حلم مؤجل الفصل الحادي عشر حكـايـات أسمـا السـيد حصري
لدفع فواتير علاج أخي التوأم… تظاهرت بأنني شاب حتى أحصل على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يخاف من لمس النساء، لكن في الليلة التي استعاد فيها أخي وعيه أخيرًا… كدنا نفقده مرة أخرى أمام أعيننا…
شهقتُ بصدمة عندما بدأت أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متسارعة ومخيفة.
بيب… بيب… بيب…
ثم فجأة أصبحت أبطأ.
أبطأ بشكل مرعب.
صرختُ بذعر:
ــ دكتور!
اندفع الطبيب نحو السرير بسرعة بينما تحولت ملامحه إلى توتر حاد.
قال بصرامة:
ــ الضغط بينزل بسرعة… أبعدوا لو سمحتوا!
شعرت وكأن الأرض تنهار تحتي.
ــ لا… لا! إحنا لسه رجعناه!
الممرضة دفعتني برفق نحو الباب بينما أمي تبكي بانهيار خلفي.
ــ من فضلكم اخرجوا حالًا!
أُغلق الباب أمامنا…وبقيتُ أحدق فيه بصدمة كاملة.
أنفاسي كانت متقطعة… وجسدي كله يرتجف.
قبل دقائق فقط… كان عمر ينظر إليّ..كان مستيقظًا.
عاد لي.فكيف يمكن أن أخسره مرة أخرى بهذه السرعة؟
شعرت بالدوار فجأة.لكن قبل أن أسقط… أمسكني سليم بسرعة بين ذراعيه.
قال بصوت منخفض ثابت رغم القلق الواضح بعينيه:
ــ بصيلي يا لينا… عمر قوي. هيرجعلك.
لكنني كنت أبكي بعنف.
ــ أنا تعبت… تعبت أوي يا سليم… كل ما أحس إن ربنا فرجها… يحصل حاجة تخوفني أكتر.
شدني إلى صدره أكثر.
ــ مش هتعدي لوحدك المرة دي.
أمي كانت جالسة على الكرسي تبكي وهي تردد الأدعية بصوت مرتجف.
أما أنا… فكنت أحدق في باب الغرفة المغلق وكأن حياتي كلها خلفه.
مرت الدقائق ببطء قاتل.
ثم أخيرًا…
فتح الباب.
وقف الطبيب أمامنا ووجهه متعب.
توقفت أنفاسي.
ــ الدكتور… عمر؟!
خلع نظارته ببطء ثم قال:
ــ قدرنا نثبت حالته.
انهارت أمي بالبكاء فورًا وهي تردد الحمد لله.
أما أنا… فشعرت بركبتي تضعفان تمامًا.
لكن الطبيب أكمل بجدية:
ــ اللي حصل كان خطير جدًا. واضح إن استجابته العصبية كانت أقوى من اللي جسمه يقدر يتحمله حاليًا.
سأله سليم فورًا:
ــ يعني إيه؟
أجاب الطبيب:
ــ واضح إنه كان بيحاول يستعيد وعيه بالكامل بسرعة… وده ضغط جسمه جدًا.
همستُ بخوف:
ــ بس هو فتح عينيه… وشافنا صح؟
ابتسم الطبيب أخيرًا ابتسامة خفيفة مطمئنة.
ــ أيوه. وده أهم تطور حصل من سنين.
شعرت بالدموع تمتلئ بعيني مجددًا.
ثم سمحوا لنا بالدخول إليه لدقائق قليلة.
دخلت الغرفة ببطء شديد.
كانت الأجهزة مستقرة الآن… وصوتها أكثر هدوءًا.
اقتربت من سرير عمر وأنا أكاد لا أصدق أنه ما زال هنا.
وجهه كان شاحبًا… لكنه بدا أكثر حياة من أي وقت مضى.
جلست بجواره وأمسكت يده بحذر.
همست بصوت مكسور:
ــ متخضنيش عليك تاني كده… أرجوك.
لثانية طويلة لم يحدث شيء.
ثم…
تحركت أصابعه ببطء شديد حول يدي.
شهقتُ فورًا.
ونظرت إلى وجهه بلهفة.
جفناه ارتعشا قليلًا… قبل أن يفتح عينيه نصف فتحة بصعوبة.
هذه المرة… كانت نظرته أوضح.
ضعيفة… مرهقة… لكنها واعية.
بدأت أبكي فورًا.
ــ عمر… أنا هنا.
تحركت شفتاه ببطء شديد.
ثم خرج صوته مبحوحًا بالكاد يُسمع:
ــ لي… نا…
توقفت أنفاسي تمامًا.
بكيت بانهيار وأنا أضحك في نفس الوقت.
ــ أيوه… أيوه أنا هنا!
أمي انهارت بالبكاء خلفي وهي تضع يدها فوق فمها.
حتى سليم… رأيت الدموع تلمع داخل عينيه لأول مرة.
حاول عمر أن يرفع يده قليلًا لكنه فشل.
اقتربت فورًا وساعدته.
نظر إلي بتعب شديد… ثم همس بصعوبة:
ــ إنتِ… بخير؟
ضحكتُ وسط دموعي بقوة.
بعد كل ما مر به… أول سؤال سأله كان عني.
همستُ وأنا أقبل يده:
ــ دلوقتي بقيت بخير.
لكن فجأة…
تغيرت نظرة عمر قليلًا.
بدأ يحدق خلفي مباشرة.
التفتُّ ببطء…
كان ينظر إلى سليم.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال عمر بصوت ضعيف متقطع:
ــ ده… مين؟
شعرتُ بالتوتر فورًا.
أما سليم… فتقدم بهدوء حتى وقف بجانبي.
ثم قال بابتسامة خفيفة:
ــ أنا الشخص اللي وقع في حب أختك وهي متنكرة بشنب مزيف….
رغم تعب عمر… ضحكة ضعيفة جدًا خرجت منه.
شهقت أمي: ــ يا نهار أبيض! الواد بيضحك!
ضحكتُ أنا أيضًا وسط دموعي بينما شعرت بقلبي يمتلئ بشيء دافئ لأول مرة منذ سنوات طويلة.
لكن قبل أن أتكلم…
قطّب عمر حاجبيه فجأة وهو يحدق في سليم بتركيز غريب.
ثم همس بصوت أضعف: ــ استنى…
تجمدتُ مكاني.
أما سليم فنظر إليه بهدوء: ــ في إيه؟
بلع عمر ريقه بصعوبة… ثم قال الجملة التي جعلت الدم ينسحب من وجهي بالكامل:
ــ أنا… أعرفه.
يتبع
