الام التي لم تذكر أسما السيد مترجم ×2
الفصل الثاني: الرسالة التي انتظرت المطر
صوت كلير خرج من جهاز مراقبة الأطفال كأنه رجع من عالم تاني.
— “إيثان؟ لو إنت سامع الرسالة دي… يبقى الأطفال وصلوا البيت.”
إيثان وقف متجمدًا في مكانه.
مش قادر يتحرك.
مش قادر يغمض عينه.
حتى أنفاسه اختفت.
كان الصوت ناعمًا، متعبًا، لكنه واضح لدرجة موجعة. صوت كلير الحقيقي. نفس النبرة اللي كانت بتصحّيه بيها الصبح لما ينسى يفطر. نفس الدفء اللي كان بيملأ القصر من غير ما يحتاج أثاث ولا ثريات ولا لوحات فنية.
الأربع أطفال نايمين.
والمطر برا بيخبط على الزجاج بخفة.
والجهاز الصغير على الطاولة الجانبية مضيء بضوء أزرق باهت… كأنه قلب صغير صحي فجأة بعد موت طويل.
الصوت كمل:
— “عارفة إنك هتزعل مني إني سجلت ده من غير ما أقولك… بس أنت عارفني. كنت دايمًا بعمل حساب اليوم اللي أنت ترفض تعترف إنه ممكن ييجي.”
إيثان حط إيده على فمه.
ركبه ضعفت.
اتسند على طرف سرير نوح، عشان ما يقعش.
كلير سكتت في التسجيل لحظة، وسمع صوت نفسها الضعيف، كأنها كانت قاعدة في أوضة مستشفى، بتحاول تضحك رغم الألم.
— “الدكاترة بيطمنوني… وأنت كمان بتطمني… وكل الناس بتقول إن كل حاجة هتبقى بخير. بس أنا أم يا إيثان. والأم بتحس بحاجات قبل ما تحصل.”
عيناه امتلأت بالدموع.
— “أنا مش بسجل ده عشان أودّعك. لا. أنا بسجله عشان لو الدنيا قست عليك… تفتكر إني كنت موجودة. مش في الصور. مش في الدولاب. مش في الهدوم. أنا موجودة فيهم.”
إيثان بص للأطفال.
نوح. ليلي. جاك. صوفي.
كل واحد منهم كان قطعة من كلير.
صوفي عندها نفس انحناءة الشفايف. ليلي نفس حركة الحاجب لما تنام. جاك بيمسك الملاية بإيده الصغيرة زي ما كانت كلير تمسك طرف الكم وهي متوترة. ونوح… نوح كان بيطلع نفس الزفرة الصغيرة اللي كانت كلير تعملها لما ترتاح بعد يوم طويل.
التسجيل كمل:
— “أوعى تخلي حزنك يخوفهم. أوعى تفتكر إن السكوت حماية. الأطفال مش بيحتاجوا بيت مثالي… بيحتاجوا بيت صادق.”
الجملة نزلت عليه زي حكم.
بيت صادق.
هو كان عامل العكس تمامًا.
حوّل البيت لمتحف حزن مغلق.
كل حاجة فيه بتقول إن كلير كانت هنا… لكن محدش مسموح له يقول اسمها.
— “لو بكوا كتير… ماتغضبش. هما مش بيكرهوك. هما بيدوروا على صوتي في الدنيا الجديدة دي. افتحلهم باب الحكاية. احكيلهم عني. قولهم إني كنت بخاف من النحل، وبحب المطر، وباكل الفراولة من غير سكر، وبغني وحش جدًا بس بثقة.”
ضحكة صغيرة خرجت في التسجيل.
إيثان انكسر.
قعد على الأرض جنب سرير صوفي، ووشه بين إيديه.
كلير قالت:
— “وقول لنفسك كمان… إنك مسموح لك تشتاق لي. مش لازم تبقى قوي طول الوقت. أنا عارفاك يا إيثان. هتحاول تدير الحزن زي مشروع. هتوزع المهام. هتدفع فلوس. هتجيب خبراء. وهتفتكر إن السيطرة علاج.”
سكتت لحظة.
ثم قالت بصوت أرق:
— “بس الحب مش صفقة. والفقد مش أزمة تتدار. الفقد موجة… يا إما تركبها، يا إما تغرق وانت واقف مكانك.”
إيثان رفع رأسه ببطء.
كأنها شايفاه.
كأنها كانت عارفة كل اللي هيعمله بعد موتها.
عارفة إنه هيهرب للشغل. عارفة إنه هيقفل البيانو. عارفة إنه هيمنع اسمها. عارفة إنه هيحاول يشتري علاج لوجع لا يتباع له دواء.
وبعدين قالت الجملة اللي غيرت شكل الليل كله:
— “في درج المكتب الأبيض، هتلاقي صندوق صغير. مكتوب عليه: لما البيت يبدأ يبكي.”
إيثان تنفس بصعوبة.
المكتب الأبيض.
مكتب كلير في غرفة الشمس.
الأوضة اللي ما دخلهاش من يوم الجنازة.
التسجيل بدأ يضعف قليلًا.
— “افتحه يا إيثان. مش عشان ترجعني… مفيش حاجة بترجع اللي راح. افتحه عشان تعرف تعيش مع اللي فضل.”
ثم همست:
— “وأرجوك… لما تلاقي الشخص اللي يعرف يسمع بكاء البيت… ما تطردوش.”
الجهاز سكت.
الضوء الأزرق انطفأ.
والقصر عاد للهدوء.
لكن الهدوء المرة دي ماكانش ميت.
كان هدوء بعد اعتراف.
إيثان فضل جالس على الأرض دقائق طويلة.
دموعه بتنزل بصمت.
لحد ما سمع حركة خفيفة وراه.
التفت بسرعة.
كانت جريس واقفة عند باب أوضة الأطفال.
رجعت.
شعرها مبلول من المطر، وشنطتها لسه على كتفها.
قالت بهدوء: — “نسيت الترمس.”
كان واضح إنها سمعت آخر جزء.
إيثان حاول يقف، لكنه فشل من أول مرة.
جريس دخلت خطوتين فقط، بدون ما تقترب زيادة.
— “أنا آسفة.”
قال بصوت مبحوح: — “إنتِ كنتِ تعرفي؟”
هزت رأسها بسرعة. — “لأ. أقسم بالله لأ.”
— “إزاي اشتغل؟ الجهاز ده ما شغلش أي تسجيل قبل كده.”
جريس بصت للجهاز ثم للأطفال. — “يمكن ماكانش مستني زرار.”
— “أمال مستني إيه؟”
نظرت إليه بعينين هادئتين. — “حد يسمع.”
الكلمة دخلت صدره كأنها المفتاح اللي فتح الباب.
إيثان بص لها طويلًا.
ثم قال: — “هي قالت في درج المكتب الأبيض…”
تغير وجه جريس قليلًا. — “مكتبها؟”
— “أيوه.”
— “ادخل.”
ضحك ضحكة مكسورة. — “بسهولة كده؟”
— “لأ. مش بسهولة. بس ادخل.”
سكت.
جريس قربت خطوة. — “يا مستر ويتمور… أنت وقفت قدام أصعب باب من تلات شهور، وكل ليلة كنت بتهرب منه. الليلة البيت نفسه فتحلك الطريق. ماترجعش تقفله.”
كان المفروض يرفض. كان المفروض يقول لها إنها تجاوزت حدودها. إنها عاملة نظافة، وإنها لا تعرف شيئًا عن حياته.
لكن الحقيقة؟ هي كانت الوحيدة اللي فهمت.
فخرج من أوضة الأطفال، ومشى في الممر الطويل.
جريس مشت وراه من مسافة محترمة.
غرفة الشمس كانت في آخر الجناح الغربي.
كلير سمتها كده لأنها كانت بتحب تقعد فيها الصبح. شبابيكها عالية، بتطل على الحديقة الخلفية والبحيرة الصغيرة. كانت تكتب فيها رسائل شكر، تخطط لمشاريع خيرية، وتختار ألوان غرف الأطفال قبل ما يولدوا.
إيثان وقف قدام الباب.
إيده على المقبض.
لكن جسده كله رفض الحركة.
من خلفه، قالت جريس بصوت منخفض: — “خد نفسك.”
فعل.
مرة. اتنين. تلاتة.
ثم فتح الباب.
رائحة كلير خرجت أولًا.
خفيفة جدًا… لكنها موجودة.
لافندر. ورق كتب. وشيء حلو لا يعرف اسمه.
الغرفة كانت كما تركتها.
كوب شاي جاف على الطاولة. نظارتها فوق دفتر مفتوح. شال أبيض على الكرسي. صور عينات أقمشة لغرف الأطفال معلقة على لوحة صغيرة.
إيثان دخل وكأنه بيدخل قبرًا.
لكنها لم تكن قبرًا.
كانت حياة متوقفة.
قرب من المكتب الأبيض.
يده ارتجفت وهو فتح الدرج الأول.
أوراق.
أقلام.
بطاقات.
فتح الثاني.
وجد صندوقًا صغيرًا بلون أزرق باهت.
وعليه بخط كلير:
“لما البيت يبدأ يبكي.”
إيثان أغلق عينيه.
جريس وقفت عند الباب ولم تدخل.
قال لها: — “تعالي.”
— “دي خصوصية.”
— “هي قالت ما أطردش الشخص اللي يعرف يسمع بكاء البيت.”
جريس سكتت.
ثم دخلت بهدوء.
إيثان فتح الصندوق.
كان بداخله أربع رسائل صغيرة، كل واحدة باسم طفل.
نوح. ليلي. جاك. صوفي.
ورسالة خامسة باسمه.
وتحت الرسائل… فلاشة صغيرة.
وصورة.
إيثان أخذ الصورة أولًا.
كانت صورة كلير في المستشفى قبل الولادة بأيام، بطنها كبير، وجهها متعب لكنه سعيد. كانت ماسكة لوحة صغيرة مكتوب عليها:
“إلى أبيهم العنيد… لا تنسَ أن تحبهم بصوت عالٍ.”
إيثان ضحك وهو يبكي.
جريس ابتسمت بحزن.
فتح رسالته.
كان الورق يحمل رائحة خفيفة منها.
قرأ بصوت مكسور:
“إيثان الحبيب، لو فتحت هذا الصندوق، فهذا يعني أن خطتي نجحت أخيرًا، أو أنك توقفت عن الهروب بما يكفي لتسمعني. لا تغضب. أعرف أنك غاضب بالفعل. أعرف أنك ستغضب من الموت، ومني، ومن الأطباء، ومن نفسك، ومن الله، ومن كل شخص يقول لك: كن قويًا. لا تكن قويًا. كن أبًا. الأب لا يحتاج أن يعرف كل الإجابات. يحتاج أن يبقى. أطفالنا لن يتذكروا إن كانت الأسرّة مستوردة، ولا إن كان اللبن من أغلى نوع، ولا إن كانت المربيات خبيرات. سيتذكرون صوتك. لمستك. حكاياتك عني. سيحتاجون أن يعرفوا أن أمهم لم تختفِ لأنهم جاءوا. أخاف أن تحمل هذا الذنب وحدك. لا تفعل. أنا اخترت أن أكون أمهم رغم الخطر، واخترت كل لحظة معك دون ندم. لو عشت، سأقرأ هذه الرسالة وأضحك عليك. لو لم أعش… فهذه ليست نهاية حبنا. هذه بداية شكله الجديد.”
إيثان توقف.
لم يستطع المتابعة.
جريس أخذت نفسًا خفيفًا وقالت: — “كمل.”
هز رأسه. — “مش قادر.”
فقالت بهدوء: — “اقرأ كلمة واحدة بس.”
نظر للورقة.
ثم قرأ:
“سامح نفسك.”
وسقطت الرسالة من يده.
كل شيء بداخله انهار مرة واحدة.
لم يبكِ كرجل غني فقد زوجته. ولا كرجل أعمال فقد السيطرة. بكى كإنسان كان شايل جبلًا على صدره ومصدق إن ده عقابه.
جريس لم تلمسه.
فقط جلست على الأرض بعيدًا عنه، كأنها بتقوله من غير كلام: أنا هنا. مش هصلحك. بس مش هسيبك لوحدك.
بعد وقت طويل، رفع رأسه وسأل: — “إنتِ ليه فاهمة كل ده؟”
وجه جريس تغير.
لأول مرة منذ دخلت القصر، ظهر ظل ألم قديم على ملامحها.
قالت: — “لأني عشت في بيت كان بيبكي برضه.”
إيثان نظر إليها.
لم تكمل.
وهو لم يضغط عليها.
لكن بعد لحظة، قالت كأنها تتحدث لنفسها: — “أمي ماتت وأنا عندي خمستاشر سنة. وأخويا كان عنده خمس سنين. أبويا منعنا نجيب سيرتها. شال صورها. رمى هدومها. قال إننا لازم نكمل. وإن العياط ضعف.”
صوتها اهتز قليلًا. — “أخويا بطل الكلام سنة كاملة.”
إيثان همس: — “سنة؟”
— “كان يصحى كل ليلة ويصرخ. الدكتور قال صدمة. أبويا قال دلع. وأنا… كنت صغيرة، بس فهمت إنه مش عايز ألعاب ولا أكل ولا دكتور. كان عايز حد يقوله إن ماما ماتت… بس حبها ما ماتش.”
سكتت.
ثم قالت: — “فكنت أحضنه وأحكيله عنها. كل ليلة. لحد ما رجع يتكلم.”
إيثان أدرك حينها أن جريس لم تأتِ بمعجزة.
هي جاءت بجرح قديم تعلم كيف يلمس جرحًا جديدًا.
سألها: — “وأبوك؟”
ابتسمت بلا فرح. — “لسه شايف إننا بالغنا في الحزن.”
الصمت تمدد بينهما.
ثم بكى طفل في الطابق العلوي.
صوت صغير.
صوفي.
إيثان انتفض تلقائيًا.
جريس قامت. — “لا. إنت.”
تجمد. — “أنا؟”
— “آه. أنت أبوها.”
— “هتصحى الباقيين.”
— “يمكن. ويمكن لأ.”
— “أنا مش بعرف أهديها.”
— “لأنك بتدخل خايف منها.”
نظر إليها بحدة. — “أنا مش خايف من بنتي.”
جريس قالت بهدوء: — “إنت خايف تحبها وهي محتاجة حبك. فرق كبير.”
الكلام كان قاسيًا.
لكنه صحيح.
طلع إيثان السلم بسرعة مترددة، وجريس خلفه.
دخل أوضة الأطفال.
صوفي كانت بتتحرك في سريرها، وشها مكشر، عينيها مقفولين، وصوتها بيزيد.
إيثان وقف فوقها كأنه أمام قنبلة.
جريس همست من الباب: — “شيلها.”
مد يديه ببطء.
حملها.
صوفي صرخت فورًا.
إيثان اتوتر: — “شوفتِ؟”
— “ما تحاولش تسكتها.”
— “أمال أعمل إيه؟”
— “كلمها.”
— “أقول إيه؟”
جريس لم تجبه.
تركته يواجه ابنته.
صوفي تبكي في حضنه. وهو يرتجف.
ثم خرج صوته أخيرًا:
— “أنا آسف يا صوفي.”
البكاء استمر.
— “أنا… أنا مكنتش عارف أعمل إيه.”
صوفي شهقت.
— “أنا كنت فاكر لو ماجبتش سيرة ماما… الوجع هيبقى أقل.”
دموعه وقعت على بطانتها.
— “بس يمكن أنا كنت بخاف أسمع اسمها أكتر منكم.”
صوفي بدأت تهدأ قليلًا.
إيثان أخذ نفسًا عميقًا.
— “ماما كانت بتحب المطر. وكانت بتفتح الشبابيك حتى لو البرد يدخل، وتقول إن ريحة الأرض بعد المطر أحسن من أي عطر في باريس.”
من الباب، جريس ابتسمت.
إيثان كمل: — “وكانت بتغني بصوت وحش جدًا. وحش بطريقة تخلي الواحد يحب الأغنية من كتر ما هي واثقة.”
صوفي توقفت عن الصراخ.
بقيت تبكي بصوت صغير.
إيثان ضمها أكثر. — “وكانت بتقول لي إنك هتبقي أقوى واحدة فيهم… عشان كنتِ آخر واحدة ركلت بطنها قبل العملية.”
صوفي سكنت.
لأول مرة… نامت في حضن أبيها.
إيثان لم يتحرك.
خاف أن يكسر اللحظة.
نظر إلى جريس بعينين مذهولتين.
هي أشارت له أن يجلس.
جلس على الكرسي الهزاز بجانب السرير.
وبدل أن يضع صوفي فورًا… احتفظ بها.
ساعة كاملة.
جريس جلست على الأرض عند الباب، تراقب بهدوء.
وفي تلك الساعة، لم يكن القصر يبكي.
كان يتنفس.
مع الفجر، نام إيثان على الكرسي وصوفي فوق صدره.
جريس غطاه ببطانية خفيفة.
ثم نزلت إلى المطبخ.
غسلت ترمس القهوة. رتبت الكوب. وكتبت ورقة صغيرة:
“افتح الفلاشة. ليس وحدك.”
ثم رحلت.
عند السابعة صباحًا، استيقظ إيثان على ضوء الشمس الخفيف.
وجد صوفي نائمة فوق صدره.
للحظة… لم يتذكر الألم.
فقط شعر بالدفء.
ثم رأى الورقة.
“افتح الفلاشة. ليس وحدك.”
ضغط على الورقة بين أصابعه.
وعرف أن جريس ستعود الليلة.
لكن ما لم يعرفه…
أن دانيال بيرس، شريكه القديم، كان يقف في مكتبه في تلك اللحظة، يقرأ تقريرًا خاصًا عن جريس هولواي.
وعلى وجهه قلق حقيقي.
لأن اسم جريس لم يكن جديدًا تمامًا في حياة عائلة ويتمور.
بل كان مرتبطًا باسم كلير… قبل موتها بأشهر.
وكان هناك سبب خطير جعل كلير تكتب في رسالتها:
“لا تطرد الشخص الذي يعرف يسمع بكاء البيت.”
يتبع