ابني عزمني حكايات اسما السيد2
فضلت ماسكة الورقة بإيدي وقت طويل، لدرجة إن كريم اضطر يقول: “يا أمي؟”
لكنّي ماقدرتش أتكلم.
الكلمات اللي كتبتها حفيدتي الصغيرة كانت أبسط من أي اعتذار، وأصدق من أي كلام كبير اتقال طول الرحلة.
“تيتة مش جاية تشتغل… تيتة جاية تتحب.”
الجملة دخلت قلبي بطريقة وجعتني ودفّتني في نفس الوقت.
بصيت لكريم، كان واقف قدامي متوتر كأنه طفل صغير مستني السماح بعد غلطة كبيرة.
قلت بهدوء: “والرحلة دي… مين هيدفعها؟”
ابتسم بحرج: “أنا.”
رفعت حاجبي: “من فلوسك؟”
هز راسه: “آه… اشتغلت أوفر تايم شهر كامل.”
سكت شوية وبعدين قال: “أول مرة أحس قد إيه الفلوس اللي كنتِ بتدفعيها طول عمرك كانت طالعة من تعب.”
الكلام لمسني، لكن جزء جوايا كان لسه خايف.
مش خايف من كريم… خايف من الرجوع لنفس الدائرة.
قعد على الكنبة قدامي وقال: “أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية.”
بصيت بعيد ناحية الشباك.
القاهرة كانت زحمة كعادتها. صوت العربيات، البياعين، والناس اللي ماشية مستعجلة تحت العمارة… كله رجعني للحياة العادية بعد حلم البحر القصير.
قال بصوت واطي: “بس متحرمينيش أحاول أصلّح.”
لأول مرة من سنين، حسيت إن ابني فعلًا شايفني.
مش مجرد أم.
إنسانة.
عدت أيام بعدها، وكريم بقى يكلمني كل يوم تقريبًا. يسألني أكلت ولا لأ، محتاجة حاجة ولا لأ، حتى بقى يزورني من غير مناسبة.
لكن ريهام؟
ولا مكالمة.
ولا رسالة.
ولا حتى اعتذار شكلي.
وجزء مني كان متوقع ده.
ريهام طول عمرها كانت شايفة إن أي اهتمام بيا بياخد من مساحتها هي. يمكن لأنها متعودة تكون محور كل حاجة، ويمكن لأنها عمرها ما فهمت معنى إن أم تضحي بعمرها كله عشان ابنها.
وفي ليلة، وأنا قاعدة بتفرج على مسلسل قديم، جرس الباب رن.
افتكرت كريم كالعادة.
لكن لما فتحت… اتفاجئت بريهام.
واقفة لوحدها.
لابسة نضارة شمس رغم إن الوقت كان ليل، وشكلها مرهق بطريقة غريبة.
فضلنا باصين لبعض ثواني.
بعدين قالت: “ممكن أدخل؟”
اتحركت بهدوء وسِبتلها الطريق.
دخلت وقعدت على طرف الكنبة، ماسكة شنطتها بتوتر.
وأنا قعدت قصادها مستنية.
لحد ما فجأة… شالت النضارة.
وعينيها كانوا متورمين من العياط.
اتصدمت.
لأول مرة أشوف ريهام بالشكل ده.
قالت بصوت مكسور: “أنا وأمّي عمرنا ما كنا قريبين.”
سكتت.
وبعدين ضحكت ضحكة موجوعة: “هي كانت شايفاني عبء… وأنا طول عمري بحاول أثبت إني أستحق الحب.”
ما اتكلمتش.
قالت: “لما اتجوزت كريم وشفت حبك ليه… غيرت منك.”
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
“كنت بحس إن مهما عملت، إنتِ رقم واحد.”
بصيتلها بهدوء.
“فقريتي تعاقبيني؟”
دموعها نزلت فورًا.
“ماكنتش شايفة نفسي… كنت أنانية.”
الصمت بينا كان تقيل.
لكن فيه حاجة جوايا اتغيرت وأنا شايفاها بالشكل ده.
لأن الوجع… ساعات بيطلع ناس وحشة من غير ما يحسوا.
