ربيت ابن جوزي روماني مكرم 1
“ربّيت ابن جوزي 16 سنة بعد ما أمه اختفت وقطعت كل صلة بيه… وأهل جوزي ما خلّونيش أنسى لحظة إني مجرد مرات أب. الأسبوع اللي فات، وإحنا في المستشفى نعمل تحليل دم مستعجل، الدكتور شدّني على جنب وسألني: «إنتِ متأكدة 100% إنك مش أمه الحقيقية؟»
طلبت بهدوء تحليل DNA. النتيجة ظهرت الصبح. واللي المفروض يبقى قلقان أكتر واحد… مش أنا.”
الجزء الأول: مرات الأب
على مدار 16 سنة، كنت برد على كلمة واحدة: “دي مرات أب بس.”
اسمي سارة شريف. اتجوزت هشام الجندي وكان ابنه يوسف عنده 4 سنين. أمه الحقيقية، ريم، “سافرت ومشيت”، زي ما الرواية الرسمية بتتقال في كل قعدة عيلة. سابت البيت وهو عنده 3 سنين، وقطعت الاتصال، وما رجعتش تبص وراها.
دي كانت الحكاية اللي اتكررت لحد ما بقت حقيقة محدش بيشك فيها.
من أول يوم، أهل هشام وضّحوا إني وجود مؤقت في حياتهم. مهذبين… بس على مسافة. لطاف… بس دايمًا بيصححوا.
حماتي، مدام سهير، كانت تقول: “برافو عليكي، بتعملي شغل كويس.” وتشدد على كلمة “شغل”. كأني متعينة وظيفة مؤقتة لسد خانة فاضية.
أنا اللي حضرت اجتماعات المدرسة. أنا اللي فضلت صاحيه معاه في الحمى. أنا اللي حفظت إنه بيحب الساندويتشات متقطعة بالمثلث، مش مستقيم أبدًا. ولما كان يصحى مفزوع من كابوس، كان يجري ينام جنبي.
ومع كده… في الصور اللي معلقة في بيت أهل هشام في الإسكندرية، عمري ما كان ليا صورة لوحدي مع يوسف. دايمًا جزء من الخلفية… مش في النص أبدًا.
الأسبوع اللي فات، كل حاجة اتقلبت.
يوسف وقع فجأة في تمرين الكورة في النادي. مش حاجة درامية… دوخة، شحوب، ولخبطة. جرينا بيه على مستشفى خاص كبير في الإسكندرية، والدكاترة طلبوا تحاليل دم مستعجلة.
هشام كان مسافر شغل، فكل الإجراءات كانت عليا.
بعد شوية، دكتورة شابة، اسمها دكتورة ياسمين فؤاد، قربت مني بعد ما بصّت على التحاليل الأولية. وشها كان هادي… بس فيه فضول.
قالت بهدوء: “مدام سارة… إنتِ متأكدة تمامًا إنك مش أمه البيولوجية؟”
السؤال خبط في صدري خبطة جامدة. قلت فورًا: “طبعًا متأكدة. أنا اتجوزت أبوه وهو عنده 4 سنين.”
هزّت راسها ببطء. “في مؤشرات وراثية في التحاليل بتشير لتطابق قوي جدًا مع صفات الأم… والصفات دي قريبة منك بشكل ملحوظ.”
بصّيتلها ومش قادرة أستوعب. “ده مستحيل.”
قالت بحذر: “أخطاء المعمل نادرة… بس واردة. بس التوافق هنا قوي بشكل غير معتاد.”
رجعت البيت ساكتة. يوسف، عنده دلوقتي 16 سنة، كان نايم على الكنبة بعد ما حالته استقرت بالمحاليل والراحة.
قعدت على سفرة المطبخ، وبعيد كلامها بدماغي: مؤشرات وراثية… صفات أمومة… تطابق.
ريم كان عندها عينين عسلي وشعر غامق. يوسف عنده عينيّ أنا الرمادي. هشام كان دايمًا يهزر ويقول: “واضح إنه واخدهم منك.” وكنا بنضحك.
بس دلوقتي… الموضوع مش مضحك خالص.
ما واجهتش هشام فورًا. طلبت تحليل DNA خاص في اليوم اللي بعده. معمل معروف، سرعة في النتيجة، وكل حاجة في سرية. ما قلتش لحد.
#الكاتب_رومانى_مكرم
النتيجة وصلت الصبح في ظرف مقفول.
نسبة الأمومة: 99.98%
إيدي ما كانتش بترعش وأنا بحط الورقة على الترابيزة.
الشخص اللي المفروض يقلق أكتر حد… مش أنا.
كان جوزي.
### الجزء الثاني: فخ الحقيقة
فضلت قاعدة والورقة قدامي، كأنها قنبلة موقوتة. الـ 99.98% دي مش مجرد رقم، دي بتمحي 16 سنة من عمري عشتهم وأنا مقتنعة إني “بديلة”. بتمحي ذل “مرات الأب” ونظرات حماتي اللي كانت بتعاملني كإني “دادة” بلقب زوجة.
لو يوسف ابني.. يبقى أنا مين؟ وليه مش فاكرة؟ وليه هما أقنعوني إني غريبة؟
سمعت صوت مفتاح الباب. هشام رجع من السفر. دخل وشلته باينة على وشه، أول ما شافني قاعدة والورقة قدامي، ملامحه اتغيرت. ما سألش “إيه دي؟”، سأل: “يوسف ماله؟ حصل له حاجة؟”
قمت ووقفت قدامه، والهدوء اللي في صوتي كان مرعب: “يوسف كويس يا هشام.. بس التحاليل هي اللي مش كويسة. الدكتورة شكت في حاجة، وأنا قطعت الشك باليقين.”
مديت إيدي بالورقة. هشام خدها، وبمجرد ما عينه وقعت على خانة “نسبة الأمومة”، الورقة وقعت من إيده. وشه بقى لونه أبيض زي الورق، وشفايفه بدأت تترعش.
* “سارة.. أنا.. أنا هفهمك..”
* “تفهمني إيه؟” صرخت فيه والدموع بدأت تنزل لأول مرة. “تفهمني إني أم يوسف اللي بقالي 16 سنة بتذل عشان بربيه؟ تفهمني إنك كنت بتتفرج عليا وأنا بموت كل ما حماتي تقول لي ‘إنتِ مجرد مرات أب’ وإنت ساكت؟ إزاي أنا ابني عنده 16 سنة وأنا متجوزاك وهو عنده 4 سنين؟”
هشام قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وصوته طالع مكتوم: “إنتِ ما كنتيش “سارة شريف” لما قابلتيني يا سارة.. إنتِ كنتِ “ريم”.
الأرض لفت بيا. ريم؟ الأم اللي هربت وسابت ابنها؟
* “إنتِ تعبتي يا سارة.. جالك اكتئاب ما بعد الولادة وكان حاد جدًا، ووصل لمرحلة ذهانية. وفي يوم حصلت حادثة كبيرة.. كنتِ واخدة يوسف وطالعة بيه على طريق الساحل، وعملتي حادثة عربية بشعة. العربية ولعت.. وإنتِ دخلتي في غيبوبة شهور. لما فوقتي، كنتِ فاقدة الذاكرة تمامًا. مش فاكرة اسمك، ولا يوسف، ولا أنا.”
كمل وهو بيبكي: “أهلي استغلوا الوضع. أمي كانت بتكرهك، وقالت لي دي فرصة نبعدها عنه لأنها ‘خطر’ عليه. غيرنا ورقك، غيرنا اسمك، واستغلينا إن مكيش أهل يسألوا عليكي لأنك كنتِ متربية في ملجأ.. وأقنعناكي إنك سارة، البنت اللي اتجوزتها عشان تربي يوسف بعد ما ‘أمه الحقيقية’ ريم هربت.”
بصيت له برعب.. يعني كل السنين دي كنت بعيش كدبة رسمها هشام وأمه؟ كنت بخدم في بيتي وبربي ابني بصفتي “غريبة”؟
فجأة، تليفون هشام رن. كانت حماتي، مدام سهير.
رد وفتح السبيكر وهو مش دريان.
* “إيه يا هشام؟ عرفت إن البنت سارة كانت في المستشفى بتعمل تحاليل ليوسف.. اوعى تكون عرفت حاجة! البنت دي لازم تمشي من البيت فورًا قبل ما الحقيقة تظهر، إحنا مش هنسمح لـ ‘ريم’ ترجع تاخد حفيدنا تاني بعد ما نضفناه من ريحتها!”
بصيت لهشام، وضحكت ضحكة هستيرية. في اللحظة دي، الباب اتفتح.. ويوسف كان واقف، والدموع مغرقة وشه. كان سامع كل حاجة.
يوسف بص لي بصة عمري ما هنسى وجعها، وقال بصوت مهزوز: “يعني إنتِ مش مرات أبويا؟ إنتِ أمي اللي قالوا لي إنها رمتني؟”
وقبل ما حد فينا يرد، يوسف ساب البيت وجري على برا.
#الكاتبات_روماني_مكرم
### الجزء الثالث: زلزال الحقيقة
جريت ورا يوسف وأنا بصرخ باسمه، بس هشام مسك إيدي بقوة وهو بيترجاني: “اسمعيني يا سارة.. أنا عملت كده عشان أحميكي من نفسك.. وعشان أحمي يوسف!”
نفضت إيده عني بكل قوتي وضربته بالقلم، قلم كان محبوس في إيدي بقاله 16 سنة.. قلم لكل مرة حماتي أهانتني فيها، ولكل لحظة حسيت فيها إني غريبة في بيتي.
* “تحميني؟ إنت سرقت عمري! سرقت اسمي! خليتني أصدق إني خدامة بلقب زوجة في بيت ابني!”
نزلت أجري على السلم، قلبي كان بيوجعني لدرجة إني مش قادرة أتنفس. وصلت للشارع، كان يوسف واقف بعيد، ساند راسه على شجرة وبيتنفض من العياط. قربت منه بالراحة، إيدي كانت بترتعش وأنا بلمس كتفه.
يوسف لف لي، ملامحه اللي كانت دايماً نسخة مني بقت دلوقتي واضحة قدامي أكتر من أي وقت فات. بص لي بكسرة وقال:
* “كل مرة كنت بسألهم عن أمي، كانوا بيقولوا لي إنها ست وحشة.. رمتك وسافرت عشان تعيش حياتها. كنت بكره ‘ريم’ دي يا سارة.. كنت بحبك إنتِ وبقول يا ريتك إنتِ اللي كنتِ أمي.. تطلعي في الآخر إنتِ هي؟ وإنتِ ساكتة؟”
* “والله ما كنت أعرف يا يوسف.. أنا عشت 16 سنة مخدوعة زيك وأكتر.. أنا كنت بموت عشان أرضيهم وأثبتلهم إني صالحة أربي ابنهم.. وهو ابني أنا!”
في اللحظة دي، عربية حماتي، مدام سهير، وقفت قدامنا. نزلت من العربية بكل كبرياء، وكأنها لسه مسيطرة على الموقف. بصت لي بقرف وقالت لهشام اللي نزل ورايا:
* “إيه المسرحية دي؟ خلاص عرفت؟ طيب كويس إنك عرفتي يا ريم.. إنتِ هنا بفضلنا، لولا هشام كان زمانك في المصحة أو في السجن بعد الحادثة اللي كنتِ هتموتي فيها الواد.”
يوسف قرب من جدته وصوته كان عالي لأول مرة:
* “الحادثة اللي إنتوا استغلتوها عشان تسرقوا أمي مني؟ إنتِ كنتِ بتبوسيني وتدعي لي وإنتِ عارفة إنك حارماني من حضنها وهي قدامي؟”
مدام سهير ضحكت ببرود: “أمك؟ أمك دي كانت حتة بنت جاية من ملجأ، لا أصل ولا فصل.. اتجوزت هشام في لحظة طيش، ولما الحادثة حصلت، كانت فرصة نصلح غلطته ونربيك تربية الجندي.. ونخليها هي مجرد ‘خدامة’ بلقب مرات أب عشان نضمن إنها مش هتمشي وتوجع دماغنا بالمحاكم.”
بصيت لهشام، كان واقف مطاطي راسه، جبان زي ما كان طول السنين اللي فاتت.
طلعت الموبايل من جيبي ببرود مخيف، وفتحت التسجيل.
* “كل كلمة قلتيها يا مدام سهير.. وكل اعتراف لهشام.. متسجل. مش بس كده، الدكتورة ياسمين في المستشفى عندها نسخة من التحاليل الأصلية، وأنا مش هسكت.”
وش سهير جاب ألوان: “إنتِ بتهددينا يا بنت الملجأ؟”
* “أنا مبهددش.. أنا بسترد حياتي. يوسف، ادخل هات هدومك.”
يوسف بص لهشام وبص لجدته بنظرة وداع، ومسك إيدي بقوة: “أنا مش محتاج أجيب حاجة.. أي حاجة من البيت ده مبقتش تلزمني. أنا همشي مع أمي.”
واحنا ماشيين، هشام صرخ: “هتروحي فين؟ إنتِ ملمكيش حد! ملمكيش مأوى!”
وقفت مكاني ولفيت له وبصيت في عينه بجمود: “أنا ليا اسم.. وليا ابن.. وليا حق هاخده منك ومن أمك في المحاكم. ومن النهاردة، مفيش سارة شريف.. فيه ريم اللي رجعت من الموت عشان تدفعكم التمن.”
ركبنا تاكسي، وأنا مش عارفة هروح فين، بس عارفة حاجة واحدة.. إن اللي جاي مش هيكون مجرد خناقة عائلية، ده هيكون جحيم أنا اللي هولعه.
#الكاتب_روماني_مكرم
