يوسف حكايات أسما
ابني الكبير مات… لكن لما رحت أجيب ابني الصغير من الحضانة، قالّي:
“ماما… يوسف كان هنا، وقالّي أخليكي تبطلي عياط.”
ابني الكبير “يوسف” مات من ست شهور في حادثة عربية.
كان عنده 8 سنين. كان رايح تمرين الكورة مع أبوه، وفجأة عربية نقل دخلت فيهم على طريق صلاح سالم. جوزي نجا… لكن يوسف لا.
وقتها كنت منهارة لدرجة إن الدكاترة رفضوا يخلوني أشوفه أو أتعرف على ج*ثمانه، كانوا خايفين عليا من الصدمة.
حياتي اتكسرت في لحظة. بقيت مش عارفة أتنفس.
بس عشان ابني الصغير وجوزي… حاولت أكمّل.
ابني الصغير “آدم” رجع الحضانة قريب بعد الحادثة. كنت بخاف أسيبه ثانية واحدة، بس الكل قالّي لازم يرجع لحياته واحدة واحدة.
في يوم، وأنا رايحة آخده من الحضانة، خرج مبتسم وقال:
“ماما… يوسف كان معايا النهارده. قالّي أقولك متعيطيش تاني.”
قلبي وقف.
عارفة إن الأطفال ساعات بيتخيلوا حاجات وهما موجوعين، فابتسمت له بالعافية وخدته في حضني ومشينا.
تاني يوم كان السبت، أخدت آدم وروحنا نزور قبر يوسف.
أول ما قربت أحط الورد، آدم اتجمد مكانه.
قلت له بهدوء:
“مالك يا حبيبي؟ إحنا جايين نزور أخوك.”
بص في الأرض وهمس:
“بس يا ماما… يوسف مش هنا.”
حسيت برعشة في جسمي، بس ماحبتش أخوفه. مشينا بسرعة وأنا بقول لنفسي: الأطفال في الحزن بيقولوا كلام غريب.
لكن يوم الاثنين، لما رحت أجيبه من الحضانة، قالّي تاني إنه شاف يوسف وكلمه.
مسكت إيده وسألته:
“قالك إيه يا آدم؟”
وشه اتغير، وبان عليه إنه مش عايز يتكلم.
همس:
“ده سر يا ماما… يوسف قالّي ماقولكيش.”
هنا قلبي اتقبض.
مين اللي بيقابل ابني في الحضانة؟ ومين اللي بيقوله إنه يوسف؟
دخلت على المديرة فورًا وطلبت أشوف كاميرات المراقبة.
المديرة شغلت التسجيل.
وأول ما شفت اللي ظهر على الشاشة… حسيت إن رجلي مش شايلاني.
كان فيه ولد واقف جنب آدم في فناء الحضانة.
نفس الطول تقريبًا.
نفس الشعر.
نفس الجاكيت الأزرق اللي كان يوسف لابسه يوم الحادثة.
والأغرب… إن الولد لف وشه ناحية الكاميرا.
وساعتها أنا صرخت.
لأن الولد اللي قدامي… كانلايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
أنا صرخت لأن الولد اللي قدامي… كان يوسف.
مش شبهه.
مش طفل قريب منه.
يوسف نفسه.
نفس العينين الواسعة اللي كانت دايمًا تلمع وهو بيضحك، نفس الشامة الصغيرة جنب دقنه، نفس الطريقة اللي كان بيحط بيها إيده جوه جيب الجاكيت وهو واقف.
حسيت إن نفسي اتقطع.
رجليا خانتني وقعدت على الأرض قدام شاشة الكاميرات، والمديرة بتبصلي بخضة وتقول: —مدام مريم… حضرتك كويسة؟
لكن أنا ماكنتش سامعاها.
كنت ببص للشاشة وبس.
آدم كان واقف في الفناء ماسك عربية صغيرة في إيده، ويوسف واقف قدامه بيتكلم معاه بهدوء… وبعدها انحنى وباس راسه.
ثم اختفى من زاوية الكاميرا.
المديرة رجعت التسجيل تاني.
وبعدين تالت.
كل مرة نفس المشهد.
لكن الغريب… إن باقي الأطفال كانوا بيتحركوا عادي وكأنهم مش شايفين حد.
حتى المُدرسة عدت من جنب يوسف كأنه هوا.
مسحت دموعي بسرعة وسألت المديرة بصوت متكسر: —هو… هو الولد ده دخل إزاي؟
المديرة قربت من الشاشة وهي متوترة: —أنا… أنا مش شايفة حد يا مدام مريم.
بصتلها بصدمة.
—إزاي مش شايفة؟ أهو واقف قدامك!
المديرة بلعت ريقها وقالت: —فيه آدم بس… لوحده.
حسيت ببرودة جريت في ضهري.
خدت نفس بالعافية وبصيت للشاشة تاني.
يوسف كان لسه موجود.
يعني أنا الوحيدة اللي شايفاه.
طلعت من المكتب وآدم ماسك إيدي، وأنا حاسة إن الدنيا بتميل بيا.
في العربية فضلت أبصله من المراية.
كان ساكت على غير عادته.
لحد ما قال فجأة: —ماما… يوسف زعلان منك.
اتخضيت.
—ليه؟
بص للشباك وقال: —عشان إنتِ مش بتروحي الأوضة بتاعته.
قلبي وجعني.
أوضة يوسف كانت مقفولة من يوم مو*ته.
زي ما هي.
الكورة على الأرض… الكشكول مفتوح… السرير مترتب… حتى الهدوم بريحتها.
ماكنتش قادرة ألمس أي حاجة تخصه.
لما وصلنا البيت، آدم جري على أوضته، وأنا وقفت قدام باب أوضة يوسف.
إيديا كانت بتترعش.
فتحت الباب ببطء.
ريحة الأطفال خرجتلي كأنها ض*ربة.
وقعت على ركبتي من العياط.
فضلت أبص لكل تفصيلة… للرسومات اللي على الحيطة… للمدالية اللي كان بيعلقها على السرير… للصورة اللي واخدها مع أبوه بعد ماتش الكورة.
وفجأة…
سمعت صوت.
صوت كرة بتتحرك.
رفعت عيني ببطء.
الكورة كانت بتلف لوحدها على الأرض.
وقفت.
أنا اتجمدت.
فضلت باصة عليها، وعقلي بيحاول يقنعني إن ده هوا… أو نسمة هوا… أو أي حاجة.
لكن الشباك كان مقفول.
والكورة وقفت قدام رجلي بالظبط.
بعدها بثانية… نور الأباجورة اشتغل لوحده.
صرخت وجريت برا الأوضة وقفلت الباب بعنف.
جوزي “كريم” كان راجع في اللحظة دي.
أول ما شافني بالحالة دي جري عليا: —مالك؟!
حكيتله كل حاجة.
الكاميرات.
يوسف.
الكورة.
كل حاجة.
لكن وشه قلب فجأة.
مش خوف.
رعب.
ولأول مرة من يوم الحادثة… شفته بيتوتر بالشكل ده.
قال بسرعة: —إنتِ متخيلة بسبب الصدمة.
لكن عينيه كانت بتكدبه.
قربت منه وقلت: —إنت مخبي إيه؟
سكت.
وده كان أسوأ رد.
فضلت أزعق: —يوسف مات إزاي بالظبط يا كريم؟!
اتنهد وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.
ثم قال الجملة اللي قسمت ضهري نصين: —يوسف ماكنش المفروض يكون معايا يومها.
حسيت إن قلبي وقف.
—يعني إيه؟
طلع نفس طويل وقال: —أنا كنت رايح أقابل واحدة.
الدنيا اسودت قدامي.
كمل وهو بيعيط: —يوسف أصر ييجي معايا… وأنا وافقت… وبعدها الحادثة حصلت.
بصيتله بعدم استيعاب.
يعني ابني مات… وهو رايح مع أبوه يخونّي.
صرخت فيه بكل قوتي وض*ربته على صدره: —إنت قت*لته!
فضل يعيط ويقول: —عارف… والله عارف… وكل يوم بمو*ت ألف مرة.
لكن أنا ماكنتش سامعة.
كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني.
آدم خرج من أوضته وقتها.
وقف يبصلنا بهدوء غريب.
وقال: —يوسف قالّي إن ده مش السبب الحقيقي.
البيت كله سكت.
بصينا له.
قرب مني وقال: —قالّي بابا كدب.
كريم شحب.
قربت من آدم وركعت قدامه: —يوسف قالك إيه تاني؟
همس: —قالّي اسألي بابا عن الست اللي كانت في العربية.
هنا كريم قام واقف بعنف: —بس! كفاية الكلام ده!
لكن آدم بدأ يعيط: —يوسف زعلان منك! يوسف بيقول إنت سيبته!
أنا حسيت إن الأرض بتنهار تحت رجلي.
بصيت لكريم.
وشه كان أصفر.
وشفايفه بتترعش.
ولأول مرة… خفت منه.
في الليلة دي، ماعرفتش أنام.
فضلت قاعدة جنب آدم وهو نايم.
الساعة كانت ٣ الفجر لما سمعت خطوات في الطرقة.
ببطء… رفعت عيني.
ولقيت باب أوضة آدم بيتفتح سنة صغيرة.
حد واقف برا.
ولد صغير.
جاكيت أزرق.
يوسف.
كنت شايفاه بوضوح.
لكن المرة دي… ماكانش بيبتسم.
كان باصصلي بحزن.
ثم رفع إيده ناحية آخر الطرقة.
كأنه عايزني أمشي وراه.
قومت برجلي المرتعشة وخرجت.
يوسف كان يختفي ويظهر عند نهاية الطرقة… لحد ما وقف قدام باب المخزن الصغير تحت السلم.
المخزن ده ماكنّاش بنفتحه تقريبًا.
بصلي… ثم اختفى.
وقفت قدام الباب وقلبي بيدق بعنف.
فتحته.
ريحة تراب قديم طلعتلي.
بدأت أدوّر بالنور.
كراتين… شنط… حاجات قديمة.
لكن في آخر الرف كان فيه صندوق معدني صغير.
فتحته.
ولقيت جواه موبايل.
موبايل كريم القديم.
استغربت.
شغلته.
وكانت الصدمة.
آخر فيديو متسجل عليه كان يوم الحادثة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بشغله.
ظهر يوسف في الكاميرا وهو قاعد ورا في العربية يضحك.
وكان صوت الست واضح.
نفس الست اللي كريم قال إنه كان رايح يقابلها.
لكن بعد دقايق، الفيديو اتقلب لخناقة.
الست كانت بتزعق: —قولتلها الحقيقة! البنت لازم تعرف إن عندها أخ!
كريم صرخ: —اسكتي قدام الولد!
أنا اتجمدت.
أخ؟
مين؟
وفجأة… صوت يوسف طلع من ورا: —بابا… يعني عندي أخو؟
ثم…
صوت فرامل.
صرخة.
والفيديو وقف.
وقعت الموبايل من إيدي.
إحساسي وقتها مايتوصفش.
كريم ماكانش بس خاين.
كان مخبي طفل تاني.
ويوسف عرف السر قبل ما يم*وت بلحظات.
في الصبح، واجهت كريم.
أول ما شاف الموبايل انهار.
اعترف بكل حاجة.
قبل جوازنا بسنة، كانت عنده علاقة بواحدة اسمها “دينا”، وخلف منها ولد.
ولما حاولت تطلب منه يعترف بابنه… هددها وسابها.
لكن يوم الحادثة كانت مصممة تواجهه بالحقيقة قدام يوسف.
قال وهو بيعيط: —ماكنتش أقصد يحصل ده… والله ماكنتش أقصد.
لكن أنا ماقدرتش أبص في وشه.
لأن كل اللي كنت شايفاه… ابني.
يوسف.
الطفل اللي مات وهو آخر حاجة سمعها إن أبوه كداب.
بعدها بأيام، بدأت أروح لدكتور نفسي لآدم.
كنت خايفة يكون كل اللي بيحصل ده أثر صدمة.
لكن الدكتور نفسه اتوتر لما آدم قاله: —يوسف بيقف كل ليلة جنب الشباك.
الدكتور حاول يبتسم: —وبيقولك إيه؟
آدم رد بهدوء: —إنه مستني أخوه.
أنا حسيت بدموعي بتنزل.
سألته: —مين أخوه يا حبيبي؟
آدم بصلي باستغراب: —الولد اللي بابا مخبيه.
بعد أسبوع، دينا ظهرت.
أول مرة أشوفها.
كانت ست مرهقة… عينيها مليانة خوف وتعب سنين.
ومعاها طفل صغير.
أول ما شفته… شهقت.
كان شبه يوسف بشكل مرعب.
نفس الضحكة.
نفس العيون.
حتى طريقة وقفته.
الولد كان اسمه “سليم”.
وعنده ٧ سنين.
واقف ساكت ومستخبي ورا أمه.
لكن آدم قرب منه فجأة.
ومسك إيده.
وقال: —يوسف قالّي ماتخفش منك.
كل اللي في المكان سكت.
حتى دينا بدأت تعيط.
ومن يومها… حاجة غريبة بدأت تحصل.
آدم بطل يخاف.
وبطل يصحى يعيط بالليل.
وبقى دايمًا يقول إن يوسف “مرتاح”.
أما أنا… فكل ليلة كنت أدخل أوضة يوسف وأقعد فيها شوية.
لحد ليلة معينة.
كنت قاعدة على سريره وبعيط، لما حسيت بنسمة هوا دافية عدت جنبي.
ورايحة ناحية الصورة اللي ليه.
رفعت عيني.
ولثانية واحدة…
شفت انعكاسه في المراية.
واقف.
بيبتسم.
مش حزين.
مرتاح.
ثم اختفى.
ومن الليلة دي… ماشفتهوش تاني.
لكن بعد شهر، وأنا برتب ألعاب آدم، لقيت ورقة صغيرة جوه العربية اللعبة بتاعته.
الخط كان خط أطفال.
لكن أنا عرفاه.
خط يوسف.
مكتوب فيها:
“خلي ماما تسامح نفسها… أنا كويس.”
وقتها فقط…
انهرت.
لأنني فهمت أخيرًا إن أكتر حد كان بيعذبني بعد مو*ت يوسف… ماكانش كريم.
كان أنا.
أنا اللي فضلت ألوم نفسي عشان ماحضنتوش كفاية آخر يوم… عشان زعقتله الصبح عشان ماكنش عايز يفطر… عشان ماقلتلوش “بحبك” قبل ما ينزل.
لكن يوسف… حتى بعد مو*ته… كان كل اللي شاغله إني أبطل عياط.
وبعد سنة كاملة، لأول مرة، دخلت أوضته وفتحت الشباك.
الشمس دخلت على سريره… على الكورة… على الصور.
وابتسمت وسط دموعي.
لأني حسيت إنه أخيرًا… رجع البيت علشان يودعنا بس.
تمت
