سلسله دهب حكايات روماني ×2

الفصل الرابع

وصلت مكتب المحامي وأنا قلبي بيدق.

أول ما دخلت، لقيته قاعد قدام مكتبه، وفي إيده ظرف أبيض.

أشار لي أقعد.

وقال بهدوء:

“فيه حد كان هنا من نص ساعة.”

استغربت.

“مين؟”

رد:

“واحد من أقارب عنتر.”

اتجمدت مكاني.

“وقال إيه؟”

فتح الظرف وطلع فلاشة صغيرة.

وقال:

“ساب دي… وقال إنها أمانة لازم توصلك.”

بصيت للفلاشة بخوف.

“إيه اللي فيها؟”

قال:

“مسمعتهاش لوحدي… استنيتك.”

وصلها بالكمبيوتر.

ظهر تسجيل فيديو من كاميرا موجودة في محل تصوير ومستندات.

الصوت كان واضح.

عنتر داخل المحل، ومعاه ملف أوراق.

وصاحب المحل بيقول:

“أنا ماليش دعوة بأي حاجة مخالفة للقانون.”

رد عنتر بسرعة:

“متقلقش… الموضوع اتلغى خلاص، هي مش هتمضي، وأنا هقفل الحكاية.”

التسجيل وقف هنا.

المحامي قفل الفيديو.

وقال:

“التسجيل ده لوحده مش بيثبت جري..مة، لكنه بيوضح إن كان فيه كلام عن مستندات، وده ممكن يفيد في فهم تسلسل الأحداث.”

فضلت ساكتة.

مش قادرة أستوعب.

في اللحظة دي…

رن تليفوني.

كان عنتر.

رديت.

صوته كان مكسور.

“صابرين… ممكن أقابلك؟”

قلت ببرود:

“ليه؟”

قال:

“في حاجات لازم أقولها.”

وافقت.

لكن طلبت إن المقابلة تكون في مكان عام.

…

تاني يوم.

قعد قدامي في كافيه.

كان شكله متبهدل.

دقنه طالعة.

وعينه كلها سهر.

قال بعد سكوت طويل:

“أنا خسرت كل حاجة.”

مردتش.

كمل:

“بعد ما الفرح اتلغى… الناس بعدت عني.”

فضلت باصة له.

قال:

“أنا غلطت.”

سألته:

“غلطت إمتى؟”

قال:

“يوم سمعت كلام أمي.”

هزيت راسي.

وقلت:

“لأ.”

استغرب.

قلت:

“إنت غلطت يوم خنت ثقتي.”

نزل بعينه في الأرض.

طلع مفتاح من جيبه.

وحطه قدامي.

“ده مفتاح الشقة اللي كنت مجهزها لينا… مش عايزه.”

دفعت المفتاح ناحيته.

وقلت:

“احتفظ بيه.”

رفع عينه.

“يعني خلاص؟”

ابتسمت ابتسامة فيها وجع السنين.

“في حاجات لما بتتكسر… مبتتصلحش.”

قمت أمشي.

لكنه ناداني.

“صابرين…”

وقفت من غير ما أبصله.

قال:

“أنا عمري ما هسامح نفسي.”

رديت بهدوء:

“دي حاجة بينك وبين ضميرك.”

وسبت المكان.

…

بعد أسبوع…

رجعت لشقتي.

فتحت الباب.

دخلت وأنا حاسة إن المكان بيتنفس معايا.

بصيت لصورة أمي المعلقة على الحيطة.

ولمست السلسلة الدهب اللي كنت نسيتها يومها، بعد ما استرجعتها من بيت حماته مع باقي أغراضي.

ابتسمت وسط دموعي.

وقلت:

“الوردة الأولى كانت للراحة…

والوردة التانية كانت للرزق…

وأهو ربنا رزقني أهم نعمة…

إني عرفت الحقيقة قبل ما يبقى اسمك يا أمي مربوط بوجع جديد.”

وقفت في البلكونة.

والشمس كانت بتغرب.

لكن لأول مرة…

ماكنتش حاسة إن الغروب نهاية.

كان بداية حياة…

هتبنيها بإيدي…

ومن غير خوف.
الفصل الخامس

عدى شهر…

ورجعت حياتي تمشي واحدة واحدة.

رجعت شغلي.

ورجعت أضحك مع زمايلي.

ورجعت أتعلم أعيش من غير ما أبص ورايا كل دقيقة.

كنت فاكرة إن الحكاية خلصت.

لكن في صباح يوم جمعة…

جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت راجل كبير واقف، وشكله مرهق.

أول ما شافني قال:

“إنتِ صابرين؟”

هزيت راسي.

قال:

“أنا عم عنتر.”

استغربت.

وسكت.

قال وهو مطأطئ راسه:

“أنا جاي أعتذر.”

دخلته الصالون.

قعد وهو بيتنهد.

وقال:

“أخويا الله يرحمه ربانا على الأصول… لكن اللي حصل بعد وفاته كان غلط.”

قلت بهدوء:

“حضرتك مالكش ذنب.”

رد بسرعة:

“لأ… ليا.”

وساب ظرف على الترابيزة.

فتحته.

كان جواه سلسلة الدهب بتاعة أمي.

اتجمدت.

قلت:

“دي… دي كانت عندهم.”

قال:

“بعد ما الفرح اتلغى، أم عنتر قالت ترميها، وأنا خدتها قبل ما تضيع.”

حضنت السلسلة وأنا بعيط.

كانت أول حاجة ريحتها رجعتني لحضن أمي.

قال العم:

“وفي حاجة تانية.”

طلع دفتر صغير.

وقال:

“ده دفتر الديون الحقيقي.”

قلبت صفحاته.

كل الديون اللي كانوا بيتكلموا عنها كانت مكتوبة.

لكن المفاجأة…

إن جزءًا كبيرًا منها كان بسبب مشاريع فاشلة وعنتر هو اللي كان ماضي عليها.

يعني…

شقتي ماكنتش هتنقذ أخوه بس.

كانت هتتبعثر في دوامة ديون ملهاش آخر.

قفلت الدفتر.

وقلت:

“الحمد لله إن ربنا نجاني.”

ابتسم العم بحزن.

وقال:

“صدقيني… النجاة دي كانت دعوة من أمك.”

…

بعد أسبوع…

وأنا في الشركة…

السكرتيرة دخلت المكتب.

قالت:

“فيه حد برة عايز يقابلك.”

خرجت.

لقيت عنتر.

كان أهدى بكتير من آخر مرة.

قال:

“أنا مش جاي أرجعك.”

سكت.

كمل:

“أنا جاي أقول كلمة واحدة.”

بصيت له.

قال:

“شكرًا.”

استغربت.

قال:

“لأنك وقفتي الجواز قبل ما نعيش عمر كامل مبني على الكذب.”

لأول مرة…

حسيت إنه فهم حجم اللي عمله.

قلت بهدوء:

“أتمنى تكون اتعلمت.”

هز راسه.

وقال:

“اتعلمت إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حد في حياته بسبب الطمع.”

مد إيده.

مش علشان سلام.

لكن علشان يسلم عليا للمرة الأخيرة.

صافحته.

وقلت:

“ربنا يصلح حالك.”

مشيت.

ومن يومها…

ولا شفته تاني.

…

في مساء نفس اليوم…

وقفت في بلكونة شقتي.

حطيت سلسلة أمي في رقبتي.

ولما بصيت في المراية…

افتكرت آخر وصية قالتها لي قبل ما تموت:

“يا بنتي… البيت يتعوض…

والفلوس تتعوض…

لكن الكرامة لو راحت…

صعب ترجع.”

ابتسمت.

ولأول مرة من سنين…

حسيت إن أمي…

لسه عايشة جوايا بكل كلمة علمتهالي.
الفصل السادس

افتكرت إن الصفحة دي اتقفلت.

لكن القدر…

كان لسه مخبيلي آخر مفاجأة.

بعد حوالي شهرين، كنت قاعدة في مكتبي، والشغل ماشي كويس، لحد ما السكرتيرة دخلت وقالت:

“أستاذة صابرين… في ست كبيرة برة مصممة تشوف حضرتك.”

خرجت.

اتفاجئت…

كانت أم عنتر.

لكن مش دي الست اللي كنت أعرفها.

وشها كان شاحب.

وشعرها الأبيض زاد.

وعينيها مليانة انكسار.

أول ما شافتني…

قالت بصوت واطي:

“ممكن أكلمك خمس دقايق؟”

فضلت ساكتة.

لكن أشرت لها تدخل.

قعدت قدامي، وإيديها بتترعش.

قالت:

“أنا ظلمتك.”

كانت أول مرة أسمع الجملة دي منها.

لكن الغريب…

إني ماحستش بأي انتصار.

كملت وهي بتعيط:

“بعد ما الفرح اتلغى، أخو عنتر دخل السجن بسبب الديون اللي كانت عليه، وعنتر باع عربيته، وباع المحل، ولسه الديون مخلصتش.”

سكتت شوية.

وقالت:

“افتكرت إن أخد شقتك هيحل كل حاجة… لكن ربنا ورّاني إن الظلم عمره ما بيجيب بركة.”

بصيت لها بهدوء.

وقلت:

“الاعتذار شجاعة… لكن اللي اتكسر جوايا صعب يرجع.”

هزت رأسها.

وقالت:

“عارفة.”

طلعت من شنطتها علبة قطيفة صغيرة.

حطتها قدامي.

فتحتها.

لقيت خاتم خطوبتي.

الخاتم اللي كنت سيبته يوم ما خرجت من القاعة.

قالت:

“احتفظي بيه… ده حقك.”

قفلت العلبة، ورجعتهالها.

وقلت بابتسامة هادئة:

“لأ… سيبيه عندكم.”

استغربت.

قلت:

“يفكركم إن في يوم، كان فيه بنت دخلت بيتكم وهي شايلة حب حقيقي… وخرجت منه وهي شايلة درس عمرها.”

دموعها نزلت.

قامت من مكانها.

وقبل ما تمشي، قالت:

“ربنا يعوضك خير.”

ابتسمت لأول مرة.

وقلت:

“عوضني بالفعل.”

…

بعد أسبوع…

وأنا برتب أوضة أمي، لقيت صندوق خشب صغير.

كان مقفول بمفتاح قديم.

فتحت الصندوق.

لقيت جواب مكتوب بخط إيد أمي.

كان عنوانه:

“لبنتي صابرين… لما تختاري شريك حياتك.”

فتحت الجواب وبدأت أقرأ.

«”يا بنتي… الراجل اللي يحبك، عمره ما يبص لفلوسك قبل ما يبص لدموعك. ولو لقيتي حد بيحسب قيمة اللي معاك، اعرفي إنه عمره ما عرف قيمتك. اختاري اللي يخاف على قلبك، مش على بيتك.”»

فضلت أبكي وأنا بقرأ.

حضنت الجواب.

وبصيت لصورة أمي.

وقلت:

“اطمني يا أمي… المرة الجاية، هسمع كلامك من أول مرة.”

قفلت الصندوق بهدوء.

وبدأت أول صفحة في حياتي الجديدة…

صفحة مفيهاش خوف…

ولا استغلال…

ولا حد بيحب شقة أكتر من صاحبتها.
الفصل السابع والأخير

مرت سنة كاملة…

وسنة واحدة كانت كفاية تغير حياة ناس كتير.

أما أنا…

فمكنتش نفس صابرين اللي كانت بتحلم بالفستان الأبيض وبس.

بقيت أعرف إن الأمان الحقيقي…

مش خاتم في صباع.

ولا كتب كتاب.

ولا فرح كبير.

الأمان…

إن اللي قدامك يخاف يكسر قلبك.

شغلي كبر.

وسددت جزءًا كبيرًا من قرض الشقة.

ولأول مرة من سنين…

دخلت بيتي وأنا مطمنة.

لا حد هيطمع فيه.

ولا حد هيخطط ياخده مني.

وفي يوم…

وأنا راجعة من الشغل.

قابلت جارتي القديمة.

قالت لي:

“سمعتي الأخبار؟”

قلت:

“خير؟”

قالت:

“عنتر ساب المنطقة.”

استغربت.

حكت لي إن بعد ما اتلغى الفرح، اتكشفت الديون اللي كانت العيلة مخبياها.

وبدأوا يبيعوا حاجات كتير علشان يسددوا اللي عليهم.

لكن الشقة اللي كانوا بيحلموا ياخدوها…

عمرها ما بقت في إيديهم.

سكت شوية…

وقالت:

“الناس كلها كانت بتقول إنك خسرتي.”

ابتسمت.

وقلت:

“أوقات أكبر مكسب في الدنيا… إنك تعرفي الحقيقة بدري.”

…

بعد أيام قليلة…

كان فيه ظرف وصلني بالبريد.

فتحته.

لقيت جواه ورقة صغيرة.

بخط إيد عنتر.

كان مكتوب فيها:

«”مش بطلب منك ترجعي.
ومش بطلب منك تسامحيني.
أنا بس فهمت متأخر إن الإنسان لما يبيع ضميره، بيخسر نفسه قبل ما يخسر الناس.
ادعيلي ربنا يسامحني.”»

قريت الورقة مرة واحدة.

وطويتها.

وحطيتها في درج المكتب.

لا احتفظت بيها علشان أفتكر.

ولا رميتها علشان أكره.

خلاص…

الماضي انتهى.

…

في ذكرى وفاة أمي…

روحت المقابر.

حطيت وردتين بيضا على قبرها.

زي الوردتين اللي كانوا محفورين على سلسلتها.

وقعدت أقرأ الفاتحة.

وقلت وأنا ببتسم:

“اطمني يا أمي…

السلسلة لسه معايا…

والشقة لسه معايا…

والكرامة كمان لسه معايا.”

قمت وأنا حاسة براحة لأول مرة.

…

بعد ست شهور…

افتتحت مكتبي الخاص.

علقت على الحيطة أول صورة لأمي.

وجنبها شهادة التقدير اللي أخدتها من شغلي.

ودخل أول عميل.

وبدأت حياة جديدة.

وفي آخر اليوم…

قفلت باب المكتب.

وبصيت للسماء.

وقلت:

“الحمد لله…

لو كنت اتجوزت اليوم ده…

كنت خسرت نفسي.

لكن ربنا كشف الحقيقة قبل ما أقول: موافقة.”

ومن يومها…

كل بنت كانت تحكيلي إنها هتمضي ورق من غير ما تقراه…

كنت أقول لها جملة واحدة:

“اقري كل كلمة…

واسألي عن كل ورقة…

واللي يزعل من حقك في الفهم…

ما يستحقش يكون شريك حياتك.”

وهكذا…

انتهت حكاية الفرح اللي ما تمش.

لكن بدأت حكاية امرأة تعلمت أن الحب الحقيقي لا يطلب ثمنًا…

ولا يطمع في بيت…

ولا في مال…

بل يحفظ الكرامة قبل أي شيء.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *