زين مالك وداليدا مراد اسما السيد ×4
داليدا وقفت مكانها كأن الزمن رجع بيها سنين طويلة، كانت عينيها ثابتة على مدخل الفيلا، وأنفاسها بقت سريعة، مش لأنها خايفة من الرصاص، لكن لأنها عرفت إن الشخص اللي دخل دلوقتي أخطر من أي سلاح. زين لمح الرعب الحقيقي لأول مرة في ملامحها، الرعب اللي ماشفوش حتى لما كانت بتحكي عن مراد. بص لها وقال بهدوء: “إنتي تعرفيه كويس.” هزت رأسها من غير ما تتكلم، بينما الصوت رجع يتردد في الصالة مرة تانية: “هو ده استقبالك لأخوكي يا داليدا؟” خرج سليم من بين الدخان بخطوات هادئة، كان طويل القامة، عريض الكتفين، لابس بدلة رمادي غامقة من غير أي ذرة تراب عليها، كأنه داخل اجتماع مش وسط هجوم مسلح. وشه كان شبه مراد بشكل يخوف، لكن عينيه كانوا أبرد بكتير، فيهم نظرة خالية من أي إحساس. وقف في نص الصالة، وبص حواليه بابتسامة خفيفة، كأنه بيعجب بديكور المكان، ثم قال: “حلوة الفيلا… بابا كان نفسه يشتريها زمان.” زين خرج من ورا العمود وهو موجه المس..دس ناحيته وقال: “خطوة واحدة كمان وهضرب.” سليم بص للمس..دس وضحك ضحكة قصيرة وقال: “إضرب.” فضل زين ثابت مكانه، لكنه لاحظ إن سليم واقف من غير أي حارس، وده ماكانش طبيعي. قال: “رجالتك فين؟” رد سليم وهو بيحط إيده في جيبه: “مش محتاجهم.” داليدا همست بصوت مرتعش: “أوعى تصدقه.” سليم لف ناحيتها وقال: “وحشتيني يا أختي.” الكلمة خرجت ببرود، من غير أي مشاعر، لكنها خلت داليدا ترجع خطوة لورا. قال وهو يبصلها: “كبرتي… وبقيتي شبه ماما أكتر.” نزلت عينيها للأرض، لأنها كانت عارفة إن ذكر أمها قدامه مش صدفة. زين قال بحزم: “قول اللي عندك وامشي.” سليم ابتسم وقال: “أنا جاي أخد حاجة وبعدين همشي.” زين سأله: “إيه هي؟” رد وهو بيبص مباشرة على الصندوق اللي في حضن أم نعيمة: “الصندوق.” أم نعيمة ضمته لصدرها أكتر، وقالت: “مش هتاخده.” سليم ضحك وقال: “لسه عايشة يا أم نعيمة؟ بابا هيزعل قوي لما يعرف.” الست الكبيرة رفعت راسها وقالت بثبات: “قول لأبوك إن ليلى كسبت حتى وهي ميتة.” للحظة اختفت الابتسامة من وش سليم، لكن رجعت تاني بسرعة، وقال: “واضح إنكم لسه مش فاهمين.” مد إيده جوه جيبه، فشد زين المس..دس أكتر، لكن اللي طلعه ماكانش سلاح، كان ريموت صغير أسود. ضغط عليه من غير ما يقول كلمة. في نفس الثانية دوى انفجار هائل من الجهة الغربية للفيلا، اهتزت الأرض تحت رجليهم، وسقف الصالة وقع منه جزء كبير، وانتشر التراب والدخان في كل مكان. داليدا صرخت وهي بتحاول تحمي أم نعيمة، وزين فقد توازنه للحظة. وسط الدخان اختفى سليم من مكانه، ولما الرؤية وضحت شوية، ماكانش موجود. زين جرى ناحية الباب، لكن ملقاش حد. قال بغضب: “إزاي اختفى؟” داليدا ردت وهي بتنهج: “دي طريقته… عمره ما يفضل في مكان بعد ما يحقق اللي عايزه.” زين لف بسرعة ناحية أم نعيمة، لقاها لسه ماسكة الصندوق، فتنفس براحة، لكن الراحة دي ماكملتش، لأن الست الكبيرة بدأت تكح بقوة، وبعدين وقعت على ركبتها. داليدا جريت عليها وهي بتقول: “مالك؟” رفعت أم نعيمة إيدها المرتعشة ناحية رقبتها، وكان فيه نقطة دم صغيرة بتكبر على طرحتها. زين قرب بسرعة، ولما شال الطرحة شاف جرح رفيع جدًا تحت الأذن. قال بصدمة: “دي رصاصة؟” هزت رأسها