حالة طواريء حكـايـات أسمـا ×5 والأخير
أدهم دخل العناية المركزة وهو شايل نجوى بين إيديه كأنها أخف من الهوا، رغم إن التعب كان ظاهر على جسمه كله. الممرضات جريت ناحيته، لكن أول ما شافوا وشه فهموا إن الوضع أخطر من أي كلام.
حطها على السرير برفق شديد. كأنه خايف الوجع يزيد لو لمسها بقوة.
الأجهزة اتوصلت بسرعة. النبض كان مضطرب. والتنفس أضعف من الطبيعي.
سارة قربت بخوف: — الضغط بينزل يا دكتور…
أدهم بلع ريقه بصعوبة. وعينيه ما سابتش وش نجوى.
كانت مرهقة بشكل عمره ما شافه عليها قبل كده. الست اللي كانت دايمًا ثابتة… بقت باينة وكأن روحها نفسها تعبت.
قال بسرعة: — جهزوا محاليل… واطلبوا استشاري القلب حالًا.
لكن نجوى فتحت عينها بالعافية وهمست: — المصابين برا…
قرب منها فورًا: — سيبك منهم دلوقتي.
ابتسمت بتعب: — ماعرفش.
الجملة طلعت ضعيفة لكنها كسرت قلبه.
لأنها كانت حقيقية.
هي فعلًا ماكنتش تعرف تبطل تنقذ الناس حتى وهي بتموت.
يوسف دخل العناية بعد دقائق وهو بيعرج بسرعة. أول ما شافها بالشكل ده… وشه وقع.
— يا ساتر يا رب…
أدهم قال بعصبية متوترة: — الضغط مش مستقر.
يوسف قرب من السرير ببطء. بص لنجوى بحزن واضح. ثم قال: — فاكرة لما قولتلك ترتاحي؟
نجوى ضحكت بخفة بالكاد اتسمعت: — وإنت فاكر نفسك كنت بتسمع الكلام؟
حتى وهو مرعوب عليها… يوسف ابتسم.
المكان كله كان مشحون بخوف ثقيل. لكن برا العناية… الناس بدأت تتجمع.
الممرضات. عمال الأمن. المسعفين. حتى أهالي المرضى.
كلهم واقفين يسألوا: — مدام نجوى عاملة إيه؟
سارة خرجت مرة ترد عليهم. فاتفاجئت بطفل صغير واقف ماسك رسمة.
حمزة.
كان خارج من العمليات ولسه متوصل بمحاليل.
قال بخوف: — هي كويسة؟
سارة ماعرفتش ترد.
الولد قرب من باب العناية وقال بصوت مرتعش: — هي وعدتني إنها هتستنى لما أصحى.
الجملة خلت سارة تعيط فورًا.
أما جوه… فأدهم كان بيحارب.
استشاري القلب وصل أخيرًا. راجع التحاليل بسرعة. ثم بص لأدهم بنظرة فهمها فورًا.
نظرة الدكاترة لما يبقوا عارفين الحقيقة… بس مش عارفين يقولوها.
قال بصوت منخفض: — عضلة القلب مرهقة جدًا… وأي ضغط جديد ممكن يوقفها.
أدهم حس الأرض بتميد بيه.
سأل بعناد: — نعمل إيه؟
الاستشاري سكت ثواني. ثم قال: — نصلي.
الكلمة نزلت عليه كالرصاصة.
لأول مرة في حياته الطبية… يحس إنه عاجز بالكامل.
قعد جنب سريرها. بص لإيديها الضعيفة. وافتكر أول مرة شافها فيها.
ست هادية. متهانة. الكل بيضحك عليها.
وكان ممكن جدًا… لو يوسف ما فتحش عينه… تفضل مجرد “الكركوبة” في نظرهم.
الفكرة خنقته.
وفجأة نجوى همست: — أدهم.
رفع عينه بسرعة.
كانت بصاله بهدوء غريب. الهدوء اللي بيخوف أكتر من الصراخ.
— ماتخافش.
اتكسرت جواه حاجة.
قال بصوت مخنوق: — حضرتك طول عمرك بتقولي للناس ماتخافوش… طب مين اللي يطمنك إنتي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا. وقالت: — وجودكم.
الدموع نزلت من عينه غصب عنه.
حاول يبعد وشه بسرعة. لكنها مدت إيدها ولمست خده.
— إنت بقيت طيب يا أدهم… حافظ على ده.
الجملة وجعته بشكل لا يوصف.
لأنه حس إنها بتودعه.
قال بعناد طفل صغير: — لا… إنتي هتخفي وتزعقيلي تاني.
ضحكت بخفوت. ثم قالت: — غالبًا هزعقلك فعلًا… بس من مكان تاني.
— بس بقى!
الصوت خرج حاد ومكسور.
العناية كلها سكتت.
أدهم قام فجأة ولف ضهره. مش قادر يشوفها وهي بتتكلم بالطريقة دي.
يوسف قرب منه وحط إيده على كتفه. لكن أدهم لأول مرة في حياته… انهار.
قال بصوت مهزوز: — مش قادر أخسرها.
يوسف بلع ريقه بصعوبة. وعينه لمعت بالدموع.
— وأنا كمان.
الصمت بينهم كان موجع.
ثم فجأة… جهاز القلب طلع صوت طويل متقطع.
أدهم لف بسرعة.
النبض بدأ يختفي.
— نجوى!
الدنيا اتقلبت في ثانية.
الممرضات جريت. الاستشاري صرخ بالأوامر. وأدهم بدأ الإنعاش فورًا.
لكن المرة دي… كان مختلف.
إيده كانت بتترعش.
الخوف معميه.
كل ثانية كان بيشوف فيها أمه. ويوسف. وحمزة. وكل الناس اللي نجوى أنقذتهم.
شحنة كهربا.
جسمها انتفض.
مفيش استجابة.
شحنة تانية.
العرق غرق وشه.
سارة بدأت تعيط وهي بتراقب الشاشة.
يوسف سند نفسه على الحيطة كأنه هيقع.
أدهم صرخ: — ارجعيلي!
كلمة خرجت من قلبه مباشرة.
مش من دكتور. من ابن. من إنسان أخيرًا اتعلم يحب.
وفجأة…
بيب…
خط صغير ظهر على الشاشة.
النبض رجع ضعيف جدًا.
الكل خد نفسه مرة واحدة.
أدهم حرفيًا رجله ما شالتوش. قعد على الأرض جنب السرير وهو بيضحك وبيعيط في نفس الوقت.
نجوى فتحت عينها بالعافية. بصتله. وهمست: — شكلك أسوأ من أول يوم شوفتك فيه.
ضحك وسط دموعه: — وأنا أول يوم شوفتك كنت غبي.
هزت راسها بخفة: — لأ… كنت موجوع بس.
الكلمة دخلت قلبه مباشرة.
بعد الليلة دي… المستشفى كلها بقت عايشة على أعصابها.
نجوى استقرت. لكن حالتها كانت حساسة جدًا.
أدهم تقريبًا ماكانش بيسيبها. حتى لما يخرج يشوف المرضى… يرجع يجري يطمن عليها.
وفي يوم… دخل لقاها بتكتب حاجة في كراسة صغيرة.
قال: — إيه ده؟
قفلتها بسرعة: — فضولك وحش.
قعد جنبها: — وصية؟
ضحكت: — لا… شوية حكايات.
رفع حاجبه: — حكايات؟
— عن المرضى اللي قابلتهم… الناس اللي خافوا وقاموا تاني… الجنود… الأطفال… كل حد علمني حاجة.
سكتت لحظة. ثم قالت: — أصل الإنسان لما يقرب يمشي… بيخاف تتنسى حكايته.
أدهم حس قلبه وجعه.
قال بهدوء: — محدش هينساكي.
بصتله مباشرة. وفي عينيها صدق متعب: — الوعد الحقيقي مش إنك تفتكر اسمي… الوعد إنك تكمل الرحمة اللي بدأت.
الكلام فضل يرن في ودنه ساعات.
وفي الليلة دي… رجع بيته لأول مرة من أيام.
دخل الشقة. قعد ساكت في الضلمة. ثم فجأة بص لصورة أمه القديمة.
قرب منها ببطء.
وقال لأول مرة من سنين: — أنا آسف إني فضلت غاضب كل ده.
الدموع نزلت بدون مقاومة.
فهم أخيرًا إن القسوة اللي عاش بيها… ما رجعتش أمه. بس خسرته نفسه.
تاني يوم الصبح… رجع المستشفى بدري.
لكنه أول ما دخل الدور الرابع… حس إن فيه حاجة غلط.
الهدوء كان مرعب.
سارة كانت واقفة برا أوضة نجوى ووشها أبيض.
قلبه وقع.
جري عليها: — في إيه؟
سارة بصتله بعين مليانة دموع: — هي… مش راضية تصحى.
أدهم دخل بسرعة.
نجوى كانت نايمة بهدوء غريب. هادية زيادة عن اللزوم.
الأجهزة شغالة. النبض موجود. لكنها غايبة.
قرب منها بسرعة: — مدام نجوى؟
مفيش رد.
مسك إيدها. ساقعة.
يوسف وصل بعدها بدقائق. ولما فهم الوضع… سكت تمامًا.
أيام كاملة عدت وهي بين الوعي والغيبوبة.
لكن الغريب… إن المستشفى كلها بقت تتحرك حواليها كأنها قلب المكان.
الممرضات كانوا يدخلوا يقروا قرآن. الأطفال يسيبوا رسومات. الجنود ييجوا بالزي العسكري يسلموا عليها حتى وهي نايمة.
وحمزة… كان ييجي كل يوم بعد العلاج ويقعد جنبها يحكيلها يومه.
مرة قال وهو ماسك إيدها: — أنا بطلت أخاف من العمليات علشان إنتي قولتيلي الأبطال بيكملوا.
أدهم خرج وقتها برا الأوضة وعيط فعلًا.
لأن الست دي… حتى وهي غايبة… لسه بتشفي الناس.
وفي فجر يوم هادي جدًا…
أدهم كان نايم على الكرسي جنبها. وفجأة حس بحركة خفيفة.
فتح عينه بسرعة.
لقاها بصاله.
واعية.
ابتسمت بتعب شديد: — نمت في الشغل يا دكتور؟
حس الفرحة ضربته بعنف. قرب منها بسرعة: — إنتي رجعتي!
همست: — شكلك اتعلقت بيا أوي.
ضحك وهو بيمسح دموعه: — للأسف.
بصتله طويلًا. ثم قالت: — ساعدني أقعد.
ساعدها بحذر.
بصت من شباك الأوضة للشمس اللي بدأت تطلع. والنور البرتقالي نازل على وشها المتعب.
ثم قالت بهدوء: — جميل الصبح… صح؟
أدهم حس خوف غريب. الناس اللي بتتكلم بهدوء قوي كده… بيبقوا قريبين من النهاية.
قال بسرعة: — هتخرجي قريب وتتعبي المستشفى كلها تاني.
ابتسمت. لكنها ما ردتش.
ثم فجأة قالت: — افتح الدرج.
فتح الدرج الجانبي.
طلع منه وسام الجمهورية.
اتصدم: — ده…
— رجعلي من سنة… أهل العسكري اللي ساعدتهم اشتروا نسخة ورجعوهولي.
ناولته له.
— عايزاك تحتفظ بيه.
قال فورًا: — مستحيل.
— أدهم.
بصلها.
قالت بصوت ضعيف لكنه ثابت: — الحرب علمتني إن الأبطال الحقيقيين مش اللي بيعلقوا النياشين… الأبطال اللي بيحموا البشر وهم مرعوبين.
ثم ابتسمت بخفة: — وإنت بقيت واحد منهم.
دموعه نزلت تاني.
ركع جنب السرير. ومسك إيدها.
— إنتي السبب.
نجوى بصتله بحنان أم حقيقي. وهمست: — لا يا ابني… الخير كان جواك من الأول… بس كنت محتاج حد يفك الخوف اللي مغطيه.
الجملة كسرت آخر حتة قسوة جواه.
وفجأة… الأجهزة بدأت تبطأ.
أدهم اتعدل فورًا: — نجوى؟
لكنها كانت لسه مبتسمة.
بصت ناحية الباب. ولقت يوسف واقف وسارة وراها. وحتى حمزة كان واقف بعكازه الصغير.
نجوى بصتلهم كلهم. كأنها بتودع عيلتها.
ثم همست: — اهو… مبقتش لوحدي.
وفي اللحظة دي…
النبض وقف.
الصوت الطويل ملأ الأوضة.
سارة شهقت وانهارت في البكا. يوسف غمض عينه بعنف والدموع نزلت على وشه. وحمزة بدأ يصرخ: — لا!
أما أدهم…
ففضل ماسك إيدها.
ساكت.
مصدوم.
كأنه عقله رافض يصدق.
الدنيا كلها كانت ساكنة. والشمس لسه داخلة من الشباك على وشها الهادي.
ثم ببطء شديد… أدهم رفع إيديه المرتعشة.
وأدى لها تحية عسكرية كاملة.
يوسف عمل نفس الحركة فورًا. ثم سارة. ثم كل اللي في الأوضة.
وخلال دقائق… الخبر انتشر في المستشفى كلها.
والحاجة اللي حصلت بعدها… محدش نسيها طول عمره.
كل العاملين في المستشفى… من أكبر دكتور لأصغر عامل نظافة… وقفوا صفين طويلين في الممر الرئيسي.
وفي النص… خرج سرير نجوى سالم ملفوف بعلم مصر.
والناس كلها واقفة تؤدي التحية.
بعضهم بيعيط. بعضهم بيقرأ قرآن. وبعضهم ساكت تمامًا لأن الحزن أكبر من الكلام.
حمزة جري جنب السرير الصغير. وحط الرسمة بتاعته فوق العلم.
الرسمة اللي مكتوب عليها: “تيتا نجوى بتحارب الوحوش.”
يوسف مشي وراها بالزي العسكري الرسمي. وعينه ثابتة قدام. لكن دموعه ماوقفتش.
أما أدهم… فكان ماشي في آخر الصف.
شايل صندوقها الخشبي القديم.
جواه صور كريم. والخطابات. والساعة المكسورة. والحكايات اللي كتبتها.
وفجأة فهم.
نجوى ما ماتتش منسية أبدًا.
الست اللي كانت خايفة تختفي… بقت محفورة في قلوب مستشفى كاملة.
بعد شهور…
قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية بقت أكبر مركز تدريب إنساني في المستشفى.
وفي أول يوم لكل دفعة جديدة… كان أدهم يقف قدامهم ويقول:
— الطب مش شطارة بس… الطب إنك تعرف تمسك إيد إنسان مرعوب وتخليه يحس إنه مش لوحده.
ثم يشاور على صورة نجوى المعلقة على الحيطة.
ويقول: — الست دي علمتني إن الرحمة ممكن تنقذ ناس أكتر من أي دواء.
وفي آخر كل محاضرة…
كان يرفع إيده بتحية عسكرية كاملة.
وكل الموجودين يقلدوه.
علشان يفضل اسم نجوى سالم… عايش للأبد.
تمت

