امنيه حياتي حكـايـات أسمـا ×4

الفصل الرابع

أول ما شفت عربية كريم واقفة تحت البيت… معدتي اتقبضت.

والأسوأ؟ إن سهير كانت قاعدة جوه العربية فعلًا.

حتى بعد كل اللي حصل… جات معاه.

كأنها ما تعرفش يعني إيه حدود. ولا خصوصية. ولا إن في راجل المفروض جاي يصلح علاقته بخطيبته… مش جاي ومعاه أمه تراقب الموقف.

كريم نزل بسرعة أول ما شافني.

كان شكله مرهق. الكرافتة مفكوكة. وشعره مبهدل. بس أول حاجة بصّ عليها ماكنتش أنا…

كانت أمي اللي واقفة بعيد عند باب العمارة.

كأنه لسه خايف من رد فعلها أكتر من خوفي أنا.

قال بسرعة: — سارة… بالله عليكِ اسمعيني خمس دقايق بس.

بصيتله من غير تعبير. ولأول مرة… ماجريتش ناحيته بقلبي أول ما شفته.

كان في حاجز. وجع. وصورة مش قادرة تمسح من دماغي: هو شايل أمه… وأنا واقفة لوحدي.

قال وهو يقرب: — أنا غلطت… وأنا عارف.

قبل ما أرد… باب العربية اتفتح.

وسهير نزلت.

طبعًا.

لابسة شال أبيض كبير ونظارة سودة رغم إن الدنيا ليل. ومشيتها كلها استعراض. كأنها جاية مؤتمر صحفي مش خربانة جوازة ابنها.

أمي همست من بعيد: — شوفي… حتى الاعتذار مش قادرة تسيبهولك لوحدك.

الكلمة دخلت في قلبي مباشرة.

لأنها صح.

سهير قربت وهي رافعة دقنها: — خلصونا بقى من الفيلم ده.

كريم اتوتر: — ماما بالله عليكِ…

قاطعتُه أنا المرة دي: — لا سيبها تتكلم.

كنت عايزة أسمع. عايزة أشوف لآخر لحظة هما شايفين نفسهم صح إزاي.

سهير شبكت إيديها: — اللي حصل اتنفخ زيادة عن اللزوم. وابني جه بنفسه يصالحك.

ضحكت بصدمة: — يصالحني؟ هو كان مزعلني وأنا مش واخدة بالي؟

وشها اتشد: — سارة… بلاش طريقة الكلام دي.

ولأول مرة… ما خفتش منها.

قلت بثبات: — الطريقة اللي اتعاملتوا بيا بيها هي اللي كانت قليلة الأدب.

ملامحها اتقلبت فورًا. القناع المثالي وقع.

— اسمعيني يا بنت الناس… إنتِ داخلة عيلة ليها نظامها. وأنا أم كريم وهفضل أهم ست في حياته مهما حصل.

أمي قربت خطوة.

بس أنا رفعت إيدي أوقفها. كنت عايزة أكمل لوحدي.

بصيت لسهير مباشرة. وقلت: — محدش طلب منك تختفي من حياته. المشكلة إنك مش عايزة يبقى عنده حياة أصلًا.

الصدمة ظهرت على وشها للحظة.

لحظة صغيرة… بس شفتها.

كريم قال بسرعة: — سارة… الكلام كبر أوي.

لفيتله ببطء. — كبر؟ يعني إيه كبر؟ إنت شايف اللي حصل موقف وعدّى؟

اتنهد بعصبية: — خلاص يا سارة فهمنا إنك اتضايقتي.

الكلمة نزلت عليا زي الصفعة.

“اتضايقتي.”

مش “اتهنتي”. مش “اتكسرتي”.

اتضايقتي.

كأنه بيتكلم عن عزومة بايظة.

سألته بهدوء: — لو أخويا شال أمي ليلة فرحه وساب مراته واقفة… كنت هتشوفها عادي؟

سكت.

بصّ بعيد.

وده كان كفاية.

سهير دخلت بينا فورًا: — مقارنة غبية. الأم غير أي حد.

قلت بسرعة: — أيوه الأم غير أي حد… بس الزوجة مش خدامة عند الأم.

وشها احمرّ من الغضب.

وأنا لأول مرة أحس إني مش ضعيفة قدامها.

سهير قربت مني وقالت بصوت واطي كله سم: — واضح إن أمك لعبت في دماغك.

ضحكت بمرارة. — لا يا طنط… أنتِ اللي فوقتيني.

كريم حاول يمسك إيدي: — سارة بالله عليكِ… إحنا بنحب بعض.

سحبت إيدي فورًا.

قلبي وجعني من الحركة نفسها. لأن جزء مني كان نفسه يصدق.

نفسي يطلع كل ده سوء تفاهم. نفسي كريم يبقى بس متوتر ومش عارف يتصرف.

بس الحقيقة كانت واضحة قدامي: كل مرة كان بيختارها.

كل مرة.

قلتله: — أنا قابلت سلمي النهاردة.

الدنيا وقفت.

وش كريم اتسحب منه الدم.

أما سهير… فاتجمدت حرفيًا.

همست: — مين؟

— خطيبتك السابقة.

كريم بلع ريقه بعنف. — سارة اسمعيني…

قاطعته: — قالتلي إن دي مش أول مرة يحصل كده.

سهير انفجرت: — الست المجنونة دي لسه بتتكلم عننا؟!

وأهو. ولا كلمة نفي.

ولا حتى استغراب.

أمي كانت واقفة ساكتة تراقبهم بعين خبيرة. واضح إنها بدأت تشوف الصورة كاملة.

قلت وأنا ببص لكريم: — الدبلة كانت بتاعتها صح؟

كريم غمض عينيه. وده كان اعتراف.

ضحكت ضحكة مكسورة. — حتى الدبلة يا كريم؟

قال بسرعة: — الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

— أمال إزاي؟ نسيتوا تشيلوا اسمها من جوا؟!

سهير قالت بحدة: — وإيه يعني؟ ده ذهب! نرميه يعني؟

الكلمة خبطتني في قلبي.

ذهب.

مش ذكرى. مش مشاعر. مش جوازة.

مجرد حاجة تتباع وتتكرر.

أمي قالت ببرود قاتل: — واضح فعلًا إنكم متعودين تعيدوا نفس الدور.

سهير لفتلها بعصبية: — وإنتِ مالك؟! إنتِ اللي خربتي الجوازة!

أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا. — لو جوازة خربت علشان أم العريس اتشالت بدل العروسة… يبقى هي أصلًا ماكنتش جوازة.

الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.

وفجأة… كريم قال الجملة اللي كسرت آخر حاجة جوايا.

— سارة… أنا مقدرش أخسر أمي.

بصيتله وأنا حاسة روحي بتبرد.

همست: — وأنا؟ تقدر تخسرني؟

سكت.

الثانية اللي سكتها… كانت الإجابة.

دموعي نزلت بهدوء المرة دي. مش بانهيار.

النوع الأخطر من العياط. لما القلب يبطل يقاوم.

هزيت راسي ببطء. — خلاص.

كريم قرب بخضة: — خلاص إيه؟

قلعت الدبلة من إيدي.

وحطيتها في كفه.

إيده قفلت عليها تلقائيًا. وكأنه لسه مش مستوعب.

قلت بصوت ثابت: — أنا مش داخلة منافسة مع أمك يا كريم. والراجل اللي مش قادر يحط حدود… عمره ما هيعرف يبني بيت.

وشه اتكسر.

ولثانية… شفت الطفل اللي جواه. الولد اللي متربي طول عمره خايف يزعل أمه.

بس للأسف… الطفل ده كان لسه هو اللي بيدير حياته.

سهير شدته من دراعه بعصبية: — يلا يا كريم. اللي تسيبك علشان موقف تافه ماتستاهلكش.

وأنا بصتلها مباشرة وقلت: — لا يا طنط… اللي يخسر نفسه علشان يرضي حد… هو اللي ما يستاهلش.

عينها وسعت. واضح إن محدش كان بيقف قدامها بالشكل ده.

كريم فجأة قال: — سارة استني!

لكن أمي فتحت باب العمارة وقالت: — بنتي خلاص قالت قرارها.

ولأول مرة… حسيت إن حد بيحميني فعلًا.

كنت لسه داخلة العمارة… لما سمعت سهير بتزعق برا:

— هترجع! كلها يومين وهترجع تعيط تحت رجلينك!

وقفت مكاني.

ولفيت ببطء.

بصيتلها وأنا حاسة بشيء جديد جوايا. مش قوة كاملة… بس بداية قوة.

وقلت: — اللي يطلع من ذل… عمره ما يرجع له برجليه.

وشها قلب أحمر من الغضب.

أما كريم… فكان واقف ساكت.

وده كان أكتر حاجة أكدتلي إني أخدت القرار الصح.

طلعنا البيت.

وأول ما قفلت باب الشقة… رجلي ماقدرتش تشيلني.

وقعت على الكنبة بتعب مرعب. كأني كنت بحارب حرب فعلًا.

أمي قعدت جنبي وسألت بهدوء: — ندمانة؟

فكرت ثواني.

قلبي موجوع؟ أيوه.

مكسورة؟ جداً.

لكن ندمانة؟

بصيت في الفراغ وقلت: — لا.

أمي ابتسمت لأول مرة من يوم الفرح. ابتسامة فخر.

وفجأة… موبايل آدم رن.

كان واحد صاحبه.

رد… وسكت يسمع ثواني. وبعدين بصلي بصدمة.

— الفيديو وصل نص البلد.

شهقت. — إيه؟

— الناس كلها بتتكلم عنكم.

قلبي اتقبض. أنا أصلًا مش مستحملة اللي حصل… أمال لو بقى ترند؟

لكن آدم كمل بسرعة: — بس الناس في صفك إنتِ.

وأداني الموبايل.

فتحت الفيديوهات. والتعليقات كانت نار.

“البنت دي ربنا نجاها.”

“أم مريضة نفسيًا.”

“العريس محتاج يتعالج.”

وفي وسط التعليقات… في تعليق متثبت فوق الكل.

حساب باسم “مجهول”.

كاتب: “اسألوا سهير ليه جوزها ساب البيت ومشى من ١٥ سنة.”

اتجمدت.

أمي أخدت الموبايل بسرعة. وقرت التعليق أكتر من مرة.

همست: — يا ساتر.

أنا بصيتلها بخوف. — يعني إيه؟

أمي سكتت شوية… وبعدين قالت: — يمكن يكون السر الحقيقي لسه ما ظهرش.

وفي نفس اللحظة…

وصلتلي رسالة جديدة من رقم مجهول.

“لو عايزة تعرفي أبو كريم اختفى ليه… يبقى لازم تشوفي الفيديو اللي سهير مخبياه من سنين.”

وتحت الرسالة…

كان فيه لينك.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *