حكايات روماني _3
## حكايات روماني مكرم تقدم: الجزء الخامس من “رد القدر”
ساد صمت مرعب في المكتب بعد صرخة ليلى، صمت لم يقطعه إلا فلاشات الكاميرات التي كانت تسجل كل لحظة انهيار. كريم، الذي كان يظن نفسه سيد اللعبة، وجد نفسه أمام كارثة لم يتوقعها. رانيا كانت تقف ببرود مخيف، وكأنها أفرغت كل حقدها في رصاصة واحدة أصابت الجميع.
كريم هجم على رانيا وجذبها من ذراعها بقوة هزت كيانها:
“الولاد فين يا رانيا؟ قسماً بالله لو لمس شعرة منهم ما هيرحمك مني لا قانون ولا غيره!”
رانيا بضحكة هستيرية وهي تعدل شعرها أمام الكاميرات:
“اسأل ليلى الهانم.. مش هي اللي ليها أعداء في السوق؟ مش هي اللي سرقت ملفات وهددت بيها ناس؟ أنا ماليش دعوة.. أنا مجرد واحدة جاية تكشف الحقيقة للرأي العام.”
ليلى كانت في عالم آخر، كانت تجري نحو باب المكتب وهي تتعثر في ذيل فستانها، دموعها كانت تحرق وجهها وصوت جارتها لا يزال يتردد في أذنها كالجرس: “أخدوا العيال في عربية سودة”.
كريم ترك رانيا وأسرع خلف ليلى، أمسك بها قبل أن تخرج إلى المصعد:
“ليلى! استني! مش هتخرجي لوحدك.. أنا اللي هجيبهم.”
ليلى التفتت إليه بوجه شاحب كالمو*ت، وصرخت فيه بصوت لم يعرفه من قبل:
“ابعد عني! أنت السبب! أنت اللي دمرت حياتي مرتين! المرة الأولى لما طلقتني والمرة دي لما دخلتنا في صراعك مع رانيا! ولادي لو جرالهم حاجة يا كريم.. أنا هق*تلك وهق*تل نفسي!”
كريم لم يرد، بل سحب هاتفه وأجرى اتصالاً واحداً:
“اقفلوا مخارج القاهرة والإسكندرية حالاً.. أي عربية سودة موديل (….) م تخرجش. وبلغوا الرجالة يتحركوا على مخازن (فؤاد بيه).. حمايا العزيز.”
نظر لليلى وقال بنبرة قاطعة:
“رانيا متقدرش تعمل دي لوحدها.. أبوها هو اللي سندها. اطلعي معايا العربية، مش وقت حساب دلوقتي.”
في الطريق بين القاهرة والإسكندرية، كانت السيارة تنطلق بسرعة جنونية. ليلى كانت تحتضن هاتفها، تنتظر أي خبر، بينما كريم كان يتابع مع رجاله عبر اللاسلكي.
فجأة، وصلته رسالة. وجهه تغير تماماً.
“لقينا العربية.. مركونة على طريق الملاحة في إسكندرية.. وفاضية.”
ليلى انهارت تماماً: “يعني إيه فاضية؟ ولادي فين يا كريم؟”
كريم قبض على مقود السيارة حتى ابيضت مفاصيله: “دي حركة تمويه.. رانيا عايزة تجننا. بس هي نسيت حاجة مهمة.. (آدم) معاه ساعة أنا كنت لبستهاله في المكتب، الساعة دي فيها جهاز تتبع صغير كنت مجهزه عشان أراقب تحركاتهم لو فكرتي تهربي بيهم تاني.”
ليلى نظرت إليه بذهول: “كنت بتراقبنا؟”
كريم بأسى: “كنت بحمي (ملكي).. بس دلوقتي الساعة دي هي اللي هتنقذ حياتهم.”
فتح كريم شاشة التتبع على هاتفه. النقطة الحمراء كانت تتحرك ببطء في منطقة الملاحات القديمة، وهي منطقة نائية ومليئة بالمخازن المهجورة.
وصل كريم وليلى إلى الموقع. كان الظلام دامساً، والرياح المحملة برائحة الملح تلطم وجوههم. من بعيد، لمحوا ضوءاً خافتاً يخرج من فتحات مخزن قديم.
كريم همس لليلى: “خليكي هنا في العربية.. ومعاكي الس*لاح ده.”
ليلى سحبت يدها بقوة: “مش هقعد! دول ولادي!”
تسللا ببطء نحو المخزن. من الداخل، كان صوت بكاء لارا يقطع نياط القلب، وياسين يحاول أن يبدو شجاعاً وهو يصيح: “سيب أختي! أنا هقول لبابا!”
كان هناك رجلان ضخمان يقفان بجانب الأطفال، ورانيا كانت تقف بعيداً وهي تمسك بهاتفها وتتحدث بغل:
“أيوة يا بابا.. أنا عايزة ليلى تيجي وتشوفهم وهما بيتحركوا من هنا.. عايزة أحرق قلبها زي ما حرقت فرحتي.”
في تلك اللحظة، لم تنتظر ليلى أوامر كريم. اندفعت كالنمرة الجريحة وهي تصرخ: “ولاديييي!”
ارتبك الرجلان، واغتنم كريم الفرصة ليدخل بضربة قوية أسقطت أحدهما أرضاً. اشتبك كريم مع الرجل الثاني في عراك عنيف، بينما جرت ليلى نحو الأطفال واحتضنتهم وهي تغطيهم بجسدها.
رانيا صرخت: “أنت بتعمل إيه هنا يا كريم؟ ابعد عنها! دي دمرتنا!”
كريم وهو يثبت الرجل تحت قدمه، نظر لرانيا بنظرة جعلتها تتراجع للخلف من الرعب: “أنتي اللي دمرتي نفسك يا رانيا.. والنهاردة نهايتك.”
فجأة، سُمع صوت سرينة الشرطة تقترب من المكان. رانيا حاولت الهرب من الباب الخلفي، لكنها وجدت نفسها في مواجهة العشرات من رجال الأمن الذين طوقوا المكان بناءً على بلاغ كريم المسبق.
بعد ساعة، كانت ليلى تجلس في سيارة الإسعاف، تحتضن أطفالها الثلاثة الذين استسلموا للنوم من كثرة البكاء. كريم كان يقف بعيداً، يتحدث مع ضابط المباحث، وعيناه لا تفارق ليلى.
اقترب كريم من السيارة، ووقف أمام ليلى بكسرة لم تره بها من قبل.
كريم: “ليلى.. أنا.. أنا مكنتش متخيل إن الأمور توصل لكده. أنا آسف.”
ليلى نظرت إليه، ولم يكن في عينيها كره، بل كان هناك “خلاء” تام.
ليلى: “الأسف مش هيصلح اللي انكسر يا كريم. أنت أنقذتهم النهاردة، وده جميل هيفضل فوق راسي.. بس ده مش معناه إننا هنرجع. اللي حصل النهاردة أثبتلي إن وجودك في حياتنا (خطر).”
كريم بلهفة: “أوعدك هأمنكم.. القصر هيكون حصن..”
ليلى قاطعته بقوة: “أنا مش عايزة حصون.. أنا عايزة أمان. والأمان ضاع من يوم ما ورقة طلاقي وصلتني.”
فتحت ليلى باب السيارة وطلبت من السائق التحرك. كريم وقف وحيداً في وسط الصحراء، يشاهد أضواء السيارة وهي تبتعد، وفي يده “الفلاشة” التي سلمتها له ليلى قبل دقائق قائلة: “دي مابقتش تلزمني.. أنا عندي كنوز أغلى منها بكتير.”
لكن ليلى لم تكن تعلم، أن رانيا وهي تُساق للكلبشات، نظرت للكاميرا وقالت جملة واحدة هزت الرأي العام:
“اسألوا كريم عن (السر) اللي ليلى لسه متعرفوش.. اسألوه عن سبب الطلاق الحقيقي!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
## حكايات روماني مكرم تقدم: الجزء السادس من “رد القدر”
عادت ليلى إلى شقتها في سيدي جابر، لكنها لم تكن نفس المرأة التي غادرتها قبل ساعات. كانت تحتضن أطفالها وهم نائمون، وعقلها يدور في حلقة مفرغة حول جملة رانيا الأخيرة: **”سبب الطلاق الحقيقي”**.
طوال ثلاث سنوات، كانت ليلى تظن أن كريم طلقها لأنه ملّ منها، أو لأن رانيا سرقت قلبه، أو ربما لأنها تأخرت في الإنجاب (كما كان يظن وقتها). لكن نبرة رانيا كانت توحي بشيء أبشع.. شيء مخبأ في دهاليز عائلة السيوفي.
في الصباح، لم يطرق كريم الباب، بل وجدت رسالة تحت العتبة بخط يده:
*”ليلى.. رانيا مجنونة وبتحاول تسمم أفكارك. بلاش تسمعيلها. أنا هسافر القاهرة أخلص إجراءات ق*ضية الخ*طف، وهبعتلك حراسة تكون قدام البيت عشان أطمن عليكي.”*
لكن ليلى لم تعد تثق في كلماته. قامت واتصلت بصديقة قديمة كانت تعمل “سكرتيرة” لوالد كريم (السيوفي الكبير) قبل وفاته.
في كافيه هادئ يطل على بحر إسكندرية، جلست ليلى أمام “مديحة”.
مديحة بقلق: “يا ليلى، الموضوع ده قديم واندفن بم*وت السيوفي الكبير. ليه بتنبشي فيه دلوقتي؟”
ليلى بدموع محبوسة: “عشان ولادي يا مديحة. عشان كريم بيحاول يرجعني بوش الملاك، ورانيا بتقول إن فيه سر. قوليلي الحقيقة.. كريم طلقني ليه؟”
مديحة تنهدت وأخرجت من حقيبتها ورقة مطوية، تبدو كأنها تقرير طبي قديم:
“كريم مكنش عايز يطلقك يا ليلى. كريم كان بيم*وت فيكي. بس والده، الله يرحمه، اكتشف حاجة في أوراق عيلتك.. والدك الله يرحمه مكنش مجرد موظف بسيط في الشركة.”
ليلى بذهول: “يعني إيه؟”
مديحة: “والدك كان شريك بنسبة صغيرة، والسيوفي الكبير استولى على نصيبه بالتزوير. لما أنتي وكريم اتجوزتوا، السيوفي الكبير خاف إنك تعرفي الحقيقة وتطالبي بحقك في الورث.. فهدد كريم. قاله يا تطلقها وتختفي من حياتها، يا هسجن أبوها بتهمة اختلاس قديمة هو لفقها له.”
ليلى شعرت وكأن صخرة سقطت على رأسها: “يعني كريم طلقني عشان يحمي بابا من السجن؟”
مديحة: “مش بس كده.. التقرير الطبي ده يخص كريم. كريم وقتها عمل تحاليل ووالده زورها وقاله إنه (عقيم) ومبيخلفش، عشان يقنعه إن جوازه منك ملوش مستقبل ولازم ينهيه. كريم عاش سنين فاكر إنه مبيخلفش.. لحد ما شاف ولادك في القاعة.”
عادت ليلى للمنزل وهي تترنح. كانت الحقيقة مرة كالعلقم. كريم كان ضحية مثلها، لكنه اختار “الهروب” بدلاً من المواجهة. اختار أن يكسر قلبها ليحمي والدها، وعاش مخدوعاً بوهم العقم.
فجأة، وجدت كريم يقف أمام باب شقتها. كان يبدو عليه الإرهاق الشديد.
كريم: “ليلى.. أنا عرفت إنك قابلتي مديحة.”
ليلى نظرت إليه بنظرة ممزوجة بالشفقة والغضب: “ليه يا كريم؟ ليه مقلتليش؟ ليه سيبتني أفتكر إنك بعتني عشان واحدة تانية؟”
كريم بدموع حقيقية: “كنت هقولك إيه؟ إن أبويا حرامي؟ ولا إن أبوكي مهدد بالسجن بسببي؟ كنت فاكر إني بحميكي.. ولما صدقت إني مش هخلف، قلت بلاش أظلمك معايا وأربطك براجل عقيم وحياته مهددة. رانيا كانت (ستار) عشان تكرهيني وتنسيني بسرعة.”
خطا كريم خطوة نحوها: “أنا عرفت الحقيقة النهاردة بس لما واجهت المحامي القديم بتاع والدي. أنا مكنتش عقيم يا ليلى.. والدي هو اللي قت*ل فرحتنا.”
ليلى صرخت: “والدك مات يا كريم! بس الوجع لسه عايش! الثلاث سنين اللي عشتهم في فقر وتعب ودموع مين يعوضني عنهم؟ الثلاث سنين اللي ولادك كبروا فيهم وهما فاكرين إن أبوهم ميت.. مين يرجعهم؟”
كريم انحنى على ركبتيه أمامها، في مشهد لم يتخيله أحد لـ “كريم السيوفي”:
“أنا مش عايز تعويض.. أنا عايز غفران. اضربيني.. ادبحيني.. بس بلاش تحرميني من الساعتين اللي فاضلين في عمري وأنا شايفهم قدامي.”
في تلك اللحظة، فتح آدم باب الشقة، ونظر لكريم الواقف على ركبتيه. مشى الطفل ببطء ووضع يده الصغيرة على كتف كريم وقال ببراءة:
“أنت بتعيط ليه؟ مامي قالت إن الراجل مش بيعيط.”
كريم احتضن آدم وانفجر في بكاء هز أركان المكان. ليلى كانت تراقب المشهد، وقلبها يتصارع فيه حب قديم مع جرح لا يندمل.
لكن هدوء اللحظة انقطع برنين هاتف كريم. كان المتحدث هو مدير أمن شركته بصوت مذعور:
“كريم بيه! رانيا هربت وهي بتتنقل للمستشفى بعد ما ادعت الإعياء.. ومعاها ورقة بتقول إنها هتحرق (قلب ليلى) بجد المرة دي.. وهي دلوقتي متجهة لمدرسة الولاد!”
ليلى صرخت: “المدرسة! ياسين ولارا لسه هناك في حصة النشاط!”
انطلق كريم وليلى كالبرق، والقدر يجهز لهما صداماً أخيراً.. صداماً سيتحدد فيه من سيعيش ومن سيم*وت تحت رماد الماضي.للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم
#الكاتب_رومانى_مكرم
## حكايات روماني مكرم تقدم: الجزء السابع من “رد القدر”
كانت السيارة تطوي الأرض طويلاً، وكريم يتخطى السيارات بجنون، يده على المقود ويده الأخرى تقبض على يد ليلى التي كانت ترتعش كعصفور بلله المطر. صمتها كان صراخاً مكتوماً، وعيناها معلقتان بالطريق وكأنها تحاول سحب المدرسة نحوها بقوة إرادتها.
كريم بصوت يحاول طمأنتها: “هنوصل يا ليلى.. رانيا منتهية، هي بس بتحاول تخوفنا. الشرطة وراها في كل مكان.”
ليلى بمرارة: “اللي زي رانيا لما بيخسروا كل حاجة بيبقوا زي الوحوش الجريحة.. ميهمهمش يجرالهم إيه، المهم يحرقوا اللي حواليهم. ولادي يا كريم.. لو حصلهم حاجة مش هسامح نفسي ولا هسامحك.”
وصلوا إلى باب المدرسة، وكانت الأجواء هادئة بشكل مريب. نزل كريم وليلى وجريا نحو مكتب الأمن.
كريم بصراخ: “ياسين وكريم ولارا السيوفي فين؟”
موظف الأمن بذهول: “يا فندم لسه طالعين مع المس (ميرفت) عشان يركبوا الباص بتاع الرحلة الاختيارية للنادي.”
في تلك اللحظة، رن هاتف ليلى.. كان رقماً دولياً مخفياً.
أجابت بصوت يرتجف: “ألو؟”
جاءها صوت رانيا الضحوك، ضحكة مشروخة تسكنها الهزيمة والجنون:
“شايفاكي يا ليلى.. شايفة اللهفة في عينيكي. حلوة البدلة السودة على ولادك.. تليق جداً على (يوم الوداع).”
ليلى صرخت: “رانيا! خدي أي حاجة! خدي فلوس كريم.. خدي حياتي أنا.. بس سيبي العيال!”
رانيا: “فلوس كريم خلاص مابقتش تلزمني.. أنا ضيعت مستقبلي واسمي وأهلي عشان خاطر واحد طلع بيحب (خدامة) زيك. أنا دلوقتي واقفة فوق السطوح.. وبصي قدامك على الباص اللي بيتحرك.”
نظرت ليلى للأمام، رأت باص المدرسة يبدأ في التحرك ببطء نحو البوابة. وفي نفس اللحظة، لمحت رانيا تقف على سطح مبنى مواجه للمدرسة، وهي تمسك بجهاز تحكم صغير في يدها.
كريم خطف الهاتف من ليلى: “رانيا! أنتي عايزة إيه؟ أنا هتنازل عن كل القضايا.. هسفرك بره.. بس ارمي اللي في إيدك!”
رانيا بصرخة جنونية: “عايزاك تحس باللي حسيته لما دخلت ليلى القاعة وكسرتني قدام الدنيا! عايزة أشوفك وأنت بتدور على حتة من (آدم) وسط الركام!”
تحرك الباص ليصبح تماماً تحت المبنى الذي تقف فوقه رانيا. فجأة، ومن العدم، اندفعت سيارة دفع رباعي سوداء صدمت الباص من الجانب بقوة، مما أجبره على التوقف تماماً تحت “تندة” خشبية ضخمة.
كريم استغل انشغال رانيا بالمنظر، وجرى نحو المبنى بأقصى سرعة، بينما ليلى جرت نحو الباص وهي تصرخ بأسماء أطفالها.
على السطح، كان كريم قد وصل خلف رانيا تماماً. كانت تهم بالضغط على الزر، لكنه انقض عليها كالصقر.
اشتبك الاثنان في صراع عنيف. رانيا كانت تقاتل بشراسة من لا يملك شيئاً ليخسره، حاولت دفعه نحو الحافة وهي تصرخ: “هنم*وت كلنا يا كريم! مفيش حد هياخدك مني!”
في الأسفل، كانت ليلى قد وصلت لباب الباص الذي انحشرت ضلفته بسبب التصادم. بدأت تضرب الزجاج بيديها العاريتين حتى سالت منها الدماء. ياسين كان يبكي بالداخل ولارا تصرخ، بينما آدم كان يحدق في أمه بعينيه الرماديتين الهادئتين، وكأنه يمنحها القوة.
فجأة، انفتح الباب الخلفي للباص بقوة، وخرجت المشرفة وهي تحمل الأطفال واحداً تلو الآخر. احتضنتهم ليلى بجنون وهي تبتعد بهم عن الباص والمبنى.
في تلك اللحظة، سُمع صوت ارتطام قوي.. ثم صمت.
نظرت ليلى للخلف بذهول. رانيا كانت ملقاة على الأرض، غارقة في دمائها بعد أن اختل توازنها وسقطت من فوق السطح أثناء صراعها مع كريم. أما كريم، فكان يقف على الحافة، ينظر للأسفل بوجه شاحب، وعيناه معلقتان بليلى والأطفال.
نزل كريم من المبنى بخطوات ثقيلة، وجد ليلى جالسة على الرصيف، تضم الأطفال الثلاثة إلى صدرها وكأنها تريد إدخالهم في ضلعها.
اقترب منها، جثا على ركبتيه أمامها للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يقل شيئاً. مد يده المرتجفة ومسح الدم عن يد ليلى الجريحة.
ليلى نظرت إليه، وكانت الدموع تتساقط بغزارة: “خلصت يا كريم؟ الكابوس ده خلص؟”
كريم بمرارة: “رانيا ماتت يا ليلى.. وماتت معاها كل الأسرار. مفيش حد هيهددنا تاني.”
قام كريم وحمل لارا وياسين، بينما أمسكت ليلى بيد آدم. مشوا نحو السيارة في صمت، لكنه كان صمتاً مختلفاً.. صمت الناجين من إعصار.
بعد يومين، في قصر “السيوفي” بالمنصورة.. القصر الذي أصر كريم أن تعود إليه ليلى ليس كزوجة (حتى الآن)، بل كمالكة له بموجب العقود التي سجلها باسمها.
ليلى كانت تقف في الشرفة الكبيرة المطلة على الحديقة، حين جاء كريم ووقف بجانبها.
كريم: “الولاد ناموا.. آدم سأل عليكي قبل ما ينام.”
ليلى: “كريم.. أنا محتاجة وقت. مش قادرة أنسى إننا كنا بنموت بكرة، ولا قادرة أنسى الثلاث سنين اللي فاتوا.”
كريم: “خدي وقتك كله.. أنا مش مستعجل. يكفيني إني بقيت بنام وأنا عارف إنكم تحت سقف واحد معايا. أنا بدأت إجراءات استرداد حق والدك في الشركة، والاسم هينزل رسمي (مجموعة السيوفي وشريكه).”
ليلى ابتسمت بمرارة: “اسم بابا هيرجع.. بس هو مش موجود عشان يشوفه.”
كريم قبض على يدها برفق: “بس ولاده وأحفاده موجودين.. وده اللي يهمه.”
وفجأة، رن جرس الباب. دخل الخادم وهو يحمل صندوقاً خشبياً قديماً، مغلفاً بورق مهترئ.
الخادم: “يا كريم بيه.. الصندوق ده وصل من مكتب المحامي الخاص بوالدك.. وقال إن الوصية كانت بتقول يتفتح في حالة واحدة بس.. لو (ليلى) رجعت القصر.”
نظرت ليلى لكريم بوجل، وفتحا الصندوق معاً. كانت الصدمة الحقيقية تنتظرهما بالداخل.. أوراق وصور قديمة لم يكن يتخيلها بشر، ورسالة من السيوفي الكبير كتبها قبل وفاته بأيام، تعترف بـ (سر) أكبر من التزوير ومن الطلاق.. سر سيقلب موازين العائلة من جديد.
**يتبع في الجزء الثامن..**
#الكاتب_رومانى_مكرم

