قصتلي هدومي حكايات اسما ×5 والاخير
الفصل الأخير: الحقيقة التي دفنها الجميع
شعرت أن قلبي توقف تمامًا.
اسم نديم كان لا يزال مفتوحًا أمامي على صفحة الدفتر.
ونفس الاسم يقف الآن أسفل الشركة.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى مروان.
ثم أمسكت الدفتر وخرجت أجري.
المصعد بدا أبطأ من أي وقت مضى.
والثواني تمر كأنها ساعات.
حتى وصلت إلى بهو الشركة.
—
كان واقفًا هناك.
رجل في أواخر الثلاثينات.
طويل.
هادئ.
ملامحه مألوفة بشكل غريب.
كأنني رأيتها من قبل.
لكنني لم أفهم السبب إلا بعد ثوانٍ.
عندما أخرج صورة قديمة من جيبه.
الصورة نفسها.
صورة ياسين.
أخو أمي.
كان يشبهه بشكل مخيف.
—
اقترب مني.
وقال بهدوء:
“أنتِ سارة؟”
هززت رأسي.
ولم أستطع الكلام.
—
قال:
“أنا نديم.”
—
ساد الصمت.
حتى موظفو الاستقبال شعروا أن هناك شيئًا كبيرًا يحدث.
—
أخذته إلى قاعة الاجتماعات.
وجلست أمامه.
وكريم ومروان والحاج عوض بجوارنا.
—
قال نديم:
“أنا معرفش تفاصيل كتير.”
ثم أكمل:
“لكن من أسبوع وصلني ظرف مجهول.”
—
أخرج الظرف من حقيبته.
كان بداخله صورة ياسين.
وصورة أمي.
ونسخة من شهادة ميلاده.
ورسالة قصيرة.
—
مكتوب فيها:
“ابحث عن سارة.”
—
سألته:
“مين بعت الرسالة؟”
هز رأسه.
“معرفش.”
—
لكنني كنت أعرف.
أمي.
—
قبل وفاتها كانت ترتب كل شيء.
كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي.
—
بدأ نديم يحكي.
—
بعد اختفاء ياسين.
تم وضعه وهو طفل صغير في دار رعاية.
كبر هناك.
دون أن يعرف من هو.
ولا من أين أتى.
ولا لماذا لا أحد يسأل عنه.
—
حتى أصبح شابًا.
وعمل.
وتزوج.
وبنى حياته بنفسه.
—
لكنه ظل يحمل سؤالًا واحدًا.
من أنا؟
—
الآن فقط…
بدأت الإجابة تظهر.
—
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
—
بل عندما فتح مروان الأوراق الأصلية.
وبدأ يراجعها مع نديم.
—
فجأة قال:
“استنوا.”
—
رفع ورقة قديمة.
ونظر إلى الحاج عوض.
—
“أنت كنت عارف؟”
—
شحب وجه الحاج عوض.
—
قال مروان:
“ياسين ما اختفاش.”
—
تجمدنا جميعًا.
—
“إيه؟”
—
رفع مروان ورقة أخرى.
—
ثم قال:
“ياسين كان عايش.”
—
شعرت أن الأرض تميد بي.
—
الحاج عوض أغلق عينيه.
—
وعرفت أنه كان يخفي شيئًا.
—
قال بصوت مكسور:
“أيوه.”
—
صرخت:
“يعني إيه؟!”
—
بدأت دموعه تنزل.
—
وقال:
“لأن ياسين طلب مني.”
—
ساد الصمت.
—
ثم بدأ يحكي.
—
في ليلة اختفائه.
لم يُقت*ل ياسين.
—
بل هرب.
—
بعد أن اكتشف أن عبد الحميد يزور أوراق الأرض.
—
وحاول مواجهته.
—
لكن الأمور تطورت.
—
وخاف ياسين على ابنه الصغير.
—
فترك كل شيء.
واختفى.
—
وسافر خارج مصر بهوية أخرى.
—
لكنه ظل يرسل أخبارًا متقطعة للحاج عوض.
