٣ شهور من العزله حكايات اسما ×3 والاخيره

بعد جوازي من آسر، افتكرت إن الحياة أخيرًا هتسيبني أرتاح.

كنت فاكرة إن نهاية الخوف بتبدأ يوم ما نلاقي بيت آمن، وراجل حنين، وسرير ما نصحاش عليه مفزوعين، لكن الحقيقة إن الأمان نفسه كان مخيف في الأول. كنت كل ما ألاقي آسر بيكلمني بهدوء، أستغرب. كل ما يسيبلي مساحة، أقلق. كل ما يسألني: “تحبي إيه؟” أحس إن السؤال فخ، لأن سنين طويلة اتعودت إن اختياري مالوش وزن، وإن أي رغبة ليا ممكن تتحول ضدي.

في أول شهور جوازنا، كنت بصحى قبله كل يوم تقريبًا. أقوم بهدوء، أروح المطبخ، أعمل قهوة، وأقف قدام الشباك أبص على الشارع وهو بيصحى. كنت أحب اللحظات دي لأنها بتثبتلي إن اليوم بدأ من غير صريخ، من غير سر، من غير باب موارب ورا منه حقيقة مرعبة.

آسر كان يصحى بعدي بشوية، يدخل المطبخ، يلاقيني واقفة، فيقول بابتسامة ناعسة: — صباح الخير يا ندى.

وأنا كل مرة كنت أتأثر من بساطة الجملة.

صباح الخير.

جملة عادية جدًا، لكنها بالنسبة لي كانت رفاهية. زمان، الصباح كان يبدأ بصمت كريم، أو ببرود سعاد، أو بسؤال مكتوم جوايا: النهارده هيعدي إزاي؟ دلوقتي الصباح بقى صوت غلاية، وضوء شمس، وراجل بيحط كوباية قهوة جنبي من غير ما يطلب مني أبقى نسخة معينة من نفسي.

لكن التعافي ما بيجيش مستقيم.

في يوم، رجعت من الشغل متأخرة. كان عندي اجتماع طويل، والزحمة كانت خانقة، والمطر بدأ ينزل فجأة. دخلت البيت وأنا متوترة، لقيت آسر عامل عشا بسيط، وشغل موسيقى هادية، وكان مستنيني.

المفروض كنت أفرح.

لكن أول ما قال: — كنت مستنيكي.

جسمي كله اتشنج.

الكلمة رجعتني لسنين فاتت. لكريم وهو يقولي بنفس النبرة تقريبًا: “كنت مستنيكي” وبعدها يقلب الصمت لعقاب. كنت أسمع الجملة وأحس إني غلطانة حتى لو ما عملتش حاجة. اتسحبت مني الابتسامة، وحطيت شنطتي على الكرسي بعصبية.

آسر لاحظ فورًا. — في حاجة حصلت؟

قلت بحدة: — لا.

رفع إيده بهدوء. — تمام. مش هضغط عليكي.

الكلمة دي زودت توتري بدل ما تهديني. حسيت إني عايزة أخرب الهدوء قبل ما هو يخرب لوحده. قلت بصوت أعلى: — هو لازم يعني تبقى مستنيني كده؟ أنا ما تأخرتش بمزاجي.

آسر وقف مكانه ثواني. ما ردش بحدة. ما عملش وش الضحية. ما قالش “أنا كنت بحاول أعملك حاجة حلوة.” بس بصلي وقال: — أنا قلت مستنيكي بمعنى وحشتيني. مش بمعنى إني بحاسبك.

الكلام ده خلى الغضب ينهار فجأة، ووراه طلعت دموع.

قعدت على أقرب كرسي وغطيت وشي بإيدي. — أنا آسفة.

قرب مني بحذر، وقعد على الأرض قدامي. — ماتعتذريش عن جرح اتفتح.

بصيتله من بين دموعي. — أوقات بحس إني هبوظ كل حاجة. إنت كويس معايا وأنا برد بعصبية على حاجات عادية.

