زين حكـايـات أسمـا ×3 الاخيره

بعد الرسالة دي… ماحدش نام.
المستشفى كلها اتقلبت حراسة. رجال زين انتشروا في كل دور، والممرضات بقوا يبصوا بخوف على الجناح اللي فيه ياسمين وأمها. أما ياسمين… فكانت قاعدة على الكرسي جنب سرير أمها، حاطة إيدها على بطنها، وعينيها ثابتة في الفراغ.
كل حاجة خرجت عن السيطرة.
هي ماطلبتش حب من زين الدهبي.
ولا طلبت طفل.
ولا طلبت تدخل حرب رجال أعمال ممكن تنتهي بدم.
كل اللي كانت عايزاه… مرتب آخر الشهر علشان تدفع جلسات الغسيل الكلوي.
لكن القدر كان عنده رأي تاني.
قرب الفجر، زين دخل الأوضة بهدوء. كان واضح إنه ما نامش ثانية. دقنه الخفيفة ظهرت، وعينيه بقى فيهم تعب أسود يخوف أكتر من بروده المعتاد.
وقف قدامها وسأل: — أخوكي فين؟
— نام برا.
سكت لحظة.
وبعدين قال: — لازم نمشي من هنا.
بصتله بسرعة: — إيه؟
— المستشفى اتكشفت. ووجودك هنا بقى خطر.
ردت بعصبية مرهقة: — وأنا هفضل أهرب لحد إمتى؟
ماجاوبش فورًا.
لأنه لأول مرة… ماكانش عنده إجابة.
بعد ساعة، كانت عربية سوداء بتشق الطريق ناحية الساحل الشمالي وقت الشروق.
ياسمين قاعدة في الكنبة الخلفية، أمها نايمة بتأثير الدوا جنبها، وكريم في العربية اللي وراهم مع الحراس.
أما زين… فكان سايق بنفسه.
وده لوحده كان كفاية يخوف أي حد يعرفه.
الراجل اللي عنده سواقين وحراس وطائرات خاصة… سايق بنفسه لأنه مش واثق في حد.
الطريق كان طويل وصامت.
لحد ما ياسمين قالت فجأة: — إنت عمرك حبيت حد؟
إيده شدت على الدركسيون.
واضح إنه ما توقعش السؤال.
قال بعد لحظة: — السؤال ده ملوش علاقة باللي إحنا فيه.
— جاوب.
الصمت طال.
وبعدين قال بصوت هادي: — أمي ماتت وأنا عندي ١٢ سنة. أبويا علمني إن الحب نقطة ضعف. ومن يومها… ماحبتش غير الشغل والسلطة.
لفت تبصله.
لأول مرة تحس إنه مش مجرد وحش بارد.
فيه طفل قديم مستخبي جواه… طفل اتربى على الخوف.
قال بدون ما يبصلها: — وإنتِ؟
ضحكت بمرارة: — أنا؟ أنا كنت بحب فكرة إن حد يبصلي كأني ست… مش مجرد جسم الناس بتتريق عليه.
عينه راحت عليها بسرعة.
أكملت وهي بتبص للشباك: — طول عمري غير مرئية يا زين. حتى لما كنت بمشي في الشركة، الناس كانت تبص من خلالي. عمري ما كنت البنت اللي حد يختارها.
قال بهدوء: — وأنا اخترتك.
ضحكت بسخرية موجوعة: — ليلة خوف وموت مش اسمها اختيار.
لكنه رد فورًا: — أنا بصيتلك قبلها بكتير.
سكتت.
قلبها دق بعنف.
زين أكمل وعينه على الطريق: — أول مرة دخلتي مكتبي كنتِ شايلة ٤ ملفات أكبر منك، والدنيا مقلوبة بسبب غلطة في العقود. كل المديرين كانوا مرعوبين… وإنتِ الوحيدة اللي وقفتي قدامي وقولتي: “الغلط مش من قسمنا يا فندم. الغلط من المحاسب القانوني.”
