لبن صناعي حكـايـات أسمـا ×3
بعد الليلة دي… البيت كله اتغير.
مش بسبب الخناقات.
ولا بسبب القضية.
لكن بسبب الصمت.
الصمت اللي بقى مالي الفيلا كلها بعد ما كل الأقنعة وقعت.
حماتي بطلت تبصلي من فوق لتحت. بقت تتجنبني أصلًا. أول ما أدخل مكان تقوم منه. وأوقات كتير كنت ألمحها وهي قاعدة لوحدها في الجنينة، باصة للفراغ كأنها مش مستوعبة إزاي كل حاجة اتقلبت بالسرعة دي.
أما سليم…
فبقى شخص تاني.
مش فجأة.
ومش بشكل درامي.
لكن بالتدريج… كأنه بيصحى من حاجة كان عايش جواها طول عمره.
بقى يصحى بالليل أول ما حسام يعيط.
هو اللي يجيبله الرضعة.
هو اللي يشيله ويتمشى بيه في الطرقة لما يتعب.
وفي مرة صحيت الفجر لقيته نايم على الكنبة الصغيرة جنب سرير البيبي، ورقبته مائلة بشكل وجعه أكيد، لكن إيده متمسكة بطرف بطانية حسام كأنه خايف يسيبه.
وقفت أبصله وقت طويل.
وجعني.
لأن ده كان الراجل اللي كنت بحلم بيه من البداية.
بس ظهر بعد ما اتكسرت.
بعد أسبوعين…
الجدة سافرت فعلًا.
وقبل ما تمشي طلبت تشوفني لوحدي.
دخلت أوضتها لقيتها قاعدة قدام الشنطة المفتوحة.
أول ما شافتني ابتسمت وقالت: — تعالي يا ريم.
قعدت جنبها.
مسكت إيدي وقالت: — أوعي تفتكري إن القوة معناها القسوة.
بصيتلها باستغراب.
قالت: — إنتِ قوية… وأنا فخورة بيكي. بس خلي بالك… الوجع ساعات بيحولنا لنسخة شبه الناس اللي كسرتنا.
الكلام لمسني بشكل غريب.
لأني فعلًا… بقيت باردة.
باردة أوي.
قالت وهي تربت على إيدي: — سامحي لو تقدري… وسيبي لو لازم تسيبي. بس ماتعيشيش بكره جوا قلبك علشان مايحرقكيش.
حضنتني قبل ما تمشي.
وأنا لأول مرة من سنين… حسيت إني اتحضنت بجد.
بعد سفرها بأيام…
المحكمة حددت أول جلسة.
وسليم طلب يقابلني قبلها.
وافقت… علشان حسام.
قابلته في كافيه هادي في الزمالك.
دخل لابس قميص بسيط لأول مرة من غير بدلته المعتادة.
وكان باين عليه الإرهاق بشكل صريح.
قعد قدامي وسكت شوية.
وبعدين قال: — أنا هتنازل عن كل حاجة.
عقدت حواجبي: — إيه؟
طلع ورق من الشنطة وحطه قدامي.
— الفيلا… الأسهم اللي باسمي… العربية… كل حاجة ليكي ولحسام.
بصيتله بصدمة: — ليه؟
ضحك ضحكة صغيرة كلها وجع: — علشان لأول مرة أفهم إن الفلوس عمرها ما كانت هتخليني راجل.
سكت ثانية وبعدين كمل: — أنا شوفت ابني بيموت من البرد يا ريم… ومش قادر أنسى شكلك وإنتِ حضناه وبتترعشي.
عيني دمعت غصب عني.
لكن فضلت ساكتة.
قال: — أنا مش بطلب ترجعيلي… يمكن ماستحقكيش أصلًا. بس بطلب فرصة أصلح اللي أقدر عليه.
ولأول مرة…
حسيت إنه صادق.
مش علشان كلامه.
علشان الانكسار اللي في عينه.
الانكسار اللي ماينفعش يتمثل.
يوم الجلسة…
حماتي دخلت المحكمة وهي منهارة.
واضح إن الموضوع خرج من إيديها بالكامل.
لكن المفاجأة حصلت لما القاضي سألني إذا كنت مصرة على القضية.
قبل ما أتكلم…
سليم وقف.
وقال: — أنا أعترف بكل حاجة.