قال بهدوء: — إنتِ مش بتردي عليا أنا بس. إنتِ بتردي على ذكريات لسه جسمك فاكرها.

سألته بخوف: — وهتفضل مستحمل لحد إمتى؟

ابتسم بحزن. — أنا مش “مستحمل”. أنا موجود. وفي فرق.

فضلت الجملة دي معايا كتير.

لأن الناس كتير بتخلط بين الصبر والحب. كريم كان يخليني أحس إني عبء محتاج يتحمله. آسر خلاني أحس إني إنسانة عندها جروح، والجروح ما تلغيش استحقاقها للحب.

بعد شهور، حصل شيء ما توقعتوش.

وصلتني دعوة لحضور مؤتمر عن العلاقات السامة والتعافي النفسي، كمتحدثة رئيسية. داليا كانت هي اللي رشحتني من غير ما تقولي. أول ما عرفت، اتخانقت معاها في التليفون.

— إنتِ مجنونة؟ أنا هطلع أتكلم قدام ناس عن حياتي؟

ضحكت وقالت: — إنتِ بتحكي كويس. وناس كتير محتاجة تسمع إن الست ممكن تخرج من كذبة وتعيش.

قلت بارتباك: — أنا مش ناشطة ولا خبيرة.

ردت: — إنتِ ناجية. وده أحيانًا أهم من ألف شهادة.

قفلت معاها وأنا متوترة.

طول الليل فضلت أفكر. هل أنا فعلًا مستعدة أحكي؟ هل القصة تخصني لوحدي؟ ولا بقت رسالة ممكن تنقذ واحدة تانية من إنها تقعد تلات سنين تلوم نفسها؟

آسر ما ضغطش. سألني بس: — إيه اللي مخوفك أكتر؟ إنهم يسمعوا؟ ولا إنك تسمعي نفسك وإنتِ بتحكي؟

السؤال كان دقيق لدرجة أوجعني.

الحقيقة إني كنت خايفة أسمع قصتي بصوتي. طول ما الحكاية جوايا، أقدر أتحكم فيها. لكن لو قلتها قدام الناس، هتبقى حقيقية بشكل نهائي.

وافقت.

يوم المؤتمر، لبست بدلة كحلي بسيطة، ورفعت شعري، وحطيت مكياج خفيف. وقفت قدام المراية أراجع نفسي. للحظة، شفت ندى القديمة. البنت اللي كانت بتتجهز لفرحها وهي فاكرة إن الحياة أخيرًا هتبتسم لها.

ثم شفت ندى الحالية.

عينين أهدى، لكن أصدق.

آسر وقف ورايا وقال: — فخور بيكي.

قلت وأنا بحاول أضحك: — لسه ما اتكلمتش.

قال: — فخور إنك قررتي.

في القاعة، كان في سيدات كتير. بعضهم صغير، بعضهم أكبر مني، بعضهم جايين مع صديقاتهم، وبعضهم قاعدين لوحدهم بعيون مليانة خوف. لما طلعت على المسرح، إيدي كانت بتترعش، لكن أول ما مسكت الميكروفون، بصيت في الصفوف، وشفت بنت قاعدة في الخلف بتبكي بصمت.

بدأت أتكلم.

ما قلتش تفاصيل فاضحة. ما حولتش الألم لفرجة. قلت بس: — أحيانًا الكذبة لا تكون خيانة واضحة، ولا ضربة، ولا صرخة. أحيانًا الكذبة تكون بيت هادئ جدًا، وزوج لطيف جدًا، وصمت طويل يجعلك تشكين في نفسك بدل أن تشكي في الحقيقة.

القاعة سكتت.

كملت: — عشت سنوات أعتقد أنني المشكلة. كنت أظن أنني لست جميلة بما يكفي، ولا مرغوبة بما يكفي، ولا صبورة بما يكفي. لكنني اكتشفت في النهاية أنني كنت داخل قصة لم يكتب أحد فيها دوري بصدق. كنت واجهة لحقيقة يخجل أصحابها من مواجهتها.

صوتي اتكسر لحظة، لكني كملت.