—
حتى انقطعت أخباره منذ سنوات.
—
كنت أسمع.
ولا أصدق.
—
أمي كانت تظن أنه قُ*تل.
—
عبد الحميد كان يظن أنه مات.
—
لكن الحقيقة مختلفة.
—
وفجأة…
رن هاتف الحاج عوض.
—
نظر للشاشة.
ثم اتسعت عيناه.
—
وقال:
“مستحيل.”
—
“في إيه؟”
—
رفع الهاتف.
—
كانت رسالة.
—
من رقم دولي.
—
وفيها صورة لرجل مسن.
—
ورسالة قصيرة.
—
“أنا راجع.”
—
ثم اسم واحد.
—
ياسين.
—
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
—
الرجل الذي قلب حياة الجميع.
والذي ظنه الجميع ميتًا.
—
ما زال حيًا.
—
وبعد أربعة أيام فقط…
وصل إلى القاهرة.
—
في المطار.
—
وقفنا جميعًا.
أنا.
ونديم.
وكريم.
والحاج عوض.
—
ننتظر.
—
حتى خرج رجل في السبعين من عمره.
—
يمشي ببطء.
لكن بعينين قويتين.
—
عينين رأيتهما من قبل.
—
في صورة قديمة جدًا.
—
وقف أمامنا.
—
نظر إلى نديم.
—
وبكى.
—
لأول مرة.
—
وقال:
“ابني.”
—
انهار نديم.
—
وركض نحوه.
—
واحتضنه.
—
وظل الاثنان يبكيان.
—
سنوات عمر كاملة ضاعت.
—
لكنها عادت أخيرًا.
—
بعد شهرين.
—
بدأت القضي*ة رسميًا.
—
كل الأدلة ظهرت.
—
التزوير.
—
والتهديد.
—
والمحاولات المتكررة للاستيلاء على الأرض.
—
وشهادة ياسين.
—
والمستندات الأصلية.
—
كل شيء.
—
ولأول مرة…
لم يجد عبد الحميد مخرجًا.
—
تمت إدانته.
—
وخسر كل القضايا.
—
وخسر الأرض.
—
وخسر المال.
—
وخسر الأشخاص الذين كانوا يلتفون حوله من أجل مصالحهم.
—
أما هشام…
—
فاكتشف فجأة أن الحياة بدون أموال سارة ليست سهلة كما تخيل.
—
بعد شهور.
—
حاول العودة.
—
وقف أمام باب الشقة.
—
نفس الشقة.
—
لكن هذه المرة كان وحده.
—
طرق الباب.
—
فتحت له.
—
نظر إليّ.
—
وقال:
“ممكن نتكلم؟”
—
نظرت إليه طويلًا.
—
ثم قلت:
“عن إيه؟”
—
خفض رأسه.
—
“غلطت.”
—
ابتسمت.
—
ليس شماتة.
—
بل راحة.
—
لأنني لم أعد أحبه.
—
ولم أعد أكرهه أيضًا.
—
أصبح مجرد فصل قديم.
—
وأغلقت الباب.
—
بهدوء.
—
أما حماتي…
—
فعادت لتعيش في شقتها القديمة.
—
بعد أن باعت معظم ما تملك.
—
واكتشفت متأخرة أن السيطرة لا تصنع الاحترام.
—
وأن الخوف لا يصنع الحب.
—
بعد عام كامل.
—
كانت الأرض قد تحولت إلى مشروع ضخم.
—
لكن الأرباح لم تذهب إلى شخص واحد.
—
بل تم تقسيمها بالعدل.
—
بين أصحاب الحق الحقيقيين.
—
وأُنشئت مؤسسة باسم أمي.
—
لمساعدة النساء اللواتي يتعرضن للظلم والعنف الاقتصادي.
—
وفي يوم الافتتاح.
—
وقفت أمام صورة أمي.
—
ووضعت يدي على إطارها.
—
وقلت بهدوء:
“أنا حافظت على الأمانة يا أمي.”
—
ثم شعرت بيد تمسك يدي.
—
التفت.
—
فوجدت كريم.
—
الذي لم يهرب هذه المرة.
—
ولم يترك يدي.
—
ابتسم.
—
وقال:
“جاهزة نبدأ من جديد؟”
—
نظرت إلى السماء.
—
إلى صورة أمي.
—
إلى عائلتي التي عادت بعد سنوات من الضياع.
—
ثم ابتسمت.
—
وأخيرًا…
بدأت حياتي الحقيقية.
النهاية
بعد ثلاث سنوات
كنت واقفة في شرفة مكتبي الجديد في الدور الثلاثين.
الشمس كانت بتغيب خلف أبراج القاهرة.
وفي الأسفل كانت آلاف السيارات تتحرك كأنها نهر من الضوء.
ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات كاملة مرت منذ الليلة التي قطعت فيها حماتي هدومي بالمقص.
أحيانًا كنت أفتكر المشهد وأضحك.
ليس لأن ما حدث كان مضحكًا.
بل لأنني لم أكن أتخيل أن المقص الذي أرادت به تحطيمي سيكون بداية كل شيء.
—
أصبحت مؤسسة “فاطمة عبد الرحمن” واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في مصر.
وأصبح مشروع الأرض مدينة سكنية كاملة.
أما أنا…
فلم أعد تلك المرأة التي كانت تخاف من خسارة زوجها.
—
وفي ذلك المساء…
دخلت مها مكتبي بسرعة.
كانت لا تزال تعمل معي.
لكنها أصبحت مديرة مكتبي التنفيذي.
قالت:
“في شخص تحت مصمم يقابلك.”
رفعت رأسي.
“مين؟”
ترددت للحظة.
ثم قالت:
“هشام.”
—
ساد الصمت.
—
آخر مرة رأيته كانت منذ عامين تقريبًا.
بعدما أغلقت الباب في وجهه.
ومنذ ذلك الوقت اختفى.
—
قلت:
“عايز إيه؟”
قالت مها:
“بيقول الموضوع ضروري.”
—
تنهدت.
ثم قلت:
“خليه يطلع.”
—
بعد دقائق…
دخل هشام.
—
ولأول مرة منذ عرفته…
بدا أكبر بعشر سنوات.
—
شعره خف.
ووجهه أصبح مرهقًا.
وعيناه فقدتا ذلك الغرور القديم.
—
وقف أمام مكتبي.
ثم قال:
“إزيك يا سارة؟”
—
أجبته بهدوء:
“خير؟”
—
نظر إلى الأرض.
ثم قال:
“أمي ماتت.”
—
شعرت بالصدمة.
رغم كل شيء.
—
قال بصوت مكسور:
“قبل ما تموت طلبت مني أوصلك رسالة.”
—
وأخرج ظرفًا صغيرًا.
—
وضعه فوق المكتب.
—
ثم غادر.
دون أن يطلب شيئًا.
ودون أن ينظر خلفه.
—
فتحت الظرف ببطء.
—
وكانت بداخله ورقة واحدة.
—
بخط يد حماتي.
—
“أنا ظلمتك يا سارة.”
—
توقفت أنفاسي.
—
وأكملت القراءة.
—
“طول عمري كنت فاكرة إن الست القوية تهديد.”
“وإن نجاحك هيخلي ابني صغير.”
“فحاربتك بدل ما أحبك.”
“ولما خسرتك فهمت متأخر إن المشكلة ما كانتش فيكي.”
“كانت فينا إحنا.”
—
بدأت دموعي تنزل.
—
لأن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة جدًا.
لكنها تظل مؤلمة.
—
وفي آخر السطر كتبت:
“سامحيني لو تقدري.”
—
أغلقت الرسالة.
ونظرت من النافذة.
—
ثم همست:
“سامحتك.”
—
لأنني أخيرًا…
لم أعد أحمل أي كراهية لأحد.
—
وكان ذلك أكبر انتصار حققته في حياتي كلها.
النهاية الحقيقية.
