حلم مؤجل الفصل العاشر حكـايـات أسمـا السـيد حصري

في المساء، وبعد أن أغلقت أمي الباب خلف سليم، التفتت إليّ ببطء.

كانت الدموع ما تزال عالقة في عينيها، لكن القلق كان أوضح من أي شيء آخر.

قالت بصوت منخفض: لينا… في إيه بالظبط بينك وبين سليم بيه؟

خفضت عيني فورًا وشعرت بقلبي يتوتر: الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة يا ماما…

قاطعتني بهدوء حازم: أومال اشرحيلي.

أخذت نفسًا مرتجفًا قبل أن أقول: في الأول كنت بشتغل عنده بس علشان فلوس علاج عمر… كنت مستخبية ومرعوبة طول الوقت. لكن مع الأيام… كل حاجة اتغيرت.

ظلت تنظر إليّ بصمت.

ثم سألت ببطء: اتغيرت إزاي؟

شعرت بحرارة الدموع في عيني.

ــ بعد الليلة اللي عرف فيها حقيقتي… قربنا من بعض. وسليم… بقى يهتم بيا بجد.

عقدت أمي ذراعيها بقلق واضح.

ــ يا بنتي… الراجل ده غني جدًا. والرجالة اللي عندهم سلطة وفلوس يعرفوا يخلوا البنت تصدق أي حاجة.

رفعت رأسي بسرعة:

ــ سليم مش كده يا ماما.

ــ كل بنت بتقول نفس الكلام قبل ما تتوجع.

اقتربت منها فورًا وأمسكت يديها.

ــ والله يا ماما هو محترمني… وعمره ما طلب مني حاجة وحشة. دفع علاج عمر من غير مقابل. وقف جنبي وأنا مكنش معايا حد.

أغمضت أمي عينيها للحظة طويلة ثم همست:

ــ أنا خايفة عليكي بس… إنتِ اتوجعتي كفاية.

اختنق صوتي تمامًا.

ــ عارفة… بس وأنا معاه… لأول مرة من سنين بحس إني مش لوحدي.

درست وجهي طويلًا… كأنها تبحث عن شيء لا تراه إلا الأم.

ثم تنهدت أخيرًا وقالت بهدوء:

ــ إنتِ بتحبيه.

لم أستطع الإنكار.

همست ببساطة:

ــ آه.

سكتت أمي لحظة… ثم سألت بصوت أهدأ:

ــ وهو؟ بيحبك بجد؟

وقبل أن أجيب… جاء صوت سليم من خلفنا مباشرة:

ــ بكل اللي فيا يا طنط.

التفتنا نحن الاثنتين بصدمة.

كان واقفًا عند الباب وقد سمع كل شيء.

استقامت أمي بسرعة:

ــ يا سليم بيه…

اقترب بخطوات هادئة ثم قال باحترام:

ــ من فضلك… ناديني سليم بس. وآسف إني سمعت الكلام.

ظلت أمي تنظر إليه بحذر.

ثم قالت:

ــ لو بتحب بنتي فعلًا… ليه كل ده حصل من الأساس؟

اشتد فك سليم قليلًا قبل أن يجيب:

ــ لأني مكنتش عايز أوعدها بحاجة قبل ما أتأكد من نفسي… ومن مشاعري.

ــ ودلوقتي؟

سألته أمي مباشرة.

نظر إليها بثبات وقال دون تردد:

ــ دلوقتي متأكد.

ساد الصمت داخل الغرفة.

ثم فجأة… فعل سليم شيئًا لم أتخيله أبدًا.

انخفض على ركبة واحدة أمام أمي.

شهقتُ بصدمة كاملة.

حتى أمي اتسعت عيناها بعدم تصديق.

قال سليم بصوت هادئ صادق:

ــ أنا عارف إني لسه ما استحقش ثقتك… بس اديني فرصة أثبتلك إني هحافظ عليها.

ثم نظر نحوي للحظة وأكمل:

ــ لينا طول عمرها شايلة الدنيا كلها لوحدها… وأنا عايز أكون الشخص اللي يخفف عنها الحمل ده.

بدأت الدموع تنزل من عيني أمي فورًا.

وقالت وهي مرتبكة:

ــ قوم يا ابني… إيه اللي بتعمله ده؟ راجل غني زيك يركعلي في المستشفى!

وقف فورًا باحترام.

ثم أمسكت أمي يده وقالت وهي تبكي:

ــ لو جرحتها… فلوس الدنيا كلها مش هتنقذك مني.

ولأول مرة… رأيت سليم يضحك بوضوح حقيقي.

قال بابتسامة دافئة:

ــ مفهوم يا طنط.

ثم التفتت أمي إلي فجأة وقالت وهي تضحك وسط دموعها:

ــ يا بنتي… إنتِ استحملتي سنين متخفية في دور ولد… وفي الآخر لقيتي الحب هناك؟

شهقت بخجل:

ــ ماما!

ضحكت وسحبتني إلى حضنها بقوة.

وبعد لحظات… أخذت يدي ووضعتها داخل يد سليم.

وقالت بهدوء:

ــ خلو بالكم من بعض.

أحاطت أصابعه بيدي فورًا وهو يجيب بثقة:

ــ حاضر.

وفي تلك الليلة… عدنا إلى القصر معًا.

وعندما دخلنا المطبخ، فاجأني سليم وهو يخلع سترته ويقول:

ــ الليلة أنا اللي هطبخ.

ضحكت بصدمة:

ــ إنت بتعرف تطبخ أصلًا؟

رفع حاجبه بتكبر مصطنع:

ــ طبعًا… إنتِ فاكراني رجل أعمال بس؟

ولأول مرة منذ سنوات طويلة… ضحكت من قلبي فعلًا.

وفي صباح اليوم التالي…

استيقظت على ضوء الشمس المتسلل من الستائر.

وقفت أمام خزانة الملابس مترددة… ثم أمسكت فستانًا ناعمًا كان سليم قد اشتراه لي من أيام.

ارتديته ببطء… وصففت شعري المستعار بعناية.

وعندما نظرت إلى نفسي في المرآة… شعرت بشيء غريب.

لأول مرة منذ زمن طويل… لم أعد أرى “عمر”.

كنت أرى لينا فقط.

نزلت إلى الأسفل بتوتر خفيف.

كان سليم يجلس في غرفة المعيشة يقرأ الجريدة.

رفع عينيه نحوي بلا اهتمام في البداية… ثم تجمد تمامًا.

انخفضت الجريدة ببطء من يده.

وعيناه بقيتا معلقتين بي.

توقفت مرتبكة في منتصف الغرفة.

ــ في حاجة؟

نهض دون أن يجيب.

ثم اقترب مني ببطء شديد… كأن شيئًا يجذبه نحوي رغماً عنه.

وعندما توقف أمامي مباشرة… خفتت نظراته بطريقة أربكتني تمامًا.

ثم قال بصوت منخفض:

ــ إنتِ ظالمة جدًا يا لينا.

رمشت بارتباك:

ــ نعم؟

ابتسم بخفة وهو يتأمل الفستان.

ــ إزاي مفروض أفكر بعقل وأنا شايفك كده؟

اشتعل وجهي بالكامل خجلًا.

أمسك يدي برفق… ثم أدارني دورة صغيرة وهو يتأملني بإعجاب صريح.

همس بعدها:

ــ إنتِ جميلة.

خرج صوتي ضعيفًا:

ــ شكرًا…

اقترب أكثر… حتى شعرت بأنفاسه قرب وجهي.

ثم قال بنبرة جعلت قلبي يذوب:

ــ لا… أنا اللي المفروض أشكرك.

لأنك أخيرًا سمحتِلي أشوف حقيقتك.

تسارعت أنفاسي فورًا.

لكن قبل أن أقول أي شيء…

انفتح باب القصر بعنف فجأة.

وجاء صوت فيكتور الصاخب:

ــ سليم! مش هتصدق حصل إيه فـ—

ثم توقف فجأة.

نظر إلي.ثم إلى سليم.

ثم عاد ينظر إليّ مرة أخرى.

وأشار نحوي بصدمة درامية:

ــ ليو؟!

انفجرتُ ضاحكة فورًا.

أما سليم فطوى ذراعيه ببرود مستمتع.

تراجع فيكتور للخلف وسقط فوق الأريكة وهو يضع يده على قلبه.

ــ لا… لا مستحيل… حد يشرحلي حالًا!

قال سليم بهدوء قاتل:

ــ دي لينا.

رمش فيكتور بسرعة عدة مرات.

ــ الشيف؟!

ــ آه.

وضع يده فوق صدره بتأثر مصطنع:

ــ أنا اتخدعت.

ابتسم سليم أخيرًا.

أما فيكتور فنظر له باتهام وقال:

ــ كنت عارف؟

ــ من فترة.

ــ ومقولتليش؟!

رفع سليم حاجبه ببرود:

ــ كنت مستمتع وأنا بتفرج عليك بتحرج نفسك.

شهق فيكتور بخيانة درامية.

ثم نظر إلي مجددًا وهز رأسه:

ــ دلوقتي فهمت ليه سيادة الباشا بقى بيبتسم زي الأهبل اليومين دول.

اشتد فك سليم فورًا:

ــ فيكتور.

رفع الرجل يديه باستسلام:

ــ خلاص خلاص… أنا همشي قبل ما الرومانسية تخنقني هنا.

ثم التفت قبل أن يخرج وقال بمكر:

ــ بالمناسبة… إمتى هتأكلوني تورتة الفرح؟

ــ فيكتور!

صرخت أنا وسليم معًا.

ضحك بصوت عالٍ وهرب خارج القصر.

أغلق الباب أخيرًا… وعاد الصمت.

نظر إلي سليم مجددًا.

ثم انخفضت عيناه نحو الفستان قبل أن يعودتا إلى وجهي.

وقال وهو يقترب:

ــ على فكرة… فيكتور قاطعني.

ارتبك قلبي فورًا.

ــ كنت هتقول إيه؟

رفع يده وأبعد خصلة شعر خلف أذني برفق شديد.

ثم همس:

ــ كنت بتأمل مراتي في هدوء.

قفز قلبي بعنف.

لكن في اللحظة التالية… بدأ هاتفي يرن.

كانت أمي.

رددت بسرعة:

ــ أيوه يا ماما؟

جاء صوتها المرتجف من البكاء:

ــ لينا! تعالي المستشفى بسرعة… عمر حرك صباعه!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *