الشريان التاجي حكايات اسما ×1
حمايا العزيز طردني انا وعيالي السته بعد موت جوزي ب٨ أيام بس ولما اعترضت وبكيت قالي :غوري في داهيه يا بومه ابني مات من شيل الهم وكتر خلفتك للعيال..كان مفكر انه بكده هيكوش علي كل حاجه ويرحمني ويحرم عيالي من الورث لكن مجرد ما انفتحت الوصيه وقرا عقود الملكيه اتصدمت وجاله جلطه في الشريان التاجي..
المطر كان نازل بغزارة لدرجة جدا في الليلة دي.بعد 8 أيام بس من جنازة جوزي، كنت واقفة قدام باب الفيلا اللي عيالي اتربوا فيها وعرفوا إنها بيتهم…شايلة ابني الرضيع اللي عنده 11 شهر.وورايا خمسة أطفال واقفين مرعوبين.
وشنطتين كبار مليانين من حاجتنا اللي مرميين على الأرض وسط المية والطين…وعلى باب الفيلا كان واقف حمايا.الحاج سليم الشاذلي…واقف بابتسامة باردة كأن اللي بيعمله حاجة عادية…قال وهو باصصلي من فوق لتحت: اطلعي برا بيتي… إنتِ والعيال دول ملكوش مكان هنا…يا بومه يا فقر يا بنت الشحاتين
الكلام نزل على قلبي أقسى من وجع الفراق نفسه…جوزي كريم مات من 8 أيام بس…8 أيام… من يوم ما المرض خطفه مننا.. وعيالي فقدوا أبوهم…
ومع ذلك أهله مستحملوش حتى لما أيام العزا تخلص…قلت بصوت مهزوز: “يا حاج سليم… دول أحفادك.”..قبل ما يرد خرجت حماتي.نادية الشاذلي.
بكامل أناقتها.هدوم غالية.مكياج كامل…ولا كأن ابنها مات من أسبوع.. بس للحق كانت لابسه اسود غالي
قالت وهي عاقدة دراعها”إنتِ عمرك ما كنتي واحدة مننا يا سلمى… جوازك من كريم عمره ما خلاكي من عيلة الشاذلي…ابني الكبير يوسف اتقدم خطوة…كان عنده 14 سنة.مكسور من جوه.وغضبان.قال:
“بابا وعد ماما إنها تفضل هنا… أنا سمعته بنفسي.. دا بيتنا.”..وفجأة…صوت صفعة دوى في المكان…الحاج سليم ضربه بالقلم.كل حاجة وقفت.يوسف رجع لورا.بناتي صرخوا.التوأم مسكوا في هدومي.والرضيع صحي من النوم وبدأ يعيط.وفي اللحظة دي…حاجة جوايا اتكسرت نهائي.
بصيت لحمايا وقلت:”لو لمست ابني مرة تانية هتندم.”
ضحك.ضحكة مستفزة.واثقة.قاسية.وقال:”وهتعملي إيه يعني؟”وبص ناحية القرايب اللي بيتفرجوا من الشبابيك.
وقال بصوت عالي:”معاهاش فلوس.””معاهاش سلطة.”
“معاهاش اسم.””دي كانت ولا حاجة قبل ما كريم يعرفها.”
كان قاصد يذلني.قدام الكل.وقدام عيالي.
وفجأة مسكت حماتي شنطة تانية من جوه البيت ورمتها في الشارع.الشنطة اتفتحت.وهدوم عيالي اتبهدلت في الطين.وقالت وهي بتبتسم”آه… وعلى فكرة، غيرنا كالون الباب.”
وقتها حسيت الأرض بتميد بيا.وأضافت:”خلصي تمثيل. الفيلا دي ملك عيلة الشاذلي.”القرايب كانوا بيتفرجوا من جوه.والجيران مستخبيين ورا الستاير.ولا شخص اتحرك.
ولا حد دافع عن ستة أطفال واقفين في عز المطر.
اربعاشر سنة وأنا مستحملة إهاناتهم عشان كريم.النظرات.
الهمسات.التلميحات.الكلام اللي بيأكدلي كل يوم إني مش منهم.لكن كريم مات.وصبري مات معاه.جمعت عيالي.
ومشيت ناحية الشارع.ماكنش عندي مكان أروحله.
ولا خطة.ولا حتى فكرة عن بكرة.لكن كان معايا حاجة واحدة.
ملف أصفر صغير مخبيه في شنطة البيبي…قبل وفاة كريم بثلاث أسابيع.حطه في إيدي بنفسه.وكان صوته وقتها ضعيف جدًا.لكن كلامه كان واضح.
قال:الفصل الثاني
تجمدت أصابعي حول الملف الأصفر الصغير وأنا أمشي وسط المطر.
الرضيع يبكي فوق كتفي.
والتوأم يمسكان بطرف عباءتي.
ويوسف يسير بجانبي ووجهه ما زال محمرًا من أثر الصفعة.
أما البنات فكن يمشين خلفي بصمت مرعب.
ذلك الصمت الذي لا يخرج إلا من أطفال انكسر شيء كبير داخلهم.
لم ألتفت خلفي.
لم أرد أن أرى الفيلا.
لم أرد أن أرى الوجوه التي كانت تتفرج من النوافذ.
ولم أرد أن أرى الحاج سليم وهو يعتقد أنه انتصر.
لأنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه.
شيئًا أخفاه كريم حتى عن أقرب الناس إليه.
وصلت إلى نهاية الشارع.
توقفت تحت مظلة محل مغلق.
أنزلت الرضيع قليلًا حتى أستطيع التقاط أنفاسي.
ثم فتحت الملف.
نظرت إليه للمرة المليون.
كانت بداخله مجموعة أوراق.
وصية.
عقود.
خطابات مختومة.
وأظرف مغلقة باسماء مختلفة.
تذكرت ليلة المستشفى.
قبل وفاة كريم بثلاثة أسابيع.
كان جسده منهكًا.
ووجهه شاحبًا.
لكن عينيه كانتا أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
أمسك يدي وقتها وقال:
“اسمعيني كويس يا سلمى.”
قلت وأنا أبكي:
“هتقوم بالسلامة.”
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
“لو حصل لي حاجة… متخليش حد يخوفك.”
هززت رأسي.
لكنه أكمل:
“أبويا هيتغير.”
صدمتني الجملة.
قلت:
“مستحيل.”
قال:
“أنا أعرفه أكتر منك.”
ثم أشار إلى الملف.
وقال:
“لو حاولوا يطردوكي… افتحيه.”
سألته:
“فيه إيه؟”
رد:
“فيه الحقيقة كلها.”
ثم أضاف بصوت أضعف:
“ووعديني إنك مش هتفتحيه غير لو اضطرّيتي.”
ووعدته.
ولم أفتحه أبدًا.
حتى الآن.
أخرجت أول ورقة.
كانت وصية قانونية موثقة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة شعرت أن قلبي توقف.
لأن اسم مالك الفيلا لم يكن الحاج سليم.
ولا شركة الشاذلي.
ولا حتى كريم.
بل…
اسمي أنا.
سلمى عبدالسلام الشاذلي.
مالكة العقار بالكامل.
نظرت للورقة مرة ثانية.
وثالثة.
ورابعة.
خشية أن أكون أتوهم.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
الفيلا مسجلة باسمي منذ أربع سنوات.
أربع سنوات كاملة.
شعرت أن الهواء اختفى من حولي.
كريم نقل الملكية كلها.
سرًا.
دون أن يخبر أحدًا.
بل لم يخبرني أنا نفسها.
وبدأت أفتح باقي الأوراق.
وجدت مزيدًا من المفاجآت.
شركة المقاولات التي كان كريم يديرها.
أسهمها الرئيسية.
بوليصة التأمين.
حسابات توفير للأطفال.
أراضٍ زراعية.
مخازن.
محال تجارية.
كل شيء تقريبًا كان خارج سيطرة الحاج سليم.
كل شيء.
فهمت وقتها لماذا كان كريم مصرًا على إخفاء الأمر.
كان يعرف أباه.
ويعرف طمعه.
ويعرف أن أول شيء سيفعله بعد موته هو محاولة الاستيلاء على كل شيء.
لكن ما لم يعرفه الحاج سليم…
أن كريم سبقه بأربع سنوات كاملة.
في نفس الوقت تقريبًا…
كان الحاج سليم يجلس داخل مكتبه الفخم.
يشرب القهوة.
ويضحك مع زوجته.
قال بثقة:
“خلصنا منهم.”
ابتسمت نادية.
وقالت:
“وأخيرًا.”
رد:
“بكرة المحامي هيبدأ إجراءات نقل باقي الأملاك باسمي.”
ثم ضحك.
وأضاف:
“الست دي كانت فاكرة نفسها هتورث حاجة.”
رن الهاتف.
رفع السماعة.
كان المحامي.
قال الحاج سليم بثقة:
“أيوة يا أستاذ فؤاد.”
لكن بعد ثوانٍ فقط…
اختفت الابتسامة.
ثم عقد حاجبيه.
ثم وقف فجأة.
وقال:
“إيه؟”
ساد الصمت.
ثم صاح:
“إنت بتقول إيه؟”
نادية التفتت إليه بقلق.
أما هو فبدأ وجهه يشحب.
قال المحامي:
“يا حاج سليم… المشكلة إن معظم الأملاك مش باسم حضرتك.”
صرخ:
“طبعًا باسمي.”
رد المحامي:
“للأسف لا.”
“إزاي لا؟”
“فيلا التجمع باسم سلمى.”
“مستحيل.”
“وعندي المستندات.”
تجمد.
قال المحامي:
“وشركة المقاولات الأسهم المسيطرة فيها متوزعة بين الأولاد الستة.”
سقط القلم من يد الحاج سليم.
أما المحامي فأكمل:
“وفيه صندوق استثماري باسم الأطفال.”
“وفيه أراضٍ باسم زوجة ابنك.”
“وفيه حسابات مجمدة لا يمكن التصرف فيها.”
لم يعد يسمع شيئًا.
كان الدم يغلي داخل رأسه.
نادية اقتربت منه.
وقالت:
“في إيه؟”
نظر إليها بذهول.
ثم همس:
“كريم ضحك علينا.”
لأول مرة منذ سنوات…
شعر الحاج سليم بالخوف.
الخوف الحقيقي.
لأن الرجل الذي ظن أنه مات…
كان قد رتب كل شيء قبل رحيله.
وترك خلفه قنبلة موقوتة.
والقنبلة بدأت تنفجر الآن.
أما أنا…
فكنت أجلس في شقة صغيرة استأجرتها صديقة قديمة لعدة أيام.
الأطفال ناموا أخيرًا.
عدا يوسف.
كان جالسًا بجواري.
ينظر إلى المطر من النافذة.
ثم قال فجأة:
“ماما.”
قلت:
“نعم.”
سأل:
“إحنا خلاص بقينا فقراء؟”
شعرت بسكين يغرز في قلبي.
اقتربت منه.
وضممته إلى صدري.
وقلت:
“لا يا حبيبي.”
رفع رأسه.
فابتسمت لأول مرة منذ وفاة كريم.
وقلت:
“إحنا راجعين بيتنا.”
اتسعت عيناه.
وقال:
“بجد؟”
هززت رأسي.
ثم وضعت أمامه عقد الملكية.
قرأ الاسم.
ثم قرأه مرة ثانية.
وفجأة انفجر في البكاء.
ذلك البكاء الذي كان يخفيه منذ موت أبيه.
ارتمى في حضني.
وقال:
“بابا كان عارف.”
قلت وأنا أبكي معه:
“أيوة.”
همس:
“بابا كان بيحمينا.”
وضممته بقوة.
لأنني أدركت في تلك اللحظة أن كريم لم يتركنا وحدنا.
أبدًا.
بل كان يحارب من أجلنا حتى آخر نفس.
لكن ما لم أكن أعرفه…
أن المفاجأة الأكبر لم تكن في الفيلا.
ولا في الشركة.
ولا في الأموال.
بل في الظرف الأخير الموجود داخل الملف الأصفر.
الظرف الذي كتب عليه كريم بخط يده:
“لا يُفتح إلا بعد أن يحاول أبي طردكم.”
وفي داخله…
سر واحد فقط.
سر قادر على تدمير إمبراطورية الحاج سليم الشاذلي بالكامل.
يتبع…