قالت وهي بتمسح دموعها بسرعة: “أنا عمري ما اعتذرت لحد قبل كده.”
قلت: “واضح.”
ضحكت وسط عياطها.
وبعدين قالت: “أنا آسفة.”
الكلمة دي كانت أصعب عليها من أي حاجة.
وشفت ده.
لكنّي سألتها بهدوء: “لو بنتك كبرت، وجوزها عمل فيها كده… هترضَي؟”
شهقت كأن السؤال ضربها.
وسكتت.
دقايق كاملة.
وبعدين هزت راسها بالنفي وهي بتعيط.
في اللحظة دي، حسيت إن الرسالة وصلت أخيرًا.
بعدها بأيام، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها أبدًا.
ريهام عزمتني على الغدا.
لوحدنا.
من غير كريم.
قعدنا في مطعم صغير على النيل، وكانت متوترة بشكل يضحك.
كل شوية تقول للجرسون: “شكرًا.” “معلش.” “آسفة.”
لدرجة إني ضحكت.
بصتلي باستغراب: “في إيه؟”
قلت: “واضح إنك بتحاولي تبقي لطيفة بالقوة.”
ضحكت هي كمان لأول مرة من قلبها.
وخلال الغدا، بدأت تحكيلي عن ضغط الأطفال، وشغلها، وخوفها المستمر إنها تبقى “أم فاشلة”.
وقالت جملة خلتني أفهم حاجات كتير: “أنا كنت غيرانة إن الأطفال بيحبوكي أكتر مني.”
ابتسمت بحنان.
“الأطفال بيحبوا اللي يحسسهم بالأمان يا ريهام… مش اللي يسيطر عليهم.”
بصتلي طويل.
وقالت بهدوء: “علميني.”
الكلمة دي لمست قلبي.
ومن يومها… علاقتنا بدأت تتغير ببطء.
مش بقت مثالية.
لكن بقت حقيقية.
وفي وسط كل ده، رحلة شرم كانت قربت.
المفروض أسافر لوحدي.
لكن قبل السفر بيوم، لقيت كريم بيكلمني: “ماما… ممكن طلب؟”
قلت بحذر: “إيه؟”
قال: “الأطفال عايزين يجوا معاكي يومين.”
ضحكت فورًا: “آه طبعًا… عشان أبقى بيبي سيتر تاني؟”
اتوتر بسرعة: “لا والله! ريهام هي اللي اقترحت إننا كلنا نيجي… بس على حسابنا إحنا.”
سكت شوية وقال: “والأوضة بتاعتك لوحدك… محدش هيلمسهالك.”
ضحكت رغمًا عني.
وفي النهاية… وافقت.
لكن الرحلة دي كانت مختلفة من أول دقيقة.
لما وصلنا الفندق، الأطفال جريوا ناحية البحر وهم بيصرخوا من الفرح.
أما ريهام… فكانت شايلة الشنط بنفسها.
ولما حاولت آخد منها شنطة، قالت بسرعة: “لا لا… إنتِ ضيفة.”
الكلمة دي خلتني أبصلها ثواني.
يمكن بسيطة.
لكنها كانت اعتراف متأخر بقيمتي.
في اليوم التاني، صحيت الصبح لقيت ورقة تحت باب أوضتي.
قلبي اتقبض للحظة.
لكن لما فتحتها… ضحكت.
كان مكتوب بخط الأطفال:
“ممنوع على تيتة تعمل أي شغل في الرحلة دي.”
وتحتها إمضتين صغيرين: عمر — ليلى.
نزلت الفطار لقيتهم مستنييني بفخر كأنهم عملوا إنجاز عظيم.
حضنتهم بقوة.
ولأول مرة من سنين… حسيت إن العيلة بدأت تتعلم معنى الاحترام.
بعد الضهر، كنت قاعدة تحت الشمس، وريهام قاعدة جنبي.
بصتلي فجأة وقالت: “إنتِ كنتِ بتحلمي بإيه قبل الجواز؟”
السؤال فاجأني.
فكرت شوية وقلت: “كنت عايزة أبقى مدرسة.”
قالت بدهشة: “ليه ما اشتغلتيش؟”
ضحكت بحزن: “الحياة.”
سكتت.
وبعدين قالت: “إحنا ظلمناكي مرتين، صح؟”
بصتلها باستغراب.
قالت: “مرة لما استغليناك… ومرة لما نسينا إن عندك حياة غيرنا.”
الكلام دخل قلبي بهدوء.
وفي الليلة دي، بعد ما الأطفال ناموا، كنت قاعدة في البلكونة ببص للبحر، لما سمعت ريهام وكريم بيتكلموا جوه.
ريهام قالت بصوت واطي: “أنا خايفة.”
كريم سألها: “من إيه؟”
قالت: “يوم ما الأولاد يكبروا ويعاملونا بنفس الطريقة.”
الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية يجاوب.
لأن الإنسان غالبًا بيشوف نفسه الحقيقي لما يخاف يذوق نفس الوجع.
بعد الرحلة، بقينا فعلًا أقرب.
كريم بقى ييجي يصلح أي حاجة في البيت من غير ما أطلب.
وريهام بقت تبعتلي صور الأطفال طول اليوم.
لكن أكتر حاجة فرحتني… كانت عمر.
بقى يكلمني كل أسبوع تقريبًا يحكيلي عن المدرسة والكورة وأصحابه.
وفي يوم، وهو عندي، سألني فجأة: “تيتة… هو بابا كان وحش؟”
السؤال وجعني.
لكن قلت بهدوء: “لا يا حبيبي… بابا كان تايه بس.”
قال: “وإنتِ زعلتي منه قوي؟”
ابتسمت بحزن: “الأمهات بيزعلوا… بس قلبهم عمره ما يقفل.”
هز راسه كأنه بيفهم.
وبعدين قال جملة خلت دموعي تنزل: “لما أكبر… هفسحك كل سنة.”
ضحكت وسط دموعي وحضنته.
الأيام عدت بعدها بهدوء نسبي.
لحد ليلة عيد ميلادي الـ69.
ماكنتش ناوية أعمل أي حاجة.
لكن فجأة، الساعة سبعة بالليل، الكهرباء اتطفت في البيت.
اتخضيت.
وقبل ما ألحق أتحرك، الباب اتفتح.
ودخلوا كلهم.
الأطفال ماسكين تورتة، وكريم شايل ورد، وريهام شايلة ألبوم صور كبير.
وأول ما النور اشتغل… لقيت الحيطة كلها متعلقة عليها صوري.
صور قديمة.
وأنا صغيرة.
وأنا يوم فرحي.
وأنا شايلة كريم وهو طفل.
وأنا واقفة أول مرة على البحر.
وقفت مصدومة.
أما ريهام، فقربت مني وقالت: “عارفة إيه أكتر صورة وجعتني؟”
بصتلها.
أشارت على صورة ليا وأنا صغيرة جدًا، واقفة لابسة فستان بسيط وبضحك.
وقالت: “دي… لأن الست دي كان عندها أحلام… وإحنا نسيناها.”
ماقدرتش أتمالك نفسي.
عيطت.
لكن المرة دي… ماكنش عياط كسر.
كان عياط راحة.
وفي آخر السهرة، الأطفال أصروا يناموا عندي.
والبيت كان مليان ضحك وصوت جري وريحة كيك وفوضى جميلة.
وقبل ما أنام، كنت واقفة في البلكونة ببص للسما.
وفجأة افتكرت نفسي في أوضة الفندق، وأنا ماسكة الورقة اللي مكتوب فيها: ٧ الصبح — تنزلي الأطفال يفطروا.
ابتسمت بمرارة خفيفة.
غريبة الحياة.
ورقة واحدة ممكن تكسر قلب إنسان…
وموقف واحد ممكن يغيّر عيلة كاملة.
لكن الحقيقة اللي فهمتها متأخر…
إن الإنسان لما يسكت على وجعه سنين، الناس بتنسى إنه بيتوجع أصلًا.
أما لما يتكلم…
ساعتها بس، بيبدأوا يسمعوه.
تمت