بصعوبة وقالت: “لا… سهم.” مد زين إيده ولمس الجرح، لقى طرف إبرة معدنية صغيرة مغروزة في جلدها. شدها بسرعة، لكن أول ما خرجت بدأ جسم أم نعيمة يرتعش. قالت بصوت متقطع: “سم… هو… بيستخدم سم.” داليدا حضنتها وهي بتعيط: “لا… لأ… استحملي.” أم نعيمة بصتلها بابتسامة ضعيفة وقالت: “اسمعيني كويس… الصندوق… مايتفتحش… إلا بالمفتاح… والمفتاح… مش مع مراد.” اتسعت عيون زين وقال بسرعة: “أمال مع مين؟” حاولت تتكلم، لكن نفسها كان بيطلع بالعافية، قالت: “دوري… على… يوسف…” سكتت لحظة وهي بتحاول تاخد نفسها، ثم همست: “يوسف… عايش.” اتجمدت داليدا مكانها، كأن الكلمة شلت حركتها. مسكت كتف أم نعيمة وهي بتصرخ: “يوسف مين؟” لكن الست كانت بتبص في السقف، وعينيها بدأت تفقد تركيزها. قالت آخر جملة بصوت ضعيف جدًا: “اسألي… أمك…” وبعدها سقطت إيدها على الأرض، وسكت نفسها تمامًا. الصمت اللي ملأ الصالة كان أقسى من صوت الرصاص. داليدا فضلت حضناها وهي بتبكي لأول مرة من قلبها، أما زين فكان واقف يبص للإبرة المعدنية اللي في إيده، وفي اللحظة دي لمح حاجة محفورة عليها بحروف صغيرة جدًا. قربها من الكشاف، ولما قرأها اتغير وشه بالكامل. كان محفور عليها حرفان فقط… “م.ف”… الأحرف الأولى من اسم مراد فؤاد.
زين فضل باصص للإبرة بين صوابعه وهو حاسس إن كل خيط في القض…ية بيرجع في الآخر لنفس الشخص. مراد فؤاد ماكانش مجرد راجل أعمال فاسد ولا أب قاسي، كان بيمحي أي حد يقرب من أسراره، من غير ما يسيب فرصة للصدفة. حط الإبرة في كيس بلاستيك صغير كان في جيبه، لأنه عرف إنها ممكن تبقى دليل مهم بعدين، وبعدها نزل على ركبته جنب داليدا. كانت لسه حضنة أم نعيمة، وشها مدفون في كتفها، ودموعها بتنزل في صمت، كأنها مش بتعيط على موت الست بس، لكنها بتعيط على آخر حد كان لسه رابطها بأمها. مد إيده وحطها برفق على كتفها، ماقالش ولا كلمة، لأن أي كلمة كانت هتبقى أقل من اللي هي حاساه. بعد دقيقة طويلة رفعت وشها بصعوبة وقالت بصوت متكسر: “كل اللي قرب مني مات.” زين رد بهدوء: “لأ… كل اللي قرب من الحقيقة اتقتل.” بصتله بعينين مليانين انكسار وقالت: “وأنت دورك جاي.” هز رأسه وقال: “يبقى لازم نسبقه.” وقف بهدوء وبص للحارس اللي كان واقف بعيد وهو مصدوم من اللي حصل، وقال: “اتصل بالإسعاف والشرطة، لكن محدش يعرف عن الصندوق كلمة واحدة.” الحارس هز رأسه وخرج يجري.
فضل زين واقف يبص للصالة اللي اتحولت لساحة حرب. الإزاز متكسر، الحيطان فيها آثار رصاص، ريحة البارود مالية المكان، وكل ده حصل في أقل من نص ساعة. قرب من الباب اللي كان سليم واقف عنده، وبدأ يدقق في الأرض. بعد ثواني انحنى والتقط حاجة صغيرة جدًا، كانت قطعة معدنية مستديرة بحجم العملة، عليها نفس علامة النجمة المحفورة اللي كانت موجودة تحت الصندوق. نادى على داليدا وقال: “بصي.” قربت منه، وأول ما شافتها قالت: “دي العلامة نفسها.” قلبها بين صوابعه، فاكتشف إنها مش مجرد قطعة معدن، دي كانت شريحة إلكترونية رفيعة جدًا. قال: “واضح إنها وقعت منه.” داليدا قالت: “أو سابها عمد.” الكلمة خلت زين يبص لها باهتمام، فقالت: “أبويا وسليم عمرهم ما يسيبوا حاجة بالغلط. كل خطوة محسوبة.” حط الشريحة في جيبه وقال: “حتى لو فخ… هنعرف هو رايح لفين.”
بعد حوالي ساعة وصلت الشرطة، لكن زين استخدم نفوذه وخلى التحقيق شكلي، ماقالش حاجة عن سليم ولا عن الصندوق، وسجل الواقعة على إنها محاولة سرقة مسلحة. كان عارف إن أي محضر رسمي هيوصل نسخة منه لناس تابعة لمراد قبل ما يوصل للنيابة. بعد ما آخر عربية شرطة خرجت، رجع الفيلا، وكانت الشمس بدأت تطلع. أول ضوء دخل من الشبابيك المكسورة وقع على وش داليدا وهي قاعدة في نفس مكانها، لسه ماسكة صورة أمها بإيد، والصندوق بالإيد التانية. قرب منها وقال: “لازم ندفن أم نعيمة.” رفعت عينيها وقالت: “كانت عايشة علشان توصل الأمانة… أول ما وصلت ماتت.” سكت لحظة ثم قال: “وده معناه إن الأمانة أهم من حياتها.”
بعد ساعات قليلة، اتدفنت أم نعيمة في جنازة بسيطة جدًا، ماحضرهاش غير زين وداليدا والحارس القديم اللي فضل وفي ليه. داليدا كانت واقفة قدام القبر من غير دموع، لأنها وصلت لمرحلة الوجع اللي الدموع نفسها بتخاف تدخلها. وهي خارجة من المقابر، لمح زين راجل عجوز واقف بعيد، أول ما عيونهم اتقابلت لف ومشي بسرعة. جرى وراه، لكن الراجل اختفى بين المدافن. المكان الوحيد اللي كان واقف فيه كان فيه ظرف بني صغير مرمي على الأرض. التقطه بسرعة وفتحه.
كان جواه مفتاح نحاس قديم.
ومكتوب معاه في ورقة صغيرة:
“المفتاح الأول… ولسه خمسة.”
رجع بسرعة للعربية، وورّى داليدا المفتاح. أول ما شافته شهقت وقالت: “يعني الصندوق محتاج أكتر من مفتاح؟”
قلب الورقة على ضهرها، فلقى خريطة مرسومة بإيد حد، بسيطة جدًا، فيها علامة على مكان واحد.
قرأ الاسم المكتوب تحتها.
“البيت القديم.”
اتجمدت ملامح داليدا.
همست بصوت خرج بالعافية:
“دي فيلا أبويا القديمة.”
زين رفع عينه وقال: “اللي قولتي إن سليم عايش فيها.”
هزت رأسها وهي حاسة إن قلبها هيقف.
“أيوه… وهناك تحت الأرض… المكان اللي كان أبويا بيحبسني فيه.”
زين بص للخريطة مرة تانية، ثم قال بثبات: “يبقى أول مفتاح أخدناه… والباقي مستنينا هناك.”
داليدا مسكت دراعه بسرعة وقالت: “إنت متعرفش المكان ده. ده مش بيت… ده مقبرة.”
ابتسم ابتسامة هادئة وقال: “يمكن… بس أي مقبرة ليها باب.”
وفي اللحظة دي رن موبايله.
الرقم كان خاص.
رد من غير كلام.
جاله صوت راجل كبير في السن بيقول بهدوء:
“لو عايز تعرف مين يوسف… تعالى لوحدك.”
زين قال بسرعة:
“إنت مين؟”
الراجل رد:
“أنا الشخص الوحيد اللي حضر الليلة اللي ماتت فيها ليلى… ولسه عايش.”
ثم قفل الخط.
زين فضل باصص للموبايل بعد ما الخط اتقفل، حاول يتصل بالرقم تاني، لكن الرسالة اللي ظهرت قدامه كانت إن الرقم غير متاح. نزل الموبايل ببطء وبص لداليدا، كانت ملامحها كلها أسئلة، قالت بصوت خافت: “مين كان؟” أخد نفس طويل وقال: “حد بيقول إنه كان موجود ليلة مقتل أمك.” اتغير لون وشها فجأة وقالت: “مستحيل… كل اللي كانوا هناك ماتوا أو اختفوا.” زين حط الموبايل في جيبه وقال: “واضح إن فيه واحد فضل مستخبي كل السنين دي.” سكت لحظة وبعدين قال: “وقال كمان إنه يعرف يوسف.” أول ما سمعت الاسم حس إنها فقدت توازنها، مسكت باب العربية بإيدها وقالت: “أنا عمري ما عرفت حد اسمه يوسف.” زين افتكر آخر كلمات أم نعيمة قبل ما تموت، كانت بتردد الاسم وكأنها بتحاول تنقذ سر أكبر من عمرها كله، وقال: “يبقى يوسف هو السر اللي كانت بتحاول توصله.”
رجعوا الفيلا مع أول خيوط الصبح، المكان كان هادي بشكل غريب، لكن الهدوء ده ماكانش مريح، كان أشبه بالهدوء اللي بيسبق عاصفة جديدة. أول ما دخل زين مكتبه افتكر الجواب الأبيض اللي كان كريم سايبه في الخزنة. فتح الدرج بسرعة، طلع الظرف، وحطه على المكتب. داليدا وقفت جنبه وقالت: “لازم حرارة.” فتح ولاعة صغيرة وقربها من الورقة بحذر من غير ما يلمسها بالنار. بعد ثواني بدأت خطوط بنية خفيفة تظهر على الورقة، حرف ورا حرف، لحد ما بانت كتابة كاملة.
زين قرأ أول سطر بصوت منخفض.
“لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مت.”
سكت للحظة، ثم كمل.
“زين… متصدقش أي حاجة مراد فؤاد يقوله. أخطر كذبة في حياته إنه أقنع الناس إن ليلى ماتت لوحدها.”
داليدا شهقت وهي حاطة إيدها على بقها.
كمل زين القراءة.
“ليلى كانت مخبية ملف كامل يقدر يوقع إمبراطورية كاملة، لكنها قبل ما تموت سلمته لشخص ماكنتش أتوقعه أبدًا. الشخص ده اسمه يوسف.”
اتقابلت نظرات زين وداليدا في نفس اللحظة.
يوسف.
الاسم اللي بيتكرر للمرة التالتة.
كمل.
“لو عايز تلاقي يوسف، دور على المكان اللي بدأت فيه الحكاية… المخزن رقم سبعة.”
زين عقد حاجبيه.
“مخزن رقم سبعة؟”
داليدا هزت رأسها بالنفي.
“معرفش حاجة عنه.”
لكن زين افتكر فجأة.
كان فيه مخزن قديم تابع لشركة أبوه قبل ما يشتري مراد نص الأسهم في المشروع من سنين طويلة.
المخزن ده اتقفل من أكتر من عشرين سنة.
ومحدش دخله من وقتها.
وقبل ما يكملوا قراءة الرسالة، ظهر آخر سطر على الورقة.
“متثقش في سليم… لكن متثقش في كل اللي حواليك برضه.”
في نفس اللحظة، سمعوا صوت خطوات جاية من برة المكتب.
زين رفع المسد..س بسرعة.
الباب اتفتح بهدوء.
دخل مدير الأمن الشخصي بتاعه، سامح.
كان وشه شاحب بشكل غريب.
قال بصوت مرتبك: “يا باشا… فيه مشكلة.”
زين سأله: “إيه هي؟”
سامح بلع ريقه وقال: “فيه حد دخل المقابر بعد ما مشينا.”
زين حس إن قلبه اتقبض.
“وبعدين؟”
سامح رد وهو بيبص لداليدا.
“قبر أم نعيمة… مفتوح.”
اتسعت عيون داليدا.
وقفت من مكانها وهي مش مستوعبة اللي سمعته.
زين قال بحدة: “تقصد إيه مفتوح؟”
رد سامح بصوت منخفض.
“يعني… الجثمان مش موجود.”
الصمت اللي نزل على المكتب كان مرعب.
داليدا همست وهي حاسة إن نفسها بيتقطع.
“أبويا…”
لكن سامح هز رأسه ببطء وقال.
“لو كان مراد… كان ساب رسالة.”
زين بصله باستغراب.
“أمال مين؟”
سامح مد إيده بورقة صغيرة كانت مطوية.
“دي كانت جوه القبر.”
فتحها زين بسرعة.
وكان مكتوب فيها بخط أسود واضح.
“متدوروش على الموتى…
دوروا على الأحياء…
يوسف مستنيكم.”
يتبع