المحكمة كلها سكتت.
حتى المحامي بتاعه بصله بصدمة.
وسليم كمل: — وأنا مستعد أتحمل أي نتيجة… بس أمي مالهاش دعوة.
حماتي بصتله بدهشة: — سليم…
لكنه ما بصش ناحيتها حتى.
وقال للقاضي: — أنا اللي طردتهم. وأنا اللي فشلت كزوج وأب.
قلبي اتخبط بعنف.
لأن أسهل حاجة كانت إنه يكذب.
أو يرمي اللوم على أمه.
لكنه لأول مرة… شال نتيجة أفعاله.
بعد الجلسة، القضية اتحولت للصلح بسبب تنازلي عن الشق الجنائي مقابل حقوقي الكاملة أنا وحسام.
ناس كتير استغربت.
حتى المحامية سألتني: — بعد كل اللي عملوه؟
بس الحقيقة؟
أنا ماكنتش بتنازل علشانه.
كنت بتنازل علشان نفسي.
لأني تعبت من الكره.
بعدها بشهر…
نقلت للشقة الجديدة في المعادي.
شقة واسعة، هادية، وشمسها داخلة طول النهار.
أول ليلة هناك، نمت أنا وحسام على مرتبة على الأرض لأن العفش لسه ماوصلش.
لكن رغم كده…
كانت أول ليلة أحس فيها بالأمان من شهور.
ومن غير ما أحس… بدأت أرجع لنفسي القديمة.
رجعت أشتغل تدريجيًا.
رجعت أضحك.
أهتم بشعري.
أطبخ وأنا مش خايفة من تعليق سام.
حتى حسام بقى أهدى… كأنه هو كمان حس بالأمان.
أما سليم…
فكان يزور حسام بانتظام.
وفي كل مرة… كان بيحاول يثبت إنه اتغير.
مش بالكلام.
بالأفعال.
وفي يوم وأنا برضع حسام، لقيت ظرف تحت الباب.
فتحته.
كان عقد رجوعي لشغلي القديم.
بنفس المنصب…
ومرتب أعلى.
وفي آخر الصفحة ملاحظة بخط إيده:
“مكانك عمره ما كان البيت بس… إنتِ تستحقي العالم كله. — سليم”
عيطت وقتها.
مش علشان رجعتله.
لكن علشان لأول مرة… حد شاف قيمتي بعد ما أنا نفسي نسيتها.
مرت سنة.
حسام بقى يمشي.
والجدة رجعت من السفر أضعف شوية… لكنها سعيدة.
وفي عيد ميلاد حسام الأول، عملنا حفلة صغيرة في الجنينة.
أنا كنت بضحك مع الضيوف لما لمحت سليم واقف بعيد، شايل ابنه وبيبصلي.
النظرة نفسها القديمة…
بس أنضج.
أهدى.
بعد الحفلة، لما الناس مشيت، قرب مني بهدوء.
وقال: — ريم… ممكن أسألك سؤال أخير؟
بصيتله وسكت.
قال: — ينفع نبدأ من جديد؟ مش كزوج وزوجة دلوقتي… كبني آدمين بس.
بصيتله طويل.
الهواء كان هادي، وحسام نايم على كتفه، والجدة بتراقبنا من بعيد بابتسامة صغيرة.
وفهمت وقتها إن الحياة مش أبيض وأسود.
في ناس بتتكسر… وتفضل مكسورة.
وفي ناس الألم بيغيرها فعلًا.
قربت من حسام وبست راسه الصغيرة.
وبعدين بصيت لسليم.
وقلت بهدوء: — البداية الجديدة ليها شرط واحد.
عينيه لمعت بسرعة: — أي حاجة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من قلبي: — عمري ما أطلب ١٥٠٠ جنيه تاني… وأتحسس إني عبء.
عينه دمعت فورًا.
وهز راسه ببطء: — أوعدك… عمرك ما هتحسي كده تاني طول ما أنا عايش.
وفي اللحظة دي…
وأنا شايفة ابني بينا، والهوا بيحرّك نور الجنينة حوالينا…
عرفت إن ربنا فعلًا ما بيسيبش حد مكسور.
بس أوقات…
بيسيب الناس تدوق وجعها الأول… علشان تعرف قيمة النعمة اللي كانت بين إيديها طول الوقت.
تمت