثم التفت إليّ:
“أوامرك يا أستاذة مريم؟”
تغير وجه كريم.
وقال باستغراب:
“هو فيه إيه؟”
أخرجت ملفًا إلكترونيًا من هاتفي.
وعرضت عقد الملكية.
ثم قلت:
“يمكن يكون فاتني أقولك حاجة مهمة طول الثلاث سنين اللي فاتوا.”
نظر إلى الشاشة.
وبدأت ملامحه تتجمد تدريجيًا.
لأن اسم المالك الوحيد للشقة كان:
مريم عبد الرحمن.
أنا.
وليس كريم.
ولا والدته.
ولا أي شخص آخر.
صرخت نجوى:
“مستحيل!”
أغلقت الملف.
وقلت:
“وده مش كل حاجة.”
ثم فتحت ملفًا آخر.
يحتوي على كشف حساب كامل.
كل فاتورة كهرباء.
كل فاتورة مياه.
كل قسط صيانة.
كل رحلة.
كل وليمة.
كل جنيه دُفع داخل هذا المنزل.
كان خارجًا من حسابي الشخصي.
أما كريم…
فلم يدفع تقريبًا شيئًا.
بدأ يتلعثم.
“أنا… أنا جوزك.”
قلت ببرود:
“وجوزي المفروض يحميني لما أمي تتعرض للإهانة… مش يضربني.”
ساد الصمت.
ثم ضغطت زر تشغيل.
وفجأة امتلأ الممر بالصوت.
كان تسجيل كاميرا الباب.
صوت نجوى وهي تسب أمي.
وصوت تحطم البيض.
وصوت السلسلة.
وصوت ضحكاتها.
كل شيء.
بالتفصيل.
أصبحت نجوى شاحبة كالورق.
أما كريم فبدا وكأنه تلقى ضربة في صدره.
همس:
“إنتِ سجلتي؟”
قلت:
“الشركة اللي أنا مساهمة فيها عندها نظام أمني كامل للمبنى.”
ثم نظرت إلى أمي.
وأمسكت يدها.
وقلت:
“ماما… تعالي.”
تحركنا نحو المصعد.
لكن قبل أن ندخله…
سمعنا صوت نجوى تصرخ.
“كريم! اعمل حاجة!”
ولأول مرة منذ عرفته…
لم يتحرك كريم.
ظل واقفًا مكانه.
ينظر إلى الأرض.
كأنه بدأ يدرك حجم الكارثة.
لكن الكارثة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد.
لأنني في صباح اليوم التالي…
ذهبت إلى قسم الشرطة.
وقدمت بلاغًا رسميًا بالاعتداء والإهانة.
وأرفقت معه تسجيلات الكاميرات.
وتقريرًا طبيًا يثبت آثار السلسلة على رقبة أمي.
وخلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط…
وصل استدعاء رسمي لنجوى الشاذلي.
وعندما انتشر الخبر بين الأقارب…
بدأ الجميع يبتعد عنها.
المرأة التي كانت تتفاخر بنسبها وعائلتها العريقة…
أصبحت فجأة موضع حديث الجميع.
أما كريم…
فجاء إلى مكتبي بعد أسبوع.
بوجه مرهق وعينين حمراوين.
وقال بصوت مكسور:
“مريم… أمي غلطت.”
نظرت إليه.
ثم قلت:
“وأنت؟”
خفض رأسه.
ولم يجد إجابة.
لأن الصفعة التي وضعها على وجهي…
كانت أقوى من أي اعتذار متأخر.
وأقسى من أن تُنسى.
ثم أخرجت ورقة من درج مكتبي.
وضعتها أمامه.
نظر إليها.
فوجد عنوانها:
“دعوى طلاق.”
رفع رأسه بصدمة.
لكنني أكملت بهدوء:
“في اليوم اللي اخترت فيه أمك ضد الحق… خسرتني.”
وبينما كان يحدق في الأوراق غير مصدق…
رن هاتفي.
جاءتني رسالة قصيرة من البنك.
تفيد بإتمام صفقة استثمار جديدة بملايين الجنيهات.
ابتسمت.
وأغلقت الهاتف.
لأن المال لم يكن انتصاري الحقيقي.
أما انتصاري الحقيقي…
فكان أن أمي عادت إلى الفيوم مرفوعة الرأس.
ولم تركع لأحد بعد ذلك اليوم أبدًا.
النهاية.