ليلة زفاف كارثيه حكايات اسما ×2
بعد خبر القبض على كريم، كنت فاكرة إن القصة انتهت، وإن ربنا أخدلي حقي من غير ما أتكلم، لكن الحقيقة إن اللي حصل بعد كده كان أصعب بكتير من الفضيحة نفسها. لأنك لما تكتشفي إن الإنسان اللي كنتِ مستعدة تكملي عمرك معاه كان بيعيش بشخصيتين، بتبدئي تشكي في كل حاجة حواليكي… وفي نفسك أكتر من أي حد.
فضلت شهور طويلة ما بخرجش من البيت غير بالعافية. كل ما أبص في المراية أشوف بنت مكسورة بفستان أبيض متبهدل واقفة وسط قاعة مليانة ناس بتبصلها بشفقة. حتى صوت الأغاني بقيت أكرهه. أي فرح يعدي في الشارع كان يخنقني. وأمي كل يوم تحاول تواسيني وتقولي: “ربنا نجاكي يا بنتي.” لكن وقتها ماكنتش حاسة نجاة… كنت حاسة إهانة.
الناس للأسف ما بترحمش. واحدة قريبتي قالت لأمي: “أكيد كان في علامات وهي تجاهلتها.” كأن الغلط غلطتي أنا. وكأن الست لازم تعيش محققة بوليسية طول عمرها علشان تتأكد إن اللي قدامها مش كذاب.
وفي ليلة من الليالي، وأنا قاعدة لوحدي في أوضتي، لقيت رسالة جتلي من رقم غريب.
“ليلى… لازم أقابلك. الموضوع يخص كريم وآدم. — مريم”
قلبي دق بسرعة. آخر مرة شوفت مريم كانت يوم الفرح، وبعدها اختفت تمامًا. ترددت كتير، لكن فضولي وخوفي خلوني أوافق.
اتقابلنا في كافيه صغير بعيد عن الزحمة. أول ما شفتها حسيت قد إيه الست دي كانت تعبانة فعلًا. وشها شاحب، وعينيها غرقانة إرهاق. آدم كان معاها، قاعد ساكت ماسك لعبته الصغيرة.
قعدت قدامها وأنا متوترة. قلتلها: “خير؟”
بصت حواليها بخوف وقالت بصوت واطي: “كريم خرج.”
اتجمدت مكاني. “خرج إزاي؟! ده كان متقبض عليه!”
قالت وهي بتفرك إيديها بعصبية: “محاميه طلعه بكفالة.”
حسيت بقبضة في قلبي. أول حاجة جت في بالي كانت إني مش عايزة أشوفه تاني أبدًا.
مريم قالت فجأة: “هو مش هيسيبنا.”
بصيتلها بعدم فهم.
طلعت موبايلها وورّتني رسائل منه. تهديدات. شتايم. ووعود إنه “هيخليها تندم”.
آدم وقتها كان باصص للأرض بخوف، فحاولت أبتسم له وأسأله عن المدرسة، لكنه قال حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
قال: “بابا قال إن كل الستات خونة.”
مريم غمضت عينيها بألم.
وقتها فهمت إن الأذى اللي كريم سببه مش مجرد ضرب أو كدب… ده كان بيدمر روح الطفل نفسه.
رجعت البيت يومها وأنا مخنوقة. حاولت أقنع نفسي إن ماليش دعوة. إن كل واحد يشيل شيلته. لكن طول الليل كنت بفكر في آدم. الطفل اللي أنقذني من جوازة كانت هتدمرني، ولسه عايش في خوف.
بعد أسبوع، الساعة كانت قربت اتنين الفجر، صحيت على رن موبايل متواصل. كان رقم مريم.
رديت بفزع، لكن اللي سمعته كان صوت آدم بيعيط.
“طنط ليلى… الحقينا.”
قلبي وقع.
سمعت صوت تكسير وصريخ في الخلفية، ومريم بتزعق. بعدين الخط اتقفل.
خرجت أجري من البيت من غير ما أفكر. كلمت الشرطة وأنا رايحة على عنوان مريم اللي كنت أخدته قبل كده. الطريق كله كنت برجف. ألف فكرة سوداء في دماغي.
لما وصلت، لقيت الجيران متجمعين قدام العمارة. والشرطة لسه واصلة.
طلعت فوق وأنا نفسي بيتقطع. الباب كان مكسور.
ودخلت…
لقيت مريم قاعدة على الأرض وشفتها نازفة من جنب شفايفها، وآدم مستخبي ورا الكنبة بيعيط بهستيريا.
أما كريم…
فكان واقف في نص الصالة، عينيه كلها جنون.
أول ما شافني، ضحك.
ضحكة باردة مرعبة.
وقال: “أهو سبب خراب بيتي وصل.”
الشرطة دخلت بسرعة وثبتوه، لكنه فضل يبصلي بنفس النظرة اللي كانت بتخوفني دايمًا. نظرة شخص شايف الناس ممتلكات مش بشر.
وهو بيتسحب برا الشقة، بصلي وقال: “فاكرة إنك نجوتي؟”
الجملة فضلت ترن في ودني أيام.
مريم اتنقلت المستشفى، وأنا فضلت مع آدم لحد الصبح. الطفل كان مرعوب بشكل يكسر القلب. كل شوية يسألني: “بابا هييجي تاني؟”
ماعرفتش أرد.
بعد الحادثة دي، بدأت علاقتي بمريم تتغير. بقينا بنتكلم كتير. واكتشفت قد إيه الست دي كانت لوحدها. أهلها ماتوا، وكانت مستحملة كريم سنين علشان ابنها.
قالتلي مرة وهي بتشرب قهوتها بشرود: “أنا كنت فاكرة إني لو صبرت هيهدى.”
ابتسمت بمرارة وقلت: “وأنا كنت فاكرة الحب يغير أي حد.”
ضحكنا ضحكة كلها وجع.
الشهور عدت، والمحكمة بدأت. كريم حاول ينكر كل حاجة. حاول يطلع مريم مجنونة، وأنا ست حقودة، لكن الرسائل والتقارير الطبية وشهادة الجيران كانت أقوى.
وفي أول جلسة شوفته فيها بعد كل اللي حصل، حسيت بخضة.
إزاي كنت بحبه بالشكل ده؟
إزاي كنت شايفاه أمان؟
كان قاعد في القفص، لكن الغريب إني لأول مرة ماخفتش منه.
كان باصصلي بغضب، وأنا بصيتله ببرود.
القاضي حكم بمنع اقترابه من مريم وآدم، وبدأت إجراءات الق*ضية الجنائية ضده.
بعد الجلسة، وأنا خارجة من المحكمة، آدم جري عليا وحضني فجأة.
قال بصوت بريء: “إنتِ لسه زعلانة مني؟”
ركعت قدامه بسرعة ودموعي نزلت.
قلتله: “إنت بطلي يا آدم.”
ابتسم لأول مرة من شهور.
في اليوم ده، حسيت إن في جزء صغير جوايا بدأ يتعافى.
لكن الحياة كان عندها مفاجآت تانية.
بعد حوالي ست شهور، رجعت لشغلي. كنت مصممة أبدأ من جديد. وفي أول يوم، دخل علينا مدير جديد للشركة.
اسمه عمر.
هادئ جدًا، ومحترم بطريقة غريبة. ماحاولش يقرب مني بسرعة، ولا يرميني بكلام معسول. بالعكس، كان دايمًا حاطط حدود.
وده اللي خوفني أكتر في البداية.
كنت أي راجل يقرب مني أحس إني هختنق.
لكن عمر كان مختلف.
مرة اتأخرت في الشغل بسبب panic attack جاتلي فجأة. لقيته حطلي كوباية مية وقال بهدوء: “لو محتاجة تمشي روحي… صحتك أهم.”
بس.
من غير فضول. من غير استغلال. من غير ما يحاول يبقى البطل.
والحاجات الصغيرة دي كانت بتخوفني… لأن قلبي بدأ يلين تاني.
قاومت كتير.
لكن الحقيقة إن عمر كان بيخليني أحس بالأمان لأول مرة من سنين.
وفي يوم، بعد الشغل، لقاني سرحانة فقال: “لسه الماضي بيطاردك؟”
ضحكت بخفة وقلت: “هو الماضي بيسيب حد؟”
قال جملة عمري ما نسيتها:
“الماضي عمره ما بيختفي… بس مع الشخص الصح، بيبطل يوجع.”
الجملة دخلت قلبي بهدوء.
بدأنا نقرب بالتدريج. وكان أول شخص أحكيله كل حاجة من غير ما أخاف من حكمه عليا.
لما حكيتله عن يوم الفرح، ما ضحكش ولا اتصدم… بس قال: “الطفل ده أنقذك.”
نفس الجملة اللي كنت بقولها لنفسي كل يوم.
بعد سنة كاملة، كنت واقفة في مكان مختلف تمامًا. أقوى. أهدى. وأول مرة حاسة إني شايفة نفسي بوضوح.
وفي يوم، كنت ماشية في المول، وفجأة سمعت صوت صغير بينادي:
“طنط ليلى!”
لفيت بسرعة.
كان آدم.
جري عليا وحضني بقوة، ومريم ماشية وراه وهي مبتسمة.
الطفل كان شكله اتغير. بقى أهدى… وعينيه فيها طمأنينة أكتر.
قال بفخر: “أنا جبت امتياز في المدرسة.”
صفقتله بحماس، وبعدين بصيت لمريم.
قالتلي بهدوء: “إحنا مسافرين نبدأ حياة جديدة.”
ابتسمتلها من قلبي. حسيت براحة غريبة.
قبل ما يمشوا، آدم بصلي وقال:
“إنتِ هتتجوزي واحد كويس المرة دي.”
ضحكت وأنا دموعي لمعت.
بعد ما مشيوا، فضلت واقفة مكاني شوية.
أفتكر يوم الفرح. القاعة. الفستان الأبيض. الصريخ. والانهيار.
وقتها كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
لكن الحقيقة؟
كانت بتبدأ.
لأن أسوأ لحظة في حياتي… كانت اللحظة اللي أنقذت مستقبلي كله.
وفي الليل، وأنا قاعدة في بلكونة بيتي الجديد، لقيت رسالة من رقم مجهول.
قلبي اتقبض للحظة.
فتحت الرسالة ببطء.
لكنها ماكنتش من كريم.
كانت صورة.
صورتي يوم الفرح… وأنا بضحك قبل ما كل حاجة تنهار.
وتحتها رسالة قصيرة:
“أحيانًا ربنا بيكسر قلبك… علشان ينقذ روحك.”
ابتسمت وأنا بقفل الموبايل.
وبصيت للسماء.
ولأول مرة من سنين…
ماحستش بخوف.