— التعافي لم يبدأ يوم عرفت الحقيقة. التعافي بدأ يوم توقفت عن سؤال: لماذا لم يحبني؟ وبدأت أسأل: لماذا قبلت أن أعيش بلا إجابة كل هذا الوقت؟

بعد الندوة، جاءتني نساء كثيرات. واحدة قالت إن جوزها بقاله سنين بيقنعها إنها باردة ومريضة. واحدة قالت إنها مخطوبة لشخص “مثالي زيادة عن اللزوم” لكنها حاسة إن في شيء غلط. واحدة مسكت إيدي وقالت: — أنا محتاجة أسمع إن الرحيل مش فشل.

قلت لها: — الرحيل أحيانًا أول نجاح حقيقي.

في آخر القاعة، كانت في امرأة واقفة بعيد.

كنت أعرفها.

سلمى.

بنت خالة كريم.

كانت حضرت فرحي، وكانت من القليلين اللي لاحظوا إن كريم طول الفرح متوتر بطريقة غريبة. قربت مني بحذر.

— ممكن أتكلم معاكي؟

آسر كان واقف بعيد، فهم من نظرتي إني محتاجة مساحة، فابتعد.

سلمى قالت بصوت منخفض: — أنا آسفة.

سألتها: — على إيه؟

دموعها لمعت. — إحنا كنا حاسين إن في حاجة غلط. العيلة كلها كانت عارفة إن سعاد متعلقة بكريم بطريقة مخيفة. وكنا عارفين إن جلال مش ميت. بس محدش اتكلم.

حسيت قلبي ينقبض.

رغم إني عارفة إن في ناس كانت شايفة، سماعها بصوت واضح كان وجع تاني.

قلت: — ليه؟

خفضت عينها. — علشان العيلة. السمعة. وخوفنا من سعاد. كانت بتقدر تقطع رزق أي حد يعارضها.

ابتسمت بمرارة. — وأنا كنت تمن صمتكم.

بكت. — أيوه. وأنا آسفة.

كنت زمان ممكن أصرخ فيها. لكن في اللحظة دي، حسيت إن غضبي تعب. قلت: — اعتذارك مش هيغير اللي حصل. بس ممكن يغير اللي جاي. لو شوفتي ست تانية بتتساق لنفس المصير… اتكلمي.

هزت رأسها بسرعة. — هتكلم.

خرجت من القاعة وأنا حاسة بثقل وغرابة. آسر مشي جنبي من غير أسئلة. لما ركبنا العربية، قال: — فخورة بنفسك؟

سكت لحظة. ثم قلت: — خائفة… بس أيوه.

بعد المؤتمر بأسبوع، انتشر مقطع من كلامي على السوشيال ميديا. تعليقات كتير كانت داعمة، لكن طبعًا ظهر الجانب القاسي كعادته.

“أكيد كانت عارفة وساكتة.” “ليه تنشر أسرار بيتها؟” “مش كل راجل عنده أزمة يبقى وحش.” “هي بتدور على شهرة.”

قرأت بعض التعليقات في البداية، ثم توقفت.

لأنني تعلمت أخيرًا أن الناس التي لم تعش القصة تحب توزيع الأحكام من أماكن آمنة.

لكن وسط الرسائل، وصلتني رسالة مختلفة.

من كريم.

“سمعت جزءًا من حديثك. لم تذكري اسمي، ومع ذلك شعرت أنني عارٍ أمام نفسي. أنا آسف مرة أخرى. لم أعد أطلب شيئًا. فقط أردت أن تعرفي أنني بدأت العلاج منذ عامين. وجلال مات الشهر الماضي. قبل موته قال لي إن أكبر خطأ ارتكبناه كان أننا جعلناك تدفعين ثمن جبننا. أتمنى ألا تصدقي أبدًا أنك كنتِ المشكلة.”

قرأت الرسالة ثلاث مرات.

جلال مات.