افتكرت اليوم.
كانت متأكدة إنه نسيه.
قال: — ومن يومها وأنا عارف إنك أخطر شخص حواليا.
همست: — بس عمرك ما بصيتلي.
رد بهدوء موجع: — لو كنت بصيتلك… كنت هقرب. وأنا ماكنتش عايز أقرب من حد.
الكلمات دخلت قلبها رغمًا عنها.
كرهت إنها صدقته.
لكنها صدقته.
وصلوا فيلا ضخمة منعزلة على البحر.
المكان كان محاط بحراسة وسور عالي وكاميرات.
لكن البحر قدامه كان هادي بشكل يناقض كل الرعب اللي عايشينه.
ياسمين ساعدت أمها تدخل، وكريم كان مذهول من الفخامة.
همس لها: — إنتِ متأكدة إننا في أمان مع الراجل ده؟
بصت ناحية زين اللي كان بيتكلم مع الحراس بعصبية واضحة.
وقالت بصوت واطي: — مش متأكدة من أي حاجة.
في الليل…
بعد ما الكل نام، ياسمين خرجت للبلكونة.
البحر كان أسود والهواء بارد.
وقفت تحضن نفسها وهي بتحاول تاخد نفس.
فجأة سمعت صوته وراها: — البرد مش كويس ليكي.
ما التفتتش.
قالت: — هو إحنا هنفضل نهرب طول عمرنا؟
وقف جنبها، سايب مسافة بينهم.
— لأ.
— أمال؟
صمت لحظة.
ثم قال: — هنخلص الحرب.
لفت تبصله: — حرب إيه أصلًا؟
عينيه اسودّت.
— الحرب اللي بدأت يوم أبويا شاركني سامح المنشاوي في المجموعة. من يومها وهو عايز كل حاجة. ولما أبويا مات… فضل مستني لحظة ضعفي.
ياسمين شهقت: — يعني سامح…
— مش لوحده. فيه ناس أكبر. رجال أعمال وسياسيين وغسيل أموال وصفقات سلاح. وأنا ماسك ملفات تدفن نصهم.
الخوف رجع يلف حوالين قلبها.
— وأنا دخلت كل ده إزاي؟
لف بصلها أخيرًا.
وقال بهدوء: — لأنك بقيتي عيلتي.
الكلمة ضربتها بعنف.
عيلته.
هي؟
قبل ما ترد…
صوت رصاصة دوّى فجأة.
الزجاج جنبهم انفجر.
زين شدها ناحيته في نفس اللحظة ووقعوا على الأرض.
الحراس صرخوا.
وضرب النار بدأ.
ياسمين كانت تحت زين، قلبها هيقف من الرعب.
زين رفع وشه بسرعة وقال: — ماتتحركيش.
طلع مسدسه من ضهره ووقف.
كان مرعب.
مختلف.
مش رجل الأعمال الأنيق.
كان راجل اتولد للحروب.
الفيلا كلها اتقلبت جحيم.
رصاص.
صراخ.
إزاز بيتكسر.
ياسمين زحفت ناحية الباب وهي بتحاول تحمي بطنها.
لكن فجأة…
واحد من الحراس دخل وهو بينزف: — يا فندم! في حد من رجالتنا خانّا!
زين عينه اشتعلت.
وفي اللحظة دي…
ياسمين شافت ظل داخل من الممر الخلفي.
راجل لابس أسود.
شايل سلاح.
ومتجه ناحيتها مباشرة.
شهقت.
لكن قبل ما تصرخ…
صوت رصاصة هز المكان.
الراجل وقع قدامها.
زين كان واقف آخر الممر، صدره بيطلع وينزل بعنف، والمسدس في إيده.
جري عليها فورًا.
مسك وشها بإيده لأول مرة.
— إنتِ كويسة؟ اتكلمي!
هزت راسها وهي بترتعش.
بص لبطنها بخوف حقيقي: — والبيبي؟
دموعها نزلت: — كويس… أظن.
في اللحظة دي…
زين حضنها.
بقوة.
كأنه بيتأكد إنها لسه موجودة.
وكان ده أول حضن حقيقي بينهم.
مش رغبة.
مش خوف لحظة.
احتياج.
ورعب من الفقد.
لكن اللحظة ماكملتش.
لأن الحارس قرب منهم بوجه شاحب وقال: — يا فندم… أمسكنا واحد حي.
في البدروم…
الراجل المقيد كان بيضحك والدم نازل من بقه.
زين وقف قدامه بعينين جليد.
— مين باعتك؟
الراجل بص ناحية ياسمين الواقفة بعيد وقال: — قالولنا نجيب الست حامل… والباقي مش مهم.
زين ضربه بعنف خلا الكرسي يقع.
ياسمين اتخضت.
أول مرة تشوفه بالوحشية دي قدامها.
زين مسك الراجل من قميصه: — مين؟
الراجل ضحك بدم: — حتى لو قتلتني… فات الأوان.
زين اتجمد.
— يعني إيه؟
الراجل ابتسم ابتسامة مرعبة: — الليلة دي كانت تشتيت وبس.
قلب ياسمين وقف.
وفي نفس اللحظة…
تليفون زين رن.
رد بسرعة.
ولونه اتسحب فورًا.
ياسمين قلبها اتقبض: — في إيه؟
زين بصلها بصدمة وغضب قاتل: — أمك اختفت.
الدنيا اسودّت قدامها.
صرخت: — إيه؟!
الحارس في المستشفى اتقتل.
وكريم اتضرب على راسه.
والحاجة نوال… اختفت.
ياسمين انهارت.
وقعت على الأرض وهي بتصرخ باسم أمها.
أما زين…
فكان واقف ساكت بشكل أخطر من أي غضب.
لأن سامح أخد الحاجة الوحيدة اللي ياسمين ممكن تسيبه علشانها.
بعد ساعات…
القاهرة كلها كانت بتدور على الحاجة نوال.
رجال زين نازلين في كل مكان.
مخازن.
موانئ.
شقق.
استراحات.
لكن مافيش أثر.
وياسمين قاعدة في أوضة الفيلا، عينيها ناشفة من كتر العياط.
زين دخل بهدوء.
قال: — هجيبها.
صرخت فيه: — كفاية! كفاية بقى! من يوم ما دخلت حياتي وأنا بخسر كل حاجة!
سكت وتحمل صريخها.
أكملت بانهيار: — أنا كنت عايشة! تعبانة آه… بس عايشة! دلوقتي أمي مخطوفة وابني مهدد وأنا مش عارفة أنام من الرعب!
قرب منها.
قال بصوت مبحوح: — وأنا مستعد أموت علشان أرجعهم ليكي.
ضحكت بدموع: — ليه؟ علشان ابنك؟
هنا…
اتغيرت ملامحه.
وقال لأول مرة الحقيقة اللي كان بيهرب منها: — علشانك إنتِ.
الصمت ضرب المكان.
قلبها وقف.
زين قرب أكتر.
— أنا عمري ما خفت على حد بالشكل ده. عمري ما رجعت البيت ولقيت نفسي بفكر إذا كلتي ولا نمتي. عمري ما كنت مستعد أحرق الدنيا علشان ست.
دموعها نزلت أكتر.
همس: — أنا بحبك يا ياسمين.
الكلمة خرجت منه بصعوبة راجل عمره ما قالها.
وكانت صادقة لدرجة موجعة.
لكن قبل ما ترد…
تليفونه رن.
رد فورًا.
سامح المنشاوي كان على الخط.
صوته هادي: — تحب تسمع صوت حماتك المستقبلية؟
وجّه التليفون.
وصوت الحاجة نوال خرج ضعيف ومخنوق: — ياسمين… ماتخافيش يا بنتي…
ياسمين صرخت: — ماما!
سامح ضحك: — الساعة ١٢ بالليل. الميناء القديم في الإسكندرية. تيجي لوحدك يا زين. وتجيب الملفات. وإلا الست العيانة دي مش هتكمل للفجر.
المكالمة اتقفلت.
الصمت بقى قاتل.
ياسمين بصت لزين بخوف: — ماتروحش.
لكنه كان خلاص اتحول لنسخة مرعبة من نفسه.
هادئ جدًا.
وده أخطر.
قال: — هخلص كل حاجة الليلة.
الليل كان عاصف في ميناء الإسكندرية القديم.
الأمواج بتضرب الحديد الصدئ.
والضباب مغطي المكان.
زين وصل لوحده فعلًا.
شايل حقيبة الملفات.
لكن اللي سامح ماكنش يعرفه…
إن زين كان مرتب كل حاجة.
قناصة.
حراسة بحرية.
وتسجيلات لكل صفقات سامح.
سامح خرج من المخزن وهو ماسك الحاجة نوال.
ورجاله حواليه.
ابتسم: — الحب خلاك أغبى يا زين.
زين رد ببرود: — وأنت الطمع خلاك أعمى.
وفجأة…
الأضواء كلها اشتغلت.
وصوت عربيات الشرطة ملّى المكان.
سامح اتصدم: — إنت بلغت عن نفسك؟!
زين ابتسم لأول مرة ببرود قاتل: — بلغت عنك إنت.
الرصاص ضرب فجأة.
المكان انفجر فوضى.
زين جري ناحية الحاجة نوال.
وسامح رفع سلاحه عليه.
لكن قبل ما يضرب…
صوت رصاصة دوّى.
سامح وقف مصدوم.
وبص على الدم اللي نازل من صدره.
ورا زين…
كانت ياسمين.
شايلة مسدس الحارس بإيد بترتعش.
سامح وقع على الأرض.
انتهى.
ياسمين بدأت تنهار من الصدمة.
زين جري عليها فورًا ومسح المسدس من إيدها قبل ما تقع.
حضنها بقوة وهي بتعيط بانهيار: — خلص… خلاص خلص.
بعد شهور…
مجموعة الدهبي اتغيرت بالكامل.
قضايا فساد كتير اتفتحت.
وزين لأول مرة اختفى فترة عن الإعلام.
أما ياسمين…
فكانت واقفة في أوضة أطفال صغيرة في بيت جديد على النيل.
بطنها كبرت.
وشها بقى أهدى.
وأمها قاعدة تضحك مع كريم في الصالة.
الحياة بدأت ترجع.
دخل زين الأوضة بهدوء.
وقف وراها وحط إيده على بطنها المنتفخة.
البيبي اتحرك فورًا.
ضحكت ياسمين لأول مرة من قلبها: — شكله هيطلع عنيد زيك.
همس عند ودنها: — المهم يطلع شبهك.
لفت تبصله.
ماكانش الراجل البارد اللي عرفته أول مرة.
لسه قوي… ولسه مخيف.
لكن عينيه بقت تعرف الرحمة.
قال وهو يبص لها: — عارفة أكتر حاجة خوفتني؟
— إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة: — إن الست اللي كانت فاكرة نفسها غير مرئية… بقت أهم شخص في حياتي كلها.
دموعها لمعت.
وزين نزل على ركبته قدامها ببطء.
طلع خاتم بسيط بعكس كل ثروته.
وقال: — المرة دي… مافيش خوف ولا هروب. تتجوزيني يا ياسمين السيوفي؟
ياسمين ضحكت وسط دموعها.
وقالت أخيرًا الكلمة اللي كان مستنيها: — أيوه يا زين.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *