صدفه طارئه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل التاني
العربية اتحركت في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، وريم قاعدة جنب الباب كأنها مستعدة تهرب في أي لحظة، رغم إن رجليها نفسها كانت بتقولها: “لو قمتي دلوقتي هتقعي.”
كانت ماسكة شنطتها على حجرها بقوة، وبتبص من الإزاز كأنها بتحاول تثبت لنفسها إن اللي حصل مجرد موقف غريب وهيعدي. عربية غلط. راجل مشهور. كام دقيقة إحراج. وخلاص.
لكن المشكلة إن وجود سليم الحديدي في نفس المساحة ماكانش بيتنسي بسهولة.
كان ساكت.
مش ساكت عادي… لأ، ساكت بالطريقة اللي تخلي السكون نفسه يبقى له وزن.
ريم حاولت تتجاهله. ركزت في المطر الخفيف اللي بينزل على الإزاز، في نور المحلات المقفولة، في عامل واقف تحت تندة كشك بيشرب شاي، في موتوسيكل معدي بسرعة. أي حاجة غير إنها تبص ناحيته.
بس عينيها خانتها.
بصت بطرف عينها.
لقته ماسك موبايله، لكن مش بيكتب. الشاشة منورة بس، وإصبعه ثابت فوقها. ملامحه هادية، لكن فكه مشدود. المكالمة اللي جاتله من شوية واضح إنها سابت أثر، حتى لو هو عامل نفسه حجر.
ريم ماعرفتش ليه قالت: — باباك تعبان؟
سليم رفع عينه ببطء.
هي اتوترت فورًا: — آسفة… ماكانش المفروض أسأل. أنا سمعت بالغلط.
— الصوت كان عالي كفاية يخلي السواق اللي في العربية اللي ورانا يسمع.
ريم عضت شفايفها عشان ماتضحكش، بس فشلت. ضحكة صغيرة خرجت منها.
سليم بص قدامه تاني. — آه. تعبان.
— ربنا يشفيه.
قالها من غير ما يبص لها: — آمين.
لكن الكلمة خرجت تقيلة. مش تقيلة من قلة إيمان… تقيلة من تعب قديم.
ريم حسّت إن الموضوع مش مجرد مرض أب. فيه حاجة أكبر. علاقة مش سهلة. بيت مليان صمت أكتر من الكلام. وجع عائلي متغطي ببدل غالية وعربيات مصفحة.
فقررت تسكت.
لأنها طبيبة امتياز آه… بس مش كل جرح يتعالج بالسؤال.
العربية دخلت شارع أهدى. ريم بصت حوالين المكان، وفجأة انتبهت. — إنتوا رايحين فين؟
مصطفى قال بأدب من قدام: — حضرتك قلتي العنوان؟
ريم اتجمدت. — أنا ماقلتش عنوان؟
سليم بصلها بهدوء غريب. — لأ.
ريم غمضت عينيها بإحراج. — يا رب خدني.
مصطفى كح كتمًا للضحك.
سليم قال: — تحبي نوصلِك فين يا دكتورة؟
— مدينة نصر. شارع عباس العقاد… عند…
سكتت فجأة.
مش لأنها نسيت العنوان.
لكن لأنها افتكرت حاجة.
مفتاحها.
إيدها نزلت بسرعة على جيوب السكرابز، بعدها على شنطتها. فتحت السوستة بعصبية وبدأت تقلب فيها. سماعة. قلم. ورق روشتات. شاحن مقطوع. بسكوت مفتوح. كارت المستشفى. لكن مفيش مفتاح.
وشها بهت.
سليم لاحظ فورًا. — إيه؟
— المفتاح مش معايا.
— متأكدة؟
— آه… لا… ثانية.
قلبت الشنطة تاني بعنف أكتر. كأن المفتاح هيطلع من الخوف.
ماطلعش.
حست إن دماغها هتنفجر. بعد واحد وتلاتين ساعة، ركبت عربية غلط، نامت قدام واحد غريب، ودلوقتي مفتاح شقتها ضاع.
ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب للانهيار. — ممتاز. جميل جدًا. يوم تحفة.
سليم بص لها. — عندك حد معاه نسخة؟
ريم سكتت.
والسكوت ده قال أكتر من أي إجابة.
ماكانش عندها حد.
أو يمكن كان عندها… بس مش حد ينفع تتصل بيه الساعة اتنين الفجر.
قالت وهي بتحاول تبان عادية: — البواب غالبًا صاحي.
— غالبًا؟
— يعني… ممكن.
— وممكن لأ.
— أيوه، شكرًا على الدعم النفسي.
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. — دي مش دعم. دي قراءة وضع.
ريم سندت راسها على الكرسي بتعب. — أنا هتصرف.
الكلمة دي سليم سمعها بطريقة مختلفة.
“هتصرف.”
مش “هتصل بحد.” مش “حد هيساعدني.” مش “ممكن تعمل معروف.”
هتصرف.
كلمة ناس اتعودت تشيل نفسها بنفسها.
سليم قال لمصطفى: — على عباس العقاد.
— حاضر يا باشا.
ريم بصتله بسرعة: — لا، أنا ممكن أنزل في أي مكان وآخد تاكسي.
— قلتلك الساعة اتنين الفجر.
— وأنا قلتلك إنت مالك.
المرة دي سليم لف وشه لها بالكامل. — واضح إنك بتكرري السؤال لما بتتوترِ.
ريم سكتت لحظة، وبعدين قالت بعناد: — وواضح إنك بتدي أوامر لما بتقلق.
الكلمة وقعت بينهم.
“بتقلق.”
مصطفى حس إن الجو اتغير.
سليم ما ردش فورًا. عينيه فضلت ثابتة عليها. ريم نفسها اتفاجئت إنها قالتها. يمكن لأنها تعبانة. يمكن لأنها مش فايقة تحسب كلامها. يمكن لأن سليم الحديدي، رغم بروده، كان باين عليه فعلًا إنه مش عايز يسيبها تنزل لوحدها.
قال أخيرًا بصوت هادي: — أنا مش بقلق بسهولة.
ريم رفعت حاجبها: — مبروك.
— لكن لما دكتورة امتياز تنام في عربيتي بالغلط، وتطلع ضايعة مفتاحها، ورجلها مصابة، ومش عايزة تقول لحد… أظن القلق يبقى رد فعل طبيعي.
الجملة كانت منطقية.
وده ضايقها.
لأن ريم كانت بتكره لما حد يبقى معاه حق وهي مش عايزة تعترف.
فقالت بنبرة أخف: — هو حضرتك في اجتماعاتك كده برضه؟ بتغلب الناس بالمنطق لحد ما يسكتوا؟
— غالبًا.
— مؤذي.
— فعال.
ضحكت غصب عنها.
وسليم شاف ضحكتها.
كانت ضحكة صغيرة، مرهقة، طالعة من نص وجع وكسوف. لكن فيها حياة. حياة كتير.
وصلوا بعد حوالي ربع ساعة قدام عمارة قديمة نسبيًا في شارع جانبي متفرع من عباس العقاد. العمارة مش وحشة، بس باين عليها التعب. مدخلها ضيق، اللمبة اللي فوق الباب بتنور وتطفي، والشارع شبه فاضي.
ريم فتحت الباب بسرعة. — شكرًا جدًا. بجد.
وقبل ما تنزل، سليم قال: — هستنى لحد ما تدخلي.
بصتله. — مافيش داعي.
— فيه.
كانت هتجادله، لكن جسمها خانها. أول ما نزلت وحطت رجلها على الأرض، الألم ضرب كاحلها بقوة. اتماسكت في الباب بسرعة وهي بتكتم شهقة.
سليم نزل من الناحية التانية فورًا.
ريم اتخضت. — إنت نزلت ليه؟
— عشان واضح إن “هتصرف” قربت تنتهي بكسر.
مد إيده عشان يساعدها، لكنها اتراجعت خطوة. — أنا كويسة.
— كدابة.
بصتله بحدة. — حضرتك ماينفعش تقول لواحدة ما تعرفهاش كدابة.
— وينفع تكدبي على واحد ما تعرفيهوش؟
كانت هترد، لكن الألم خلا وشها يتغير. سليم ما استناش. قرب خطوة، من غير ما يلمسها فجأة، وقال: — اسندي على دراعي.
— لا.
— يا دكتورة.
— لا.
— ريم.
تجمدت.
اسمها منه كان مختلف.
هي ماقالتلوش اسمها… صح؟
بصتله باستغراب: — عرفت اسمي منين؟
سليم أشار بعينه للسماعة الطبية اللي متعلقة فيها بطاقة صغيرة مكتوب عليها: “Dr. Reem Abdelsalam – Intern”.
وشها احمر تاني. — آه.
— اسندي يا ريم.
المرة دي ماعرفتش تعترض.
مش عشان هو أمرها. لكن عشان نبرة صوته اتغيرت. بقت أهدى. أقرب. فيها شيء غريب يخلي المقاومة تبان مرهقة جدًا.
حطت إيدها بخفة على دراعه.
الدراع كان صلب تحت البدلة. ثابت. وهي فجأة حست بمدى تعب جسمها، كأن أول ما لقت حاجة تسند عليها، كل عضلاتها قررت تنهار.
سليم حس بثقلها الخفيف، لكنه ماعلقش.
وصلوا للمدخل. ريم خبطت على أوضة البواب.
مرة. اتنين. تلاتة.
مفيش رد.
خبطت أقوى.
صوت شخير ضعيف طلع من جوه.
ريم همست: — يا عم رجب… يا عم رجب افتح.
مفيش.
سليم بص للباب، وبعدين لها. — واضح إنه “غالبًا صاحي” فعلًا.
رغم الموقف، ريم ضحكت من غير نفس. — مش وقته شماتة.
— مش شماتة. توثيق.
حاولت تتصل بالبواب، لكن موبايلها كان فاصل. الشاشة المكسورة مطفية تمامًا.
رفعت الموبايل قدامه كأنها بتعلن الهزيمة. — الموبايل مات.
سليم مد إيده. — الرقم.
— رقم مين؟
— البواب.
— حافظاه؟ لأ طبعًا.
— حد من جيرانك؟
سكتت.
وشها قال إن مفيش.
سليم خد نفس بطيء. — عندك اختيارين.
— يا رب مايكونش فيهم إني أنام على السلم.
— ده اختيارك أنتِ غالبًا. أنا هقول الاختيارات العاقلة.
رفعت عينيها فيه بتحدي متعب. — اتفضل يا أستاذ عقل.
— يا إما نكسر الباب.
— نعم؟!
— يا إما تروحي مكان آمن لحد الصبح.
— أكسر باب شقتي؟ حضرتك طبيعي؟
— عندي ناس تصلحه قبل ما تصحي.
— لا طبعًا.
— يبقى الاختيار التاني.
ريم فهمت هو بيقول إيه قبل ما ينطق.
اتراجعت فورًا. — لا.
— أنا لسه ماقولتش.
— مش محتاج تقول.
— عندي جناح ضيافة في الفيلا. هتنامي كام ساعة، الصبح ترجعي تفتحي شقتك.
ريم بصتله كأنه قال أغرب حاجة في العالم. — أروح فيلا حضرتك؟
— آه.
— معاك؟
— ومع السواق، والخدم، والحراسة، وكاميرا مراقبة أكتر من مطار القاهرة.
— برضه لا.
سليم سكت.
هو كان متوقع الرفض. أي بنت عاقلة هترفض. بس الوضع ماكانش آمن. وهي واقفة قدامه بتتهز من التعب، ورجلها بتوجعها، وموبايلها فاصل، ومفيش حد بيرد.
قال بهدوء: — طيب. هحجزلك أوضة في فندق قريب.
— معيش بطاقة.
— مش محتاجاها.
— لا. مش هخلي حضرتك تدفعلي فندق.
— اعتبريها تعويض نفسي عن العربية الغلط.
— أنا اللي ركبتها!
— وأنا اللي سيبتك تنامي فيها.
الجملة خلتها تسكت.
لأن فيها اعتراف غريب.
كان ممكن ينزلها من الأول. كان ممكن يصحيها. كان ممكن يتعامل ببرود زي أي حد مكانه. لكنه ماعملش.
ريم بصتله في عينيه. — ليه؟
سليم فهم السؤال من غير شرح.
ليه سيبتني؟ ليه مهتم؟ ليه لسه واقف؟ ليه بتعرض تساعد واحدة غريبة؟
رد بعد لحظة: — معرفش.
وده كان أصدق جواب سمعته منه.
وأخطر جواب.
لأن سليم الحديدي، على ما يبدو، راجل ما بيحبش يقول “معرفش”.
الصمت طال.
وفجأة باب أوضة البواب اتفتح نص فتحة، وطلع عم رجب بجلابية مكركبة وعين نص مفتوحة. — مين؟ في إيه؟
ريم تنفست كأنها رجعت للحياة. — عم رجب! أنا ريم. مفتاحي ضاع. معاك نسخة؟
الراجل حك راسه وهو بيبص لسليم ومصطفى والعربية اللي واقفة قدام العمارة. عينه فتحت أكتر. — يا دكتورة… النسخة مع مراتك… أقصد مع مراتي… وهي عند أختها في شبرا.
ريم حست إن الأرض بتميد. — يعني مفيش نسخة؟
— لأ يا بنتي. أصل آخر مرة الكهربائي دخل خدها ورجعها لها.
سليم بص لها بنظرة معناها: “قلتلك.”
ريم بصتله بنظرة معناها: “اسكت.”
عم رجب قال: — تحبي أنده لك نجار؟
ريم بصت في الساعة اللي مش لابساها أصلًا، وبعدين للشارع الفاضي. — نجار الساعة اتنين ونص؟
— في واحد صاحبي بس بيشرب.
— لا شكرًا.
سليم تدخل بهدوء: — مفيش فندق قريب كويس؟
عم رجب بصله من فوق لتحت، ووشه اتغير لما عرف غالبًا إن ده مش أي حد. — فيه فندق في الطيران يا باشا، بس…
ريم قطعت كلامه: — لا فنادق.
سليم سألها: — ليه؟
ريم سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت أخفض: — عشان بكرة عندي شيفت تاني الساعة عشرة. ومفيش وقت لفنادق وإجراءات وفواتير ومواصلات. أنا ممكن أقعد على السلم ساعتين لحد ما مراته ترجع أو أي نجار يفتح.
سليم بص لها كأنها فقدت عقلها. — تقعدي على السلم؟
— آه.
— بعد واحد وتلاتين ساعة شغل؟
— أهو سلم العمارة بتاعتنا. مش غابة.
— لا.
كلمة واحدة.
قافلة.
ريم رفعت رأسها. — سليم بيه، أنا مقدرة مساعدتك، بس أنت مش مسؤول عني.
— عارف.
— يبقى—
— بس مش هسيبك على سلم.
النبرة ماكانتش عالية. لكنها كانت نهائية.
عم رجب وقف بينهم مش فاهم هو بيتفرج على إيه.
ريم حست إن طاقتها للجدال خلصت. حرفيًا خلصت. جسمها بيوجعها. دماغها بتزن. عينيها هتقفل وهي واقفة.
وفجأة العالم مال.
مش مجازًا.
ريم فعلاً اتمايلت.
سليم لحقها قبل ما تقع.
المرة دي مسكها من كتفها وخصرها بسرعة، وإحساس إن جسمها بقى خفيف في إيده خضه أكتر مما أظهر. وشها كان شاحب جدًا، وشفايفها فقدت لونها.
قال بحدة لمصطفى: — افتح العربية.
ريم حاولت تفتح عينيها. — أنا… كويسة…
— إنتِ هتسكتي خالص دلوقتي.
— ماينفعش تكلمني كده…
— ينفع لما تكوني على وشك الإغماء.
ساعدها تركب، وقعد هو جنبها. مصطفى اتحرك بسرعة.
ريم كانت حاسة بكل حاجة من ورا طبقة ضباب. صوت المطر. ريحة العطر. إيد سليم وهو بيقيس نبضها من معصمها بطريقة مش محترفة لكنها حذرة.
همست: — أنت بتعمل إيه؟
— بشوف لسه عايشة ولا لأ.
— دكتور بقى؟
— مستثمر في مستشفيات.
— مش نفس الحاجة.
— واضح.
كانت هتضحك، لكن الدوخة شدتها.
سليم قرب زجاجة مياه من إيدها. — اشربي.
شربت رشفات صغيرة.
بعد دقائق، بدأت ترجع لوعيها أكتر. لقت العربية ماشيه.
اتعدلت بسرعة. — إحنا رايحين فين؟
— الفيلا.
— لا!
— ريم.
— قولت لا.
— وأنتِ أغمي عليكِ تقريبًا.
— مغميش عليا.
— جسمك أعلن استقالته.
— جسمي درامي.
— وأنا مش فاضي أخد رأيه.
بصتله بغضب متعب: — أنت مستفز جدًا.
— وأنتِ عنيدة جدًا.
— دي حياتي.
— وحاليًا حياتك قاعدة في عربيتي للمرة التانية في نفس الليلة.
كانت هترد، لكن الجملة خلتها تضحك رغمًا عنها. ضحكت وهي حاطة إيدها على وشها.
ضحكة طويلة شوية. مرهقة. فيها دموع مستخبية.
وسليم سابها تضحك.
ماقاطعهاش.
لأن الضحكة دي كانت أقرب للانهيار من الفرح.
لما سكتت، قالت بصوت واطي: — أنا بجد مش متعودة حد يساعدني.
الجملة خرجت منها من غير ما تقصد.
سليم بص لها.
ريم كملت وهي باصة للإزاز: — مش بحب أحس إني تقيلة على حد. ولا بحب أدي فرصة لحد يقوللي بعدين “أنا عملتلك”. فبختار أتعب لوحدي أحسن.
سليم سكت ثواني.
وبعدين قال: — مش كل مساعدة دين.
ريم بصتله.
قال وهو باصص قدامه: — أحيانًا بتبقى… مجرد مساعدة.
— بتقولها كأنك بتحاول تقنع نفسك.
عينه اتحركت ناحيتها.
هي ابتسمت بخفوت. — آسفة. طبيعة شغل. بنشخص الناس غصب عننا.
— وشخصتيني بإيه؟
— حالة مزمنة من السيطرة، مع مضاعفات كتمان عاطفي.
مصطفى كتم ضحكته تاني، لكن المرة دي سليم سمعه. — ركز في السواقة يا مصطفى.
— حاضر يا باشا.
ريم ابتسمت.
وسليم، رغم نفسه، حس إن العربية بقت أدفى.
بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت بوابة حديد ضخمة في منطقة هادية. ريم بصت من الإزاز واتسعت عينيها.
الفيلا ماكانتوش مجرد فيلا.
كانت قصر صغير.
حديقة واسعة، إضاءة أرضية خافتة، أشجار عالية بتتحرك مع المطر، واجهة حجرية فخمة، شبابيك طويلة، وحراسة واقفة عند المدخل كأنها داخلة مبنى سيادي.
ريم قالت بصوت منخفض: — ده بيت ولا سفارة؟
سليم قال: — بيت.
— متأكد؟
— أحيانًا لأ.
قالها ببرود، لكنها التقطت المرارة اللي وراها.
العربية وقفت قدام المدخل. قبل ما ريم تفتح الباب، سليم نزل وفتحلها بنفسه.
هي بصتله باستغراب. — أنت بتفتح الباب للناس؟
— لا.
— طب ليه؟
— عشان لو وقعتي تاني هتبقى مشكلة ورقية.
— يعني مش ذوق؟
— ذوق برضه. بس أنا بحب أبرر الحاجات عمليًا.
ابتسمت وهي بتنزل بحذر.
أول ما دخلوا، الباب اتفتح من جوه، وظهرت سيدة في الخمسينات تقريبًا، ملامحها طيبة لكن عينيها ذكية جدًا.
— سليم بيه؟
عينها راحت فورًا على ريم بسكرابزها وشحوبها وشعرها المتلخبط.
سليم قال بهدوء: — مدام ناهد، الدكتورة ريم هتستريح في جناح الضيافة لحد الصبح. محتاجين أكل خفيف، شاي، وعلبة إسعافات لو سمحتي.
مدام ناهد ابتسمت فورًا لريم. — تحت أمرك يا بنتي. شكلك تعبانة أوي.
الجملة البسيطة دي خلت صدر ريم يوجعها.
“يا بنتي.”
كلمة عادية. بس بعد يوم طويل من الأوامر والنداءات والاستدعاءات والمرضى والصراخ… كانت الكلمة حنينة زيادة عن اللزوم.
ريم قالت بصوت متحشرج: — شكرًا.
سليم لاحظ تغير صوتها، لكنه ماعلقش.
مدام ناهد قادتها لجناح ضيافة في الدور الأرضي. غرفة واسعة جدًا، سرير كبير، ألوان هادية، حمام خاص، شباك على الحديقة. ريم وقفت عند الباب كأنها خايفة تدخل.
سليم وقف بعيد، محافظ على مسافة محترمة. — هتنامي هنا. الباب بيتقفل من جوه. محدش هيدخل عليكِ. الصبح مصطفى يوصلك.
ريم بصت للغرفة وبعدين له. — أنا مش عارفة أقول إيه.
— ماتقوليش حاجة.
— لازم أقول شكرًا على الأقل.
— قلتيها كتير.
سكتت لحظة. — أنا هردلك الفلوس لو في أي تكلفة.
وشه برد فورًا. — مفيش تكلفة.
— لا، أنا—
— ريم.
نبرة اسمه لها تاني وقفتها.
قال بهدوء: — نامي.
لأول مرة، ماردتش.
يمكن لأنها فعلًا ماعندهاش طاقة.
يمكن لأنها، رغم كل الخوف الطبيعي، حست إن المكان آمن بشكل غريب.
دخلت الغرفة، ومدام ناهد دخلت بعدها بصينية عليها شوربة سخنة وعيش محمص وشاي. سليم كان هيمشي، لكن ريم نادته بصوت ضعيف: — سليم بيه.
التفت.
— ليه ما سألتنيش أسئلة؟
— زي إيه؟
— ليه لوحدي. ليه مفيش حد أتصل بيه. ليه حالتي كده. أي حد مكانك كان هيبقى فضولي.
سليم بص لها طويلًا.
وبعدين قال: — عشان واضح إنك مش محتاجة تحقيق. محتاجة تنامي.
الكلمة سكتتها تمامًا.
وبعدها مشي.
ريم فضلت واقفة لحظة، سامعة خطواته بتبعد في الردهة الواسعة.
مدام ناهد حطت الصينية وقالت بحنان: — كلي لقمتين يا دكتورة. وشوفي رجلك دي.
ريم قعدت على طرف السرير. فجأة حست إنها لو حد قالها كلمة طيبة زيادة هتعيط.
فمسكت المعلقة بسرعة وأكلت.
الشوربة كانت دافية بشكل مؤلم.
كل رشفة كانت بتفك عقدة صغيرة جواها.
وبعد ما مدام ناهد خرجت، ريم دخلت الحمام غسلت وشها. بصت لنفسها في المراية.
عينين حمرا. وش شاحب. شعر منكوش. سكرابز عليه بقعة مطهر. وحياة كلها ماشية بالعافية.
همست لنفسها: — إنتِ إيه اللي جابك هنا يا ريم؟
بس جواب السؤال ماكانش عندها.
نامت بعد أقل من عشر دقايق.
نامت بعمق كأنها أول مرة تنام من سنين.
لكن في الدور العلوي…
سليم ما نامش.
كان واقف في مكتبه قدام الشباك، ماسك كوباية قهوة ما شربش منها، وبيبص للمطر على الحديقة.
مفروض الليلة دي كانت عادية.
اجتماع فاشل. مكالمة من فريدة. تهرب من عشاء عائلي سام. رجوع للبيت. شغل لحد الفجر.
لكن بنت لابسة سكرابز ركبت عربيته بالغلط… وقلبت ترتيب الليلة كلها.
والأغرب؟ إنه ماكانش متضايق.
الباب خبط.
دخلت مدام ناهد بهدوء. — نامت.
سليم هز راسه. — أكلت؟
— شوية. باين عليها كانت جعانة وتعبانة جدًا. رجلها وارمة. حطيتلها رباط خفيف.
سليم سأل بسرعة أكتر مما يحب: — الورم شديد؟
مدام ناهد خبّت ابتسامتها. — لا. بس محتاجة راحة.
— كويس.
مدام ناهد فضلت واقفة.
سليم بصلها. — في حاجة؟
قالت بهدوء: — أول مرة حضرتك تجيب حد هنا.
ملامحه اتصلبت. — هي حالة طارئة.
— طبعًا.
— مدام ناهد.
— حاضر، مش هتكلم.
لكن ابتسامتها كانت بتتكلم بدلها.
خرجت، وسليم رجع يبص للشباك.
“حالة طارئة.”
قالها لنفسه تاني.
لكن جواه كان عارف إن الموضوع أكبر من كده.
مش حب. مش إعجاب حتى. بس فضول.
فضول خطر.
لأن ريم عبدالسلام كانت النوع الوحيد من الناس اللي سليم مايعرفش يتعامل معاهم بسهولة.
ناس حقيقية زيادة عن اللزوم.
ناس لما تتعب، التعب يظهر. لما تضحك، الضحكة تطلع من القلب. لما تخاف، تعترف بطريقة ملتوية. ولما تتكسر، تفضل واقفة وتقول: “هتصرف.”
سليم كان طول عمره محاط بناس بتعرف تمثل.
هي ماكانتش بتمثل.
وده كان مرعب.
بعد ساعة تقريبًا، سليم نزل بهدوء للدور الأرضي. مش عارف ليه. أو عارف ومش عايز يعترف. وقف بعيد عن جناح الضيافة، بس سمع صوت خافت من جوه.
صوتها.
كانت بتتكلم وهي نايمة.
وقف مكانه.
الصوت كان متقطع: — لا… سيبوني… المريض محتاج إنعاش… بسرعة…
سليم قرب خطوة من الباب من غير ما يفتحه.
صوتها اتكسر: — أنا مش قادرة… والله مش قادرة…
الجملة ضربته في مكان غريب.
سليم الحديدي، اللي اتعود يسمع تهديدات ومفاوضات وابتزازات ووعود كاذبة، وقف قدام باب غرفة بنت غريبة… عاجز قدام جملة واحدة.
“والله مش قادرة.”
مد إيده كأنه هيفتح الباب، لكنه وقف.
لا.
مش من حقه.
رجع خطوة.
وبعدين قال بصوت منخفض، رغم إنها مش سامعاه: — نامي يا ريم. محدش هيطلب منك حاجة دلوقتي.
وفي نفس اللحظة، في مكان تاني تمامًا…
في فيلا قديمة على النيل، كانت فريدة الحديدي واقفة قدام مرآة طويلة، لابسة روب حرير نبيتي، وماسكة موبايلها بعصبية.
قدامها راجل كبير قاعد على كرسي متحرك، ملامحه قاسية رغم التعب، عينيه مليانة غضب.
قال بصوت مبحوح: — ماجاش؟
فريدة ضغطت على الموبايل. — كالعادة. سليم بيعمل اللي في دماغه.
الراجل الكبير، جلال الحديدي، شد على مسند الكرسي. — لازم ييجي. بكرة.
— هييجي غصب عنه.
— مش عايز أعذار. موضوع الجواز لازم يخلص.
فريدة ابتسمت ابتسامة باردة. — نادين جاهزة. وأهلها موافقين. وسليم مهما عمل، في الآخر هيختار مصلحة المجموعة.
جلال بص لها بنظرة حادة. — سليم مابيختارش غير نفسه.
فريدة قالت بثقة: — يبقى نكسر نفسه.
وفي تلك اللحظة بالذات، كان سليم واقف في قصره، قدام باب غرفة ريم، لا يعرف إن الليلة الغريبة دي… مش مجرد حادث بسيط.
دي كانت أول شرخ في الخطة اللي عيلته رسمتها له.
وأول مرة، من سنين طويلة، يدخل حياته شخص لم يكن جزءًا من الحسابات.
شخص نام في عربيته بالغلط.
لكنه سيصحو داخل قلبه… بقصد أو بغير قصد.
يتبع