الرجل الذي كان أبًا مخفيًا، وذنبًا حيًا، وجزءًا من اللغز الذي كسر حياتي. شعرت بحزن بعيد، ليس عليه بالضبط، بل على كل الحيوات التي ضاعت بسبب الخوف من الحقيقة. سعاد ماتت وهي غارقة في امتلاكها. جلال مات وهو يحمل جبنه. كريم يحاول إعادة بناء نفسه من ركام لم يصنعه وحده لكنه شارك في إيذاء غيره به.

لم أرد على الرسالة.

لكنني لم أحذفها.

في تلك الليلة، حلمت ببيت كريم للمرة الأولى منذ شهور. لكن الحلم كان مختلفًا. لم أكن واقفة خلف الباب، أرتعش. كنت داخل الصالة، أفتح كل الشبابيك. الهواء يدخل. المطر يتوقف. والبيت الخانق يتحول إلى مكان فارغ بلا سلطة عليّ.

صحيت هادئة.

بعد سنة، حملت.

الخبر كان مفاجئًا رغم أننا كنا نريده. لما ظهر الخطان في الاختبار، وقفت في الحمام أرتجف. آسر كان في الصالة، يقرأ. خرجت له وأنا ماسكة الاختبار كأنه ورقة حكم.

بص في وشي قبل ما يبص في إيدي. — إنتِ خايفة؟

هزيت رأسي والدموع في عيني. — جدًا.

قام وقرب مني. — وأنا كمان.

ضحكت وسط العياط. — إنت خايف؟

قال: — طبعًا. دي مسؤولية كبيرة. والاعتراف بالخوف أفضل من التمثيل.

حضنته.

لكن حملي فتح جرحًا جديدًا.

لأن جزءًا مني كان حزينًا على سنين كنت أظن فيها أنني لن أصبح أمًا بسبب “نقص” في زواجي الأول. كنت ألوم جسمي، وأخاف من كلام الناس، وأتهرب من أسئلة الأقارب: “مافيش أخبار حلوة؟”

دلوقتي، وأنا حامل، لم أشعر بانتصار على كريم. شعرت فقط بالحزن على نفسي القديمة التي ظنت أن الأمومة إثبات لأنوثتها، لا اختيارًا وحياة.

في الشهر الثالث، ذهبت لأمي وأخبرتها.

بكت.

قالت: — أخيرًا قلبي هيطمن عليكي.

ابتسمت. — قلبك ما اطمنش لما اتجوزت آسر؟

قالت بصدق: — اطمن شوية. بس الأم قلبها غبي. يحب يشوف بنتها محاطة بحاجات حلوة كثيرة علشان يصدق إنها نجت.

وضعت رأسي على كتفها. — أنا نجيت يا ماما.

قالت: — عارفة. بس بحب أسمعها منك.

مر الحمل ببطء. آسر كان حاضرًا بطريقة لم أعتدها. يذهب معي للكشف. يقرأ عن الحمل. يسألني قبل أن يلمس بطني. يحضر لي الطعام الذي أشتهيه في منتصف الليل دون أن يجعلني أشعر أنني عبء.

ذات ليلة، كنت في الشهر السابع، صحيت أبكي دون سبب واضح. كانت حركة الجنين قوية، والمطر بالخارج شديد. آسر استيقظ فورًا.

— وجع؟

هززت رأسي. — لا. بس… مش مصدقة إن الحياة ممكن تبقى حنينة كده من غير تمن.

جلس بجانبي. — أحيانًا الحنان لا يكون دينًا. يكون حقًا.

الكلمة بكتني أكثر.

بعد شهرين، ولدت بنتي.

سميناها “مريم.”

لما وضعوها على صدري، صغيرة ودافئة وعينيها مغمضتين، شعرت أن دائرة كاملة أُغلقت. ليس لأن المرأة لا تكتمل إلا بالأمومة. بل لأنني كنت أحمل طفلة صغيرة وأعدها بصمت أنها لن تتعلم الحب من الخوف.

آسر كان يبكي بجانبي دون خجل.

قال: — شبهك.

ضحكت بتعب. — لسه مولودة.

قال: — لا. نفس العناد.

بعد الولادة، جاءت أمي وداليا ودادة أمينة، جارتنا القديمة التي كانت دائمًا تطعم قطتي مشمش. البيت امتلأ بالضحك والورد والطعام، لكنني كنت أحيانًا أنسحب إلى غرفة مريم وأبكي بصمت.

ليس حزنًا.

امتنانًا.

بعد أسابيع، وأنا أحمل مريم في البلكونة، رن هاتفي برقم غير معروف. ترددت، ثم أجبت.

كان كريم.

صوته تغير كثيرًا. — سمعت إنك خلفتي. مبروك يا ندى.

سكتُّ لحظة. — الله يبارك فيك.

قال: — بنت؟

— أيوه.

سمعته يتنفس ببطء. — ربنا يحفظها. ويحفظك.

لم أعرف ماذا أقول.

ثم أضاف: — ماتخافيش. مش هتصل تاني. بس حسيت إن لازم أقولك مبروك. يمكن لأن جزء مني فرح إن الحياة ادتك اللي كنتي تستحقيه.

قلت بهدوء: — الحياة ما ادتنيش. أنا مشيت لحد ما وصلت.

سكت. ثم قال: — صح. دايمًا كنتِ أشجع مني.

أغلقت المكالمة بعد كلمات قليلة.

لم أخبر آسر فورًا. ليس إخفاءً، لكن لأنني احتجت أفهم شعوري. لم أشعر بارتباك. لم أشعر بحنين. فقط شعرت أن صوت كريم أصبح قادمًا من حياة بعيدة جدًا.

عندما أخبرت آسر، هز رأسه وقال: — إنتِ كويسة؟

ابتسمت. — أيوه. لأول مرة… أيوه بجد.

مرت السنوات.

مريم كبرت، وكانت تشبهني بطريقة تخيفني وتسعدني. تسأل كثيرًا. ترفض الإجابات الجاهزة. تضحك بصوت عالٍ. وفي عمر الرابعة، سألتني مرة: — ماما، إنتِ كنتي أميرة قبل بابا؟

ضحكت. — ليه؟

قالت: — علشان صورك القديمة حزينة كأنك محبوسة في قلعة.

الكلمة اخترقتني.

الأطفال يرون ما لا نقوله.

حملتها على حجري وقلت: — يمكن كنت محبوسة شوية.

سألت: — وبابا أنقذك؟

نظرت لها بجدية. — لا يا مريم. أنا أنقذت نفسي. وبابا قابلني وأنا حرة.

فكرت قليلًا. ثم قالت: — يبقى إنتِ الأميرة والبطلة.

ضحكت وقبلتها. — بالضبط.

كنت أريدها أن تعرف ذلك منذ البداية: الحب لا ينقذنا بدلًا منا. الحب الحقيقي يقف معنا ونحن ننقذ أنفسنا.

في عيد ميلادي الأربعين، اجتمعنا في البيت. أمي، داليا، آسر، مريم، وبعض الأصدقاء. بعد أن نامت مريم، جلست في البلكونة وحدي. المطر كان ينزل برفق.

آسر خرج ومعه شال. — هتبردي.

ابتسمت. — المطر بقى صاحبي تقريبًا.

جلس بجانبي. — فاكرة أول مرة قولتلك يمكن يبقى مجرد مطر تاني؟

نظرت للسماء. — أهو بقى.

سألني: — ندمانة على أي حاجة؟

فكرت طويلًا.

كان ممكن أقول ندمانة على زواجي من كريم. على تلات سنين ضاعوا. على كل ليلة بكيت فيها. لكن الحقيقة أن الندم لم يعد مفيدًا.

قلت: — ندمانة إني قسيت على نفسي أكتر من اللازم. لكن مش ندمانة إني خرجت. ولا ندمانة إني حكيت. ولا ندمانة إني صدقت إن لي حياة تانية.

مسك إيدي. — وليكي حياة ثالثة ورابعة كمان.

ابتسمت.

بعد أشهر، قررت أكتب كتابًا.

لم يكن فضحًا لأحد. غيرت الأسماء والتفاصيل. كتبته عن امرأة تعيش داخل زواج لا يحدث، داخل بيت يشبه الهدوء لكنه مليء بالأسرار. كتبته عن الصوت الذي نسمعه في الليل، ليس من غرفة حماتنا فقط، بل من داخلنا، حين تقول أرواحنا: هناك شيء خطأ.

استغرق الكتاب عامين.

كنت أكتب بعد نوم مريم. أحيانًا أبكي. أحيانًا أتوقف أسابيع. أحيانًا أقرأ صفحة وآسر يقول: — دي قوية.

وأقول: — دي كانت موجعة.

عندما نُشر الكتاب، لم أتوقع نجاحًا كبيرًا. لكنه وصل لنساء كثيرات. رسائل من القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة. واحدة كتبت: “بعد كتابك، توقفت عن لوم نفسي لأن خطيبي لا يلمسني ويهينني بالصمت.” وأخرى كتبت: “فهمت أن البيت الهادئ ليس دائمًا بيتًا صحيًا.”

كنت أقرأ الرسائل وأشعر أن كل ندبة في قلبي وجدت معنى.

في حفل توقيع الكتاب، وقفت امرأة في نهاية الصف. كانت ترتدي حجابًا رماديًا ونظارة سوداء. عندما وصلت أمامي، خلعت النظارة.

سلمى مرة أخرى.

بدت أكبر وأكثر هدوءًا.

قالت: — الكتاب شجاع.

ابتسمت. — شكرًا.

قالت: — كريم قرأه.

يدي توقفت فوق القلم.

أضافت بسرعة: — هو لم يأتِ ولن يأتي. لكنه طلب مني أقولك إن الصفحة الأخيرة خلته يبكي.

سألت رغمًا عني: — وأخباره؟

قالت: — يعيش في الإسكندرية. يشتغل في شركة صغيرة. لا يتزوج. يتعالج. أظنه أخيرًا يعيش بصدق ولو متأخر.

هززت رأسي.

لم أفرح ولم أحزن. فقط شعرت بسلام غريب.

وقعت لها النسخة وكتبت: “لمن اختارت أن تتكلم ولو متأخرة.”

قرأت الإهداء وبكت.

في نهاية الحفل، جاءت مريم تجري نحوي، عمرها وقتها سبع سنوات، تحمل وردة بيضاء. — ماما، إنتِ مشهورة؟

ضحكت. — لا يا حبيبتي. أنا بس حكيت حكاية.

قالت بثقة: — حكايتك حلوة.

نظرت لها. — حتى لو فيها وجع؟

قالت: — آه. علشان آخرها إنتِ مبسوطة.

ضممتها.

نعم.

آخرها كنت مبسوطة.

ولم يكن ذلك قليلًا.

في تلك الليلة، بعد أن عدنا للبيت، فتحت نسخة من الكتاب على الصفحة الأخيرة. قرأت الجملة التي كتبتها بعد تردد طويل:

“أحيانًا لا تكون النهاية السعيدة رجلًا جديدًا، ولا بيتًا جديدًا، ولا طفلًا بين ذراعيك. أحيانًا تكون النهاية السعيدة أن تسمعي اسمك من داخلك ولا تشعري بالخجل.”

أغلقت الكتاب.

نظرت حولي.

آسر نائم على الأريكة بعد يوم طويل، ومريم بجانبه تحتضن دبدوبها، ومشمش القطة ملتفة عند قدميه. المطر ينقر الزجاج بهدوء.

مشيت إلى الشباك.

وضعت يدي على الزجاج البارد.

وتذكرت تلك الليلة القديمة.

الباب الموارب. ال

صوت الغريب. قلبي وهو يتجمد. الجملة التي قلتها لنفسي: “أنا كنت عايشة في كذبة.”

ابتسمت الآن.

لأنها لم تعد جملة رعب.

صارت بداية.

بداية امرأة فتحت الباب، رأت الحقيقة، وقررت ألا تعيش مغمضة بعد ذلك أبدًا.

 